باب حديث بَيْنَا امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنَهَا
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ - عَامَ حَجَّ - عَلَى الْمِنْبَرِ فَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ - وَكَانَتْ فِي يَدَيْ حَرَسِيٍّ - فَقَالَ : يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ : إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هذه نِسَاؤُهُمْ . الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ : حَدَيثُ مُعَاوِيَةَ . قَوْلُهُ : ( عَامَ حَجَّ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ الْآتِيَةِ آخِرَ الْبَابِ : آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا قُلْتُ : وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ ، وَهِيَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا فِي خِلَافَتِهِ .
قَوْلُهُ : ( فَتَنَاوَلَ قُصَّةً ) بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ شَعْرُ النَّاصِيَةِ ، وَالْحَرَسِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْحَرَسِ وَهُوَ وَاحِدُ الْحُرَّاسِ . قَوْلُهُ : ( أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ إِذْ ذَاكَ فِيهِمْ كَانُوا قَدْ قَلُّوا ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ غَالِبَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَوْمَئِذٍ قَدْ مَاتُوا ، وَكَأَنَّهُ رَأَى جُهَّالَ عَوَامِّهِمْ صَنَعُوا ذَلِكَ فَأَرَادَ أَنْ يُذَكِّرَ عُلَمَاءَهُمْ وَيُنَبِّهَهُمْ بِمَا تَرَكُوهُ مِنْ إِنْكَارِ ذَلِكَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ مَنْ بَقِيَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ إِذْ ذَاكَ الْإِنْكَارَ إِمَّا لِاعْتِقَادِ عَدَمِ التَّحْرِيمِ مِمَّنْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ فَحَمَلَهُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، أَوْ كَانَ يَخْشَى مِنْ سَطْوَةِ الْأُمَرَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَلَى مَنْ يَسْتَبِدَّ بِالْإِنْكَارِ لِئَلَّا يُنْسَبَ إِلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى أُولِي الْأَمْرِ ، أَوْ كَانُوا مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْخَبَرُ أَصْلًا ، أَوْ بَلَغَ بَعْضَهُمْ لَكِنْ لَمْ يَتَذَكَّرُوهُ حَتَّى ذَكَّرَهُمْ بِهِ مُعَاوِيَةُ ، فَكُلُّ هَذِهِ أَعْذَارٌ مُمْكِنَةٌ لِمَنْ كَانَ مَوْجُودًا إِذْ ذَاكَ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَأَمَّا مَنْ حَضَرَ خُطْبَةَ مُعَاوِيَةَ وَخَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ : أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ فَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خُطْبَةِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ ، وَلَمْ يَتَّفِقْ أَنْ يَحْضُرَهُ إِلَّا مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَقَالَ : أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ لِأَنَّ الْخِطَابَ بِالْإِنْكَارِ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَ الْحُكْمَ وَأَقَرَّهُ . قَوْلُهُ : ( وَيَقُولُ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى يَنْهَى ، وَفَاعِلُ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ ، فَلَمَّا فَعَلُوهُ كَانَ سَبَبًا لِهَلَاكِهِمْ ، مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مِنَ ارْتِكَابِهِمْ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْمَنَاهِي ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .