حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

باب حَدِيثُ أَبْرَصَ وَأَعْمَى وَأَقْرَعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ

باب حَدِيث أَبْرَصَ وَأَعْمَى وَأَقْرَعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ 3464 - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ح . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى بَدَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ : أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : لَوْنٌ حَسَنٌ ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ ، قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ .

قَالَ : فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا ، وَجِلْدًا حَسَنًا ، فَقَالَ : أَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : الْإِبِلُ ، أَوْ قَالَ : الْبَقَرُ ، هُوَ شَكَّ فِي ذَلِكَ ، إِنَّ الْأَبْرَصَ وَالْأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا : الْإِبِلُ ، وَقَالَ الْآخَرُ : الْبَقَرُ ، فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ ، فَقَالَ : يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا . وَأَتَى الْأَقْرَعَ فَقَالَ : أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ هَذَا عني قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ . قَالَ : فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا ، قَالَ : فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : الْبَقَرُ .

قَالَ : فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلًا ، وَقَالَ : يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا . وَأَتَى الْأَعْمَى فَقَالَ : أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : يَرُدُّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ . قَالَ : فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ .

قَالَ : فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : الْغَنَمُ . فَأَعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا ، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ الإبل ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ الغَنَم ، ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ : رَجُلٌ مِسْكِينٌ تَقَطَّعَتْ بِه الْحِبَالُ فِي سَفَرِه فَلَا بَلَاغَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ به فِي سَفَرِي . فَقَالَ لَهُ : إِنَّ الْحُقُوقَ كَثِيرَةٌ .

فَقَالَ لَهُ : كَأَنِّي أَعْرِفُكَ أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ ؟ فَقَالَ : لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ . فَقَالَ : إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ . وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا ، فَرَدَّ عَلَيْهِ هَذَا فَقَالَ : إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ .

وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ فَقَالَ : رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ وَتَقَطَّعَتْ به الْحِبَالُ فِي سَفَرِه فَلَا بَلَاغَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ ، شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي . وقَالَ : قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرِي ، وَفَقِيرًا فَقَدْ أَغْنَانِي ، فَخُذْ مَا شِئْتَ ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ . فَقَالَ : أَمْسِكْ مَالَكَ ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ .

قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى ) هَكَذَا تَرْجَمَ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي أَثْنَاءِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ) هُوَ السَّرْمَارِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَبَعْدَهَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ نِسْبَةٌ إِلَى سَرْمَارَةَ مِنْ قُرَى بُخَارَى ، الزَّاهِدُ الْمُجَاهِدُ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيِّ ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ . قَوْلُهُ فِي السَّنَدِ الثَّانِي : ( وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ) يُقَالُ : إِنْ مُحَمَّدًا هَذَا هُوَ الذُّهْلِيُّ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ الْمُصَنِّفُ نَفْسُهُ ، كَمَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ فِي اللُّقَطَةِ وَعِدَّةِ مَوَاضِعَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، لَكِنْ جَزَمَ أَبُو ذَرٍّ بِأَنَّهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ عَنْ مُحَمَّدٍ غَيْرُ مَنْسُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ ، وَجَوَّزَ أَنَّهُ الذُّهْلِيُّ ، وَسَاقَهُ عَنِ الْجَوْزَقِيِّ ، عَنْ مَكِّيِّ بْنِ عَبْدَانَ ، عَنِ الذُّهْلِيِّ بِطُولِهِ ، وَكَذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ الْعَبَّاسِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَيْنِ السَّنَدَيْنِ سَوَاءٌ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ ، لِإِسْحَاقَ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ سِوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ .

قَوْلُهُ : ( عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ صَرَّحَ بِهِ شَيْبَانُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ هَمَّامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ . قَوْلُهُ : ( بَدَا لِلَّهِ ) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ ، أَيْ : سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ فَأَرَادَ إِظْهَارَهُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ خَافِيًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ ، عَنْ هَمَّامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ : أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ ، فَلَعَلَّ التَّغْيِيرَ فِيهِ مِنَ الرُّوَاةِ ، مَعَ أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ أَيْضًا نَظَرًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُرِيدًا ، وَالْمَعْنَى أَظْهَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ . وَقِيلَ : مَعْنَى أَرَادَ قَضَى .

وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ ضَبَطْنَاهُ عَلَى مُتْقِنِي شُيُوخِنَا بِالْهَمْزِ ، أَيِ : ابْتَدَأَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ ، قَالَ : رَوَاهُ كَثِيرٌ مِنَ الشُّيُوخِ بِغَيْرِ هَمْزٍ ، وَهُوَ خَطَأٌ ، انْتَهَى . وَسَبَقَ إِلَى التَّخْطِئَةِ أَيْضًا الْخَطَّابِيُّ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ؛ لِأَنَّهُ مُوَجَّهٌ كَمَا تَرَى ، وَأَوْلَى مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ قَضَى اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ ، وَأَمَّا الْبَدْءُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ تَغَيُّرُ الْأَمْرِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَلَا . قَوْلُهُ : ( قَذِرَنِي النَّاسُ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيِ اشْمَأَزُّوا مِنْ رُؤْيَتِي ، وَفِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا الْكِرْمَانِيُّ قَذِرُونِي النَّاسُ وَهِيَ عَلَى لُغَةِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ .

قَوْلُهُ : ( فَمَسَحَهُ ) أَيْ مَسَحَ عَلَى جِسْمِهِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ وَأَيُّ الْمَالِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْوَاوِ . قَوْلُهُ : ( الْإِبِلُ ، أَوْ قَالَ : الْبَقَرُ ، هُوَ شَكٌّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَبْرَصَ وَالْأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا الْإِبِلُ وَقَالَ الْآخَرُ الْبَقَرُ ) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ ، عَنْ هَمَّامٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الَّذِي شَكَّ فِي ذَلِكَ هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ رَاوِي الْحَدِيثِ .

قَوْلُهُ : ( فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ ) أَيِ الَّذِي تَمَنَّى الْإِبِلَ ، وَالْعُشَرَاءُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَعَ الْمَدِّ هِيَ الْحَامِلُ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا فِي حَمْلِهَا عَشَرَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ طَرَقَهَا الْفَحْلُ ، وَقِيلَ : يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ إِلَى أَنْ تَلِدَ وَبَعْدَمَا تَضَعُ ، وَهِيَ مِنْ أَنْفَسِ الْمَالِ . قَوْلُهُ : ( يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا ) كَذَا وَقَعَ يُبَارَكُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ . وَفِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ بَارَكَ اللَّهُ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي وَإِبْرَازِ الْفَاعِلِ .

قَوْلُهُ : ( فَمَسَحَهُ ) أَيْ مَسَحَ عَلَى عَيْنَيْهِ . قَوْلُهُ : ( شَاةً وَالِدًا ) أَيْ ذَاتَ وَلَدٍ وَيُقَالُ حَامِلٌ . قَوْلُهُ : ( فَأَنْتَجَ هَذَانِ ) أَيْ صَاحِبُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ ( وَوَلَّدَ هَذَا ) أَيْ صَاحِبُ الشَّاةِ ، وَهُوَ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ ، وَأَنْتَجَ فِي مِثْلِ هَذَا شَاذٌّ وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ نُتِجَتِ النَّاقَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَنَتَجَ الرَّجُلُ النَّاقَةَ أَيْ حَمَلَ عَلَيْهَا الْفَحْلَ ، وَقَدْ سُمِعَ أَنْتَجَتِ الْفَرَسُ إِذَا وَلَدَتْ فَهِيَ نَتُوجٌ .

قَوْلُهُ : ( ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ ) أَيْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ وَهُوَ أَبْرَصُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( رَجُلٌ مِسْكِينٌ ) زَادَ شَيْبَانُ وَابْنُ سَبِيلٍ ( تَقَطَّعَتْ بِهِ الْحِبَالُ فِي سَفَرِهِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي وَالْحِبَالُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ خَفِيفَةٌ جَمْعُ حَبْلٍ ، أَيِ الْأَسْبَابُ الَّتِي يَقْطَعُهَا فِي طَلَبِ الرِّزْقِ ، وَقِيلَ الْعَقَبَاتُ ، وَقِيلَ الْحَبْلُ هُوَ الْمُسْتَطِيلُ مِنَ الرَّمْلِ . وَلِبَعْضِ روَاه مُسْلِمٍ الْحِيَالُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ جَمْعُ حِيلَةٍ ، أَيْ لَمْ يَبْقَ لِي حِيلَةٌ ، وَلِبَعْضِ روَاه الْبُخَارِيِّ الْجِبَالُ وبِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ .

قَالَ ابْنُ التِّينِ : قَوْلُ الْمَلَكِ لَهُ رَجُلٌ مِسْكِينٌ إِلَخْ أَرَادَ أَنَّكَ كُنْتَ هَكَذَا ، وَهُوَ مِنَ الْمَعَارِيضِ وَالْمُرَادُ بِهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ لِيَتَيَقَّظَ الْمُخَاطَبُ . قَوْلُهُ : ( أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَتَبَلَّغُ بِهِ وَأَتَبَلَّغُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْبُلْغَةِ ، وَهِيَ الْكِفَايَةُ ، وَالْمَعْنَى : أَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مُرَادِي . قَوْلُهُ : ( لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ وَفِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ : إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ ، أَيْ كَبِيرٍ عَنْ كَبِيرٍ فِي الْعِزِّ وَالشَّرَفِ .

قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ ) أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( فَخُذْ مَا شِئْتَ ) زَادَ شَيْبَانُ وَدَعْ مَا شِئْتَ . قَوْلُهُ : ( لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ ) كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ ، كَذَا قَالَ عِيَاضٌ إِنَّ رُوَاةَ الْبُخَارِيِّ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، وَالْمَعْنَى لَا أَحْمَدُكَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَالِي ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَلَيْسَ عَلَى طُولِ الْحَيَاةِ تَنَدُّمٌ أَيْ فَوْتُ طُولِ الْحَيَاةِ ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَأَكْثَرِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ لَا أُجْهِدُكَ بِالْجِيمِ وَالْهَاءِ ، أَيْ لَا أَشُقُّ عَلَيْكَ فِي رَدِّ شَيْءٍ تَطْلُبُهُ مِنِّي أَوْ تَأْخُذُهُ ، قَالَ عِيَاضٌ : لَمْ يَتَّضِحْ هَذَا الْمَعْنَى لِبَعْضِ النَّاسِ فَقَالَ : لَعَلَّهُ لَا أَحُدُّكَ بِمُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ بِغَيْرِ مِيمٍ ، أَيْ لَا أَمْنَعُكَ ، قَالَ : وَهَذَا تَكَلُّفٌ .

انْتَهَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : أُحَمِّدُكَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ ، أَيْ لَا أَطْلُبُ مِنْكَ الْحَمْدَ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : فُلَانٌ يَتَحَمَّدُ عَلَى فُلَانٍ ، أَيْ يَمْتَنُّ عَلَيْهِ ، أَيْ لَا أَمْتَنُّ عَلَيْكَ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ ) أَيِ امْتُحِنْتُمْ .

قَوْلُهُ : ( فَقَدْ رَضِيَ عَنْكَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ فِي رَضِيَ وَسَخِطَ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ مَا مُحَصَّلُهُ : كَانَ مِزَاجُ الْأَعْمَى أَصَحُّ مِنْ مِزَاجِ رَفِيقَيْهِ ، لِأَنَّ الْبَرَصَ مَرَضٌ يَحْصُلُ مِنْ فَسَادِ الْمِزَاجِ وَخَلَلِ الطَّبِيعَةِ وَكَذَلِكَ الْقَرَعُ ، بِخِلَافِ الْعَمَى فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ بَلْ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَمْرٍ خَارِجٍ ، فَلِهَذَا حَسُنَتْ طِبَاعُ الْأَعْمَى وَسَاءَتْ طِبَاعُ الْآخَرَيْنِ . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ ذِكْرِ مَا اتَّفَقَ لِمَنْ مَضَى لِيَتَّعِظَ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ غِيبَةً فِيهِمْ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَرْكِ تَسْمِيَتِهِمْ ، وَلَمْ يُفْصِحْ بِمَا اتَّفَقَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِمْ وَقَعَ كَمَا قَالَ الْمَلَكُ . وَفِيهِ التَّحْذِيرُ مِنْ كُفْرَانِ النِّعَمِ وَالتَّرْغِيبُ فِي شُكْرِهَا وَالِاعْتِرَافُ بِهَا وَحَمْدُ اللَّهِ عَلَيْهَا ، وَفِيهِ فَضْلُ الصَّدَقَةِ وَالْحَثُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالضُّعَفَاءِ ، وَإِكْرَامُهُمْ وَتَبْلِيغُهُمْ مَآرِبَهُمْ ، وَفِيهِ الزَّجْرُ عَنِ الْبُخْلِ ، لِأَنَّهُ حَمَلَ صَاحِبَهُ عَلَى الْكَذِبِ ، وَعَلَى جَحْدِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث