باب حديث بَيْنَا امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنَهَا
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، قَالَ : قَالَ عُقْبَةُ ، لِحُذَيْفَةَ : أَلَا تُحَدِّثُنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : إِنَّ رَجُلًا حَضَرَهُ الْمَوْتُ لَمَّا أَيِسَ مِنْ الْحَيَاةِ أَوْصَى أَهْلَهُ : إِذَا مُتُّ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا ، ثُمَّ أَوْرُوا نَارًا ، حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي فَخُذُوهَا فَاطْحَنُوهَا فَذَرُّونِي فِي الْيَمِّ فِي يَوْمٍ حَارٍّ - أَوْ رَاحٍ - فَجَمَعَهُ اللَّهُ فَقَالَ : لِمَ فَعَلْتَ ؟ قَالَ : خَشْيَتَكَ . فَغَفَرَ لَهُ . قَالَ عُقْبَةُ : وَأَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ : حَدَّثَنَا مُوسَى ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ، وَقَالَ : فِي يَوْمٍ رَاحٍ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ عُقْبَةُ ، لِحُذَيْفَةَ ) هُوَ عُقْبَةُ بْنُ عُمَرَ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَصَوَّبَ أَبُو ذَرٍّ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ أَنَّهُ عَنْ مُوسَى ; وَمُوسَى ، وَمُسَدَّدٌ جَمِيعًا قَدْ سَمِعَا مِنْ أَبِي عَوَانَةَ ، لَكِنَّ الصَّوَابَ هُنَا مُوسَى لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ سَاقَ الْحَدِيثَ عَنْ مُسَدَّدٍ ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مُوسَى خَالَفَهُ فِي لَفْظَةٍ مِنْهُ وَهِيَ قَوْلُهُ : فِي يَوْمِ رَاحٍ ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ يَوْمٌ حَارٌّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سِيَاقُ مُوسَى فِي أَوَّلِ بَابِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَقَالَ فِيهِ : انْظُرُوا يَوْمًا رَاحًا وَقَوْلُهُ : رَاحًا أَيْ كَثِيرَ الرِّيحِ ، وَيُقَالُ ذَلِكَ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي تَخْتَرِقُهُ الرِّيَاحُ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : يَوْمٌ رَاحٌ ، أَيْ شَدِيدُ الرِّيحِ ، وَإِذَا كَانَ طَيِّبَ الرِّيحِ يُقَالُ الرَّيِّحُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَوْمٌ رَاحٌ أَيْ ذُو رِيحٍ كَمَا يُقَالُ رَجُلٌ مَالٌ أَيْ ذُو مَالٍ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْبَابِ فَقَوْلُهُ فِي يَوْمٍ حَارٍ فَهُوَ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : الْحَوَرُ رِيحٌ تَحِنُّ كَحَنِينِ الْإِبِلِ ، وَقَدْ نَبَّهَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ .
وَظَنَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي أَوَّلِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا رِوَايَتُهُ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَهُوَ صَحِيحٌ ، لَكِنَّ مُرَادَ الْجَيَّانِيِّ مَا وَقَعَ هُنَا ، وَهُوَ بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَمُرَادُهُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ رَوَاهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ مِثْلَ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهُ إِلَّا فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ ; وَهَذَا يَقْتَضِي خَطَأَ مَنْ أَوْرَدَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى بِلَفْظِ رَاحٍ وَهِيَ رِوَايَةُ السَّرَخْسِيِّ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، فَقَالَ فِيهِ : فِي رِيحٍ عَاصِفٍ ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّقَاقِ .