باب حديث بَيْنَا امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنَهَا
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ : إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ، ثُمَّ اطْحَنُونِي ، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا . فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَقَالَ : اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ ، فَفَعَلَتْ ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ ، فَقَالَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ ؟ قَالَ : يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ . فَغَفَرَ لَهُ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا هِشَامٌ ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ . قَوْلُهُ : ( كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ ) تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الرِّقَاقِ أَنَّهُ كَانَ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ خَيْرًا ، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِي تَحْرِيرِهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ إن رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ .
قَوْلُهُ : ( أَوْرُوا ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَضَمِّ الرَّاءِ ، أَيِ اقْدَحُوا وَأَشْعِلُوا . قَوْلُهُ : ( إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذُرُّونِي ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ - أَيُّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ ؟ قَالُوا : خَيْرُ أَبٍ ، قَالَ : فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ ، فَإِذَا مُتُّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُونِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالتَّخْفِيفِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ثُمَّ أَذْرُونِي بِزِيَادَةِ هَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ فِي أَوَّلِهِ ، فَالْأُولَى بِمَعْنَى دَعُونِي أَيِ اتْرُكُونِي ، وَالثَّانِي مِنْ قَوْلِهِ أَذْرَتِ الرِّيحُ الشَّيْءَ إِذَا فَرَّقَتْهُ بِهُبُوبِهَا ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( فِي الرِّيحِ ) تَقَدَّمَ مَا فِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ مِنَ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ أَيْ عَاصِفٌ رِيحُهُ ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِيحٍ عَاصِفٍ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي وَامْتُحِشْتُ ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ ، أَيْ وَصَلَ الْحَرْقُ الْعِظَامَ ، وَالْمَحْشُ إِحْرَاقُ النَّارِ الْجِلْدَ .
قَوْلُهُ : ( فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ يُسْتَشْكَلُ هَذَا فَيُقَالُ : كَيْفَ يُغْفَرُ لَهُ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِلْبَعْثِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرِ الْبَعْثَ وَإِنَّمَا جَهِلَ فَظَنَّ أَنَّهُ إِذَا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَا يُعَادُ فَلَا يُعَذَّبُ ، وَقَدْ ظَهَرَ إِيمَانُهُ بِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : قَدْ يَغْلَطُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ ; وَرَدَّهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَقَالَ : جَحْدُهُ صِفَةَ الْقُدْرَةِ كُفْرٌ اتِّفَاقًا ، وَإِنَّمَا قِيلَ إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ أَيْ ضَيَّقَ ، وَهِيَ كقوله : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَيْ ضُيِّقَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ فَمَعْنَاهُ : لَعَلِّي أَفُوتَهُ ، يُقَالُ : ضَلَّ الشَّيْءُ إِذَا فَاتَ وَذَهَبَ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ : لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى وَلَعَلَّ هَذَا الرَّجُلُ قَالَ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ جَزَعِهِ وَخَوْفِهِ كَمَا غَلِطَ ذَلِكَ الْآخَرُ فَقَالَ : أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ ، أَوْ يَكُونُ قَوْلُهُ : لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ ، أَيْ : قَدَّرَ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي لَيُعَذِّبَنِي ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُثْبِتًا لِلصَّانِعِ وَكَانَ فِي زَمَنِ الْفَتْرَةِ فَلَمْ تَبْلَغْهُ شَرَائِطُ الْإِيمَانِ ، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَالِ دَهْشَتِهِ وَغَلَبَةِ الْخَوْفِ عَلَيْهِ حَتَّى ذُهِبَ بِعَقْلِهِ لِمَا يَقُولُ ، وَلَمْ يَقُلْهُ قَاصِدًا لِحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ بَلْ فِي حَالَةٍ كَانَ فِيهَا كَالْغَافِلِ وَالذَّاهِلِ وَالنَّاسِي الَّذِي لَا يُؤَاخَذُ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُ ، وَأَبْعَدُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ كَانَ فِي شَرْعِهِمْ جَوَازُ الْمَغْفِرَةِ لِلْكَافِرِ . قَوْلُهُ : ( فَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَقَالَ : اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ ) وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ فَقَالَ اللَّهُ لَهُ : كُنْ ، فَكَانَ كَأَسْرَعِ مِنْ طَرْفَةِ الْعَيْنِ ، وَهَذَا جَمِيعُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ إِخْبَارٌ عَمَّا سَيَقَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّهُ خَاطَبَ رُوحَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ : فَجَمَعَهُ اللَّهُ ، لِأَنَّ التَّحْرِيقَ وَالتَّفْرِيقَ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْجَسَدِ وَهُوَ الَّذِي يُجْمَعُ وَيُعَادُ عِنْدَ الْبَعْثِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ خَشْيَتُكَ ) الْغَيْرُ الْمَذْكُورُ هُوَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، كَذَا رَوَاهُ عَنْ مَعْمَرٍ بِلَفْظِ خَشْيَتُكَ بَدَلَ مَخَافَتُكَ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهَذَا ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبَى سَعِيدٍ مَخَافَتُكَ ، وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ خَشْيَتُكَ . قَوْلُهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ( فَتَلْقَاهُ رَحْمَتُهُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَتَلَافَاهُ قَالَ ابْنُ التِّينِ : أَمَّا تَلَقَّاهُ بِالْقَافِ فَوَاضِحٌ . لَكِنَّ الْمَشْهُورَ تَعْدِيَتُهُ بِالْبَاءِ وَقَدْ جَاءَ هُنَا بِغَيْرِ تَعْدِيَةٍ ، وَعَلَى هَذَا فَالرَّحْمَةُ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ وَهِيَ عَلَى هَذَا بِالرَّفْعِ ، قَالَ : وَأَمَّا تَلَافَاهُ بِالْفَاءِ فَلَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ فَتَلَفَّفَهُ أَيْ غَشَّاهُ ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ ثَلَاثُ فَاءَاتٍ أُبْدِلَتِ الْأَخِيرَةُ أَلِفًا مِثْلُ دَسَّاهَا كَذَا قَالَ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ ، وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي التَّلَقِّي .
وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ مِمَّا تَلَافَاهُ عِنْدَهَا أَنْ غُفِرَ لَهُ .