حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

باب حديث بَيْنَا امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنَهَا

حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شَقِيقٌ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ : حَدَيثُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَشَقِيقٌ هُوَ أَبُو وَائِلٍ . قَوْلُهُ : ( كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا النَّبِيِّ صَرِيحًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِ الشُّعَرَاءِ مِنْ طَرِيقِ ابنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ كَانُوا يَبْطِشُونَ بِهِ فَيَخْنُقُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ ، فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ .

قُلْتُ : وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ ، ثُمَّ لَمَّا يَئِسَ مِنْهُمْ قَالَ : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ تَخْرِيجِ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ دَمَّوْا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْحَاكِي وَالْمَحْكِيُّ كمَا سَيَأْتِي . وَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَقَالَ : هَذَا النَّبِيُّ الَّذِي جَرَى لَهُ مَا حَكَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَقَدْ جَرَى لِنَبِيِّنَا نَحْوُ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ ) يَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ لَمَّا وَقَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ لِأَصْحَابِهِ أَنَّهُ وَقَعَ لِنَبِيٍّ آخَرَ قَبْلَهُ ، وَذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا شُجَّ وَجْهُهُ وَجَرَى الدَّمُ مِنْهُ .

فَاسْتَحْضَرَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ قِصَّةَ ذَلِكَ النَّبِيِّ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ فَذَكَرَ قِصَّتَهُ لِأَصْحَابِهِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ . وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْحَاكِي وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْهُ ، قَالَ : وَكَأَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِ الْقِصَّةِ ، وَلَمْ يُسَمِّ ذَلِكَ النَّبِيَّ ، فَلَمَّا وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ تَعَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِذَلِكَ . قُلْتُ : وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ التَّرْجَمَةَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِمْ ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : إن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ .

قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : مَعْنَى هَذَا الدُّعَاءِ الَّذِي قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا شُجَّ وَجْهُهُ ، أَيِ : اغْفِرْ لَهُمْ ذَنْبَهُمْ فِي شَجِّ وَجْهِي ، لَا أَنَّهُ أَرَادَ الدُّعَاءَ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ مُطْلَقًا ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأُجِيبَ وَلَوْ أُجِيبَ لَأَسْلَمُوا كُلُّهُمْ ، كَذَا قَالَ ، وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ بَعْضُ دُعَائِهِ عَلَى بَعْضٍ أَوْ عَنْ بَعْضٍ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِثُبُوتِ : أَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ ، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ مَا يَمْنَعُ تَأْوِيلَ الْقُرْطُبِيِّ ، وَيُعَيِّنُ الْغَزْوَةَ الَّتِي قَالَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ : قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ بِالْجِعِرَّانَةِ ، قَالَ : فَازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَقَالَ : إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ فَكَذَّبُوهُ وَشَجُّوهُ ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ جَبِينِهِ وَيَقُولُ : رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ جَبْهَتَهُ يَحْكِي الرَّجُلَ . قُلْتُ : وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الَّذِي قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ أَيْضًا ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ حَكَى صِفَةَ مَسْحِ جَبْهَتِهِ خَاصَّةً كَمَا مَسَحَهَا ذَلِكَ النَّبِيُّ ، وَظَهَرَ بِذَلِكَ فَسَادُ مَا زَعَمَهُ الْقُرْطُبِيُّ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث