باب حديث بَيْنَا امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنَهَا
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ . وَعَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ : مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّاعُونِ ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ - فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ . قَالَ أَبُو النَّضْرِ : لَا يُخْرِجْكُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ .
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ : حَدَيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي الطَّاعُونِ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الطِّبِّ ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَوَقَعَ هُنَا رِجْسٌ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الزَّايِ وَالْمَحْفُوظُ بِالزَّايِ ، وَوَجَّهَهُ الْقَاضِي بِأَنَّ الرِّجْسَ يَقَعُ عَلَى الْعُقُوبَةِ أَيْضًا ، وَقَدْ قَالَ الْفَارَابِيُّ ، وَالْجَوْهَرِيُّ : الرِّجْسُ الْعَذَابُ . قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ( فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ، قَالَ أَبُو النَّضْرِ : لَا يُخْرِجْكُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ ) يُرِيدُ أَنَّ الْأُولَى رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَالثَّانِيَةُ رِوَايَةُ أَبِي النَّضْرِ ، فَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ فَلَا إِشْكَالَ فِيهَا ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي النَّضْرِ فَرِوَايَتُهَا بِالنَّصْبِ كَالَّذِي هُنَا مُشْكِلَةٌ ، وَرَوَاهَا جَمَاعَةٌ بِالرَّفْعِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا ، قَالَ عِيَاضٌ فِي الشَّرْحِ : وَقَعَ لِأَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأ بِالرَّفْعِ وَهُوَ بَيِّنٌ أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي يُخْرِجُكُمُ الْفِرَارُ وَمُجَرَّدُ قَصْدِهِ لَا غَيْرَ ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى الْأَسْفَارِ وَالْحَوَائِجِ مُبَاحٌ ، وَيُطَابِقُ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى : فَلَا يخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ قَالَ : رَوَاهُ بَعْضُهُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ قَالَ : وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : جَاءَ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كانَ مِنْ مَالِكٍ ، وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ دُخُولُ إِلَّا هُنَا بَعْدَ النَّفْيِ لِإِيجَابِ بَعْضِ مَا نُفِيَ قَبْلُ مِنَ الْخُرُوجِ ، فَكَأَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخُرُوجِ إِلَّا لِلْفِرَارِ خَاصَّةً ، وَهُوَ ضِدُّ الْمَقْصُودِ ، فَإِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ الْخُرُوجُ لِلْفِرَارِ خَاصَّةً لَا لِغَيْرِهِ ، قَالَ : وَجَوَّزَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَجَعَلَ قَوْلَهُ إِلَّا حَالًا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ ، أَيْ لَا تَخْرُجُوا إِذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُكُمْ إِلَّا لِلْفِرَارِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَوَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ : لَا يُخْرِجْكُمُ الْإِفْرَارُ ، بِأَدَاةِ التَّعْرِيفِ وَبَعْدَهَا إِفْرَارٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ وَهْمٌ وَلَحْنٌ . وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ مَا حَاصِلُهُ : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ ، يُقَالُ : أَفَرَّهُ كَذَا مِنْ كَذَا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ : إِنْ كَانَ لَا يُفِرُّكَ مِنْ هَذَا إِلَّا مَا تَرَى ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَا يُخْرِجْكُمْ إِفْرَارُهُ إِيَّاكُمْ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ غَلَطٌ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ أَفَرَّ وَإِنَّمَا يُقَالُ فَرَّرَ ، قَالَ : وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : إِدْخَالُ إِلَّا فِيهِ غَلَطٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ زَائِدَةٌ وَتَجُوزُ زِيَادَتُهُ كَمَا تُزَادُ لَا ، وَخَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا لِلْإِيجَابِ ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا مَضَى ، قَالَ : وَالْأَقْرَبُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ : لَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ، وَبَيْنَ قَوْلِ أَبِي النَّضْرِ : لَا يُخْرِجْكُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ مُشْكِلٌ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ التَّنَاقُضُ ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدِهَا أَنَّ غَرَضَ الرَّاوِي أَنَّ أَبَا النَّضْرِ فَسَّرَ لَا تَخْرُجُوا بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْحَصْرُ يَعْنِي الْخُرُوجَ الْمَنْهِيَّ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الْفِرَارِ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ ، فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلْمُعَلَّلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا لِلنَّهْيِ .
قُلْتُ : وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مِنْ كَلَامِ أَبِي النَّضْرِ زَادَهُ بَعْدَ الْخَبَرِ وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَلَى اللَّفْظِ الْأَوَّلِ رِوَايَةً ، وَالْمُتَبَادَرُ خِلَافُ ذَلِكَ . وَالْجَوَابُ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ وَالزِّيَادَةُ مَرْفُوعَةٌ أَيْضًا فَيَكُونُ رَوَى اللَّفْظَيْنِ وَيَكُونُ التَّفْسِيرُ مَرْفُوعًا أَيْضًا . الثَّالِثُ إِلَّا زَائِدَةٌ بِشَرْطِ أَنْ تَثْبُتَ زِيَادَتُهَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ .