حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ

3500
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَلَغَ مُعَاوِيَةَ ، وَهُوَ عِنْدَهُ فِي وَفْدٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ ، فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ ، فَقَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ،فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَا تُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ ، فَإِيَّاكُمْ وَالْأَمَانِيَّ الَّتِي تُضِلُّ أَهْلَهَا ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ .
3501
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ اثْنَانِ .
3502
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ،قَالَ : مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَعْطَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ وَتَرَكْتَنَا ، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ .

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ . 3503 - - وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدٌ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَعَ أُنَاسٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ إِلَى عَائِشَةَ ، وَكَانَتْ أَرَقَّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ لِقَرَابَتِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 3504 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سَعْدٍ .

ح ، قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ وَجُهَيْنَةُ وَأَسْلَمُ وَأَشْجَعُ وَغِفَارُ مَوَالِيَّ ، لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . 3505 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَحَبَّ الْبَشَرِ إِلَى عَائِشَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِهَا وَكَانَتْ لَا تُمْسِكُ شَيْئًا مِمَّا جَاءَهَا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ تَصَدَّقَتْ . فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : يَنْبَغِي أَنْ يؤخذ على يَدَيَّ ؟ عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ كَلَّمْتُهُ .

فَاسْتَشْفَعَ إِلَيْهَا بِرِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَبِأَخْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً ، فَامْتَنَعَتْ . فَقَالَ لَهُ الزُّهْرِيُّونَ أَخْوَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ، وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ - إِذَا اسْتَأْذَنَّا فَاقْتَحِمْ الْحِجَابَ ، فَفَعَلَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِعَشْرِ رِقَابٍ ، فَأَعْتَقَتْهُمْ ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُعْتِقُهُمْ حَتَّى بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ ، فَقَالَتْ : وَدِدْتُ أَنِّي جَعَلْتُ - حِينَ حَلَفْتُ - عَمَلًا أَعْمَلُهُ فَأَفْرُغُ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ ) هُمْ وَلَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْجَهْمِ ، وَرَوَى عَنْ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِيهِ : كَانَ سُكَّانُ مَكَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ قُرَيْشٌ دُونَ سَائِرِ بَنِي النَّضْرِ حَتَّى رَحَلُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلُوهُ : مَنْ قُرَيْشٌ ؟ قَالَ : ومِنْ وَلَدِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ .

وَقِيلَ : إِنَّ قُرَيْشًا هُم وَلَدُ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ ، وَبِهِ جَزَمَ مُصْعَبٌ ، قَالَ : وَمَنْ لَمْ يَلِدْهُ فِهْرٌ فَلَيْسَ قُرَشِيًّا ، وَقَدْ قَدَّمْتُ مِثْلَهُ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ . وَقِيلَ : أَوَّلُ مَنْ نُسِبَ إِلَى قُرَيْشٍ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ ، فَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ سَأَلَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ : مَتَى سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا ؟ قَالَ : حِينَ اجْتَمَعَتْ إِلَى الْحَرَمِ بَعْدَ تَفَرُّقِهَا . فَقَالَ : مَا سَمِعْتُ بِهَذَا ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ أَنَّ قُصَيًّا كَانَ يُقَالُ لَهُ الْقُرَشِيُّ ، وَلَمْ يُسَمَّ أَحَدٌ قُرَيْشًا قَبْلَهُ .

وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الْمِقْدَادِ : لَمَّا فَرَغَ قُصَيٌّ مِنْ نَفْيِ خُزَاعَةَ مِنَ الْحَرَمِ تَجَمَّعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فَسُمِّيَتْ يَوْمَئِذٍ قُرَيْشًا لِحَالِ تَجَمُّعِهَا ، وَالتَّقَرُّشُ التَّجَمُّعُ . وَقِيلَ : لِتَلَبُّسِهِمْ بِالتِّجَارَةِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ الْجَدَّ الْأَعْلَى جَاءَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَجَمِّعًا فِيهِ فَسُمِّيَ قُرَيْشًا ، وَقِيلَ : مِنَ التَّقَرُّشِ وَهُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا . وَقَدْ أَكْثَرَ ابْنُ دِحْيَةَ مِنْ نَقْلِ الْخِلَافِ فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ قُرَيْشٍ قُرَيْشًا وَمِنْ أَوَّلِ مَنْ تَسَمَّى بِهِ .

وَحَكَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ عَمِّهِ مُصْعَبٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَسَمَّى قُرَيْشًا قُرَيْشُ بْنُ بَدْرِ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ ، وَكَانَ دَلِيلَ بَنِي كِنَانَةَ فِي حُرُوبِهِمْ ، فَكَانَ يُقَالُ : قَدِمَتْ عِيرُ قُرَيْشٍ ، فَسُمِّيَتْ قُرَيْشٌ بِهِ قُرَيْشًا ، وَأَبُوهُ صَاحِبُ بَدْرٍ الْمَوْضِعِ الْمَعْرُوفِ . وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ : سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ بِدَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ هِيَ سَيِّدَةُ الدَّوَابِّ الْبَحْرِيَّةِ ، وَكَذَلِكَ قُرَيْشٌ سَادَةُ النَّاسِ ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْـ ـرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا تَأْكُلُ الْغَثَّ وَالسَّمِينَ وَلَا تـَ تْرُكُ فِيهِ لِذِي جَنَاحَيْنِ رِيشَا هَكَذَا فِي الْبِلَادِ حَيُّ قُرَيْشٍ يَأْكُلُونَ الْبِلَادَ أَكْلًا كَمِيشَا وَلَهُمْ آخِرُ الزَّمَانِ نَبِيٌّ يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمْ وَالْخُمُوشَا وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ : قُرَيْشٌ دَابَّةٌ فِي الْبَحْرِ لَا تَدَعُ دَابَّةً فِي الْبَحْرِ إِلَّا أَكَلَتْهَا ، فَجَمِيعُ الدَّوَابِّ تَخَافُهَا . وَأَنْشَدَ الْبَيْتَ الْأَوَّلَ .

قُلْتُ : وَالَّذِي سَمِعْتُهُ مِنْ أَفْوَاهِ أَهْلِ الْبَحْرِ : الْقِرْشُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، لَكِنَّ الْبَيْتَ الْمَذْكُورَ شَاهِدٌ صَحِيحٌ ، فَلَعَلَّهُ مِنْ تَغْيِيرِ الْعَامَّةِ ، فَإِنَّ الْبَيْتَ الْأَخِيرَ مِنَ الْأَبْيَاتِ الْمَذْكُورَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ شِعْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ مُصَغَّرُ الْقِرْشِ الَّذِي بِكَسْرِ الْقَافِ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قُرَيْشٌ تَصْغِيرُ قِرْشٍ وَهِيَ دَابَّةٌ فِي الْبَحْرِ لَا تَمُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ غَثٍّ وَلَا سَمِينٍ إِلَّا أَكَلَتْهُ ، وَقِيلَ سُمِّيَ قُرَيْشًا لِأَنَّهُ كَانَ يَقْرِشُ عَنْ خَلَّةِ النَّاسِ وَحَاجَتِهِمْ وَيَسُدُّهَا ، وَالتَّقْرِيشُ هُوَ التَّفْتِيشُ ، وَقِيلَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِالطِّعَانِ ، وَالتَّقْرِيشُ وَقْعُ الْأَسِنَّةِ ، وَقِيلَ : التَّقَرُّشُ التَّنَزُّهُ عَنْ رَذَائِلِ الْأُمُورِ ، وَقِيلَ : هُوَ مِنْ أَقْرَشَتِ الشَّجَّةُ إِذَا صَدَّعَتِ الْعَظْمَ وَلَمْ تُهَشِّمْهُ ، وَقِيلَ : أَقْرَشَ بِكَذَا إِذَا سَعَى فِيهِ فَوَقَعَ لَهُ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ : الأول : قَوْلُهُ : ( كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يُحَدِّثُ ) سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ الْمَذْكُورِ وَأَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ شَرْحَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ .

قَوْلُهُ : ( مِنْ قَحْطَانَ ) هُوَ جِمَاعُ الْيَمَنِ ، وَفِي إِنْكَارِ مُعَاوِيَةَ ذَلِكَ نَظَرٌ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ مُقَيَّدٌ بِإِقَامَةِ الدِّينِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُ الْقَحْطَانِيِّ إِذَا لَمْ تُقِمْ قُرَيْشٌ أَمْرَ الدِّينِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْخِلَافَةَ لَمْ تَزَلْ فِي قُرَيْشٍ وَالنَّاسُ فِي طَاعَتِهِمْ إِلَى أَنِ اسْتَخَفُّوا بِأَمْرِ الدِّينِ فَضَعُفَ أَمْرُهُمْ وَتَلَاشَى إِلَى أَنْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنَ الْخِلَافَةِ سِوَى اسْمِهَا الْمُجَرَّدِ فِي بَعْضِ الْأَقْطَارِ دُونَ أَكْثَرِهَا ، وَسَيَأْتِي مِصْدَاقُ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بَعْدَ قَلِيلٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ بَيَّنَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ وَجْهٍ قَوِيٍّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ ذَكَرَ الْخُلَفَاءَ ثُمَّ قَالَ : وَرَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ وَأَخْرَجَهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِيهِ : وَرَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ كُلُّهُمْ صَالِحٌ وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ذِي مِخْمَرٍ الْحَبَشِيِّ مَرْفُوعًا : كَانَ الْمُلْكُ قَبْلَ قُرَيْشٍ فِي حِمْيَرَ وَسَيَعُودُ إِلَيْهِمْ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : إِنْكَارُ مُعَاوِيَةَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو لِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَقَدْ يَخْرُجُ الْقَحْطَانِيُّ فِي نَاحِيَةٍ لَا أَنَّ حُكْمَهُ يَشْمَلُ الْأَقْطَارَ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ بَعِيدٌ مِنْ ظَاهِرِ الْخَبَرِ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ) هِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ ، وَوَقَعَ لِلْحَمَوِيِّ سِيٌّ وَاحِدٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ بِالْمُعْجَمَةِ ، وَأَنَّ فِيهَا أَحَدٌ بَدَلَ وَاحِدٍ ، وَاسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّ لَفْظَ أَحَدٍ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي النَّفْيِ ، تَقُولُ : مَا جَاءَنِي أَحَدٌ ، وَأَمَّا فِي الْإِثْبَاتِ فَتَقُولُ جَاءَنِي وَاحِدٌ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْثُ : ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدٌ ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَعَ أُنَاسٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ إِلَى عَائِشَةَ وَكَانَتْ أَرَقَّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ لِقَرَابَتِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هَذَا طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ مَوْصُولًا بَعْدَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنِ اللَّيْثِ وَفِيهِ بَيَانُ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ أَرَهُ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ إِلَّا هَكَذَا مُعَلَّقًا ، وَقَرَابَةُ بَنِي زُهْرَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ أَقَارِبُ أُمِّهِ لِأَنَّهَا آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مُنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُمْ إِخْوَةُ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ وَهُوَ جَدُّ وَالِدِ جَدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ النَّسَبِ أَنَّ زُهْرَةَ اسْمُ الرَّجُلِ ، وَشَذَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَزَعَمَ أَنَّهُ اسْمُ امْرَأَتِهِ وَأَنَّ وَلَدَهَا غَلَبَ عَلَيْهِمُ النَّسَبُ إِلَيْهَا ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِ إِمَامِ أَهْلِ النَّسَبِ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ : إنَّ اسْمَ زُهْرَةَ ، الْمُغِيرَةُ ، فَإِنْ ثَبَتَ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ ، فَالْمُغِيرَةُ اسْمُ الْأَبِ وَزُهْرَةُ اسْمُ امْرَأَتِهِ فَنُسِبَ أَوْلَادُهُمَا إِلَى أُمِّهِمْ ثُمَّ غَلَبَ ذَلِكَ حَتَّى ظُنَّ أَنَّ زُهْرَةَ اسْمُ الْأَبِ فَقِيلَ زُهْرَةُ بْنُ كِلَابٍ ، وَزُهْرَةُ بِضَمِّ الزَّايِ بِلَا خِلَافٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ( عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ( ح قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) أَيِ ابْنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ( حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ ) أَمَّا طَرِيقُ أَبِي نُعَيْمٍ فَسَيَأْتِي بِهَذَا الْمَتْنِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ . وَأَمَّا طَرِيقُ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ : حَمَلَ الْبُخَارِيُّ مَتْنَ حَدِيثِ يَعْقُوبَ عَلَى مَتْنِ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ ، وَيَعْقُوبُ إِنَّمَا قَالَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ كَمَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ ، وَلَفْظُهُ : غِفَارٌ وَأَسْلَمُ وَمُزَيْنَةُ وَمَنْ كَانَ مِنْ جُهَيْنَةَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ وطئ ، انْتَهَى .

فَحَاصِلُهُ أَنَّ رِوَايَةَ يَعْقُوبَ مُخَالِفَةٌ لِرِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ فِي الْمَتْنِ وَالْإِسْنَادِ ; لِأَنَّ الثَّوْرِيَّ يَرْوِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، وَيَعْقُوبُ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ ، عَنِ الْأَعْرَجِ . قُلْتُ : وَلَمْ يُصِبْ أَبُو مَسْعُودٍ فِيمَا جَزَمَ بِهِ فَإِنَّهُمَا حَدِيثَانِ مُتَغَايِرَانِ مَتْنًا وَإِسْنَادًا ، وَرَوَى كُلًّا مِنْهُمَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ : أَحَدُهُمَا : الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَهُوَ عِنْدَهُ عَنْ صَالِحٍ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، وَالْآخَرُ : الَّذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ عِنْدَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَعْرَجِ ; وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ لَاقْتَضَى أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْطَأَ فِي قَوْلِهِ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنِي الْأَعْرَجُ وَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، وَنِسْبَةُ الْبُخَارِيِّ إِلَى الْوَهْمِ فِي ذَلِكَ لَا تُقْبَلُ إِلَّا بِبَيَانٍ وَاضِحٍ قَاطِعٍ ، وَمِنْ أَيْنَ يُوجَدُ وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجُهُ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَفْسِهِ مُعَلَّقًا وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ هَذَا الْمَتْنِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بَعْدَ التَّتَبُّعِ عَدَمُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ .

قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَيْسَتِ الْحُكُومَةُ فِي زَمَنِنَا لِقُرَيْشٍ فَكَيْفَ يُطَابِقُ الْحَدِيثَ ؟ وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ : بِأَنَّ فِي بِلَادِ الْغَرْبِ خَلِيفَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَذَا فِي مِصْرَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْغَرْبِ هُوَ الْحَفْصِيُّ صَاحِبُ تُونُسَ وَغَيْرِهَا وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أَبِي حَفْصٍ رَقِيقِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ صَاحِبِ ابْنِ تُومَرْتَ الَّذِي كَانَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ ادَّعَى أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ ثُمَّ غَلَبَ أَتْبَاعُهُ عَلَى مُعْظَمِ الْغَرْبِ وَسُمُّوا بِالْخِلَافَةِ وَهُمْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ وَذُرِّيَّتُهُ ، ثُمَّ انْتَقَلَ ذَلِكَ إِلَى ذُرِّيَّةِ أَبِي حَفْصٍ وَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ مِنْ قُرَيْشٍ ; وَقَدْ تَسَمَّى بِالْخِلَافَةِ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ . وَأَمَّا أَبُو حَفْصٍ فَلَمْ يَكُنْ يَدَّعِي أَنَّهُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي زَمَانِهِ ، وَإِنَّمَا ادَّعَاهُ بَعْضُ وَلَدِهِ لَمَّا غَلَبُوا عَلَى الْأَمْرِ فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَلَيْسَ بِيَدِهِمُ الْآنَ إِلَّا الْمَغْرِبَ الْأَدْنَى ، وَأَمَّا الْأَقْصَى فَمَعَ بَنِي الْأَحْمَرِ وَهُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَى الْأَنْصَارِ ، وَأَمَّا الْأَوْسَطُ فَمَعَ بَنِي مَرِينَ وَهُمْ مِنَ الْبَرْبَرِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَخَلِيفَةٌ مِنْ مِصْرَ فَصَحِيحٌ وَلَكِنَّهُ لَا حَلَّ بِيَدِهِ وَلَا رَبْطَ وَإِنَّمَا لَهُ مِنَ الْخِلَافَةِ الِاسْمُ فَقَطْ ، وَحِينَئِذٍ هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ ، وَإِلَّا فَقَدْ خَرَجَ هَذَا الْأَمْرُ عَنْ قُرَيْشٍ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ ، وَيُحْتَمُلُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَنَّ الْمُتَغَلِّبِينَ عَلَى النَّظَرِ فِي أَمْرِ الرَّعِيَّةِ فِي مُعْظَمِ الْأَقْطَارِ وَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ لَكِنَّهُمْ مُعْتَرِفُونَ أَنَّ الْخِلَافَةَ فِي قُرَيْشٍ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ مُجَرَّدَ التَّسْمِيَةِ بِالْخِلَافَةِ لَا الِاسْتِقْلَالَ بِالْحُكْمِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ فِي السُّؤَالِ عَنْ بَنِي نَوْفَلٍ وَعَبْدِ شَمْسٍ ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْخُمُسِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَحَبَّ الْبَشَرِ إِلَى عَائِشَةَ ) هُوَ ابْنُ أُخْتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَكَانَتْ قَدْ تَوَلَّتْ تَرْبِيَتَهُ حَتَّى كَانَتْ تُكَنَّى بِهِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَتْ لَا تُمْسِكُ شَيْئًا ) أَيْ لَا تَدَّخِرُ شَيْئًا مِمَّا يَأْتِيهَا مِنَ الْمَالِ .

( يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهَا ) أَيْ يُحْجَرَ عَلَيْهَا وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ كَمَا سَيَأْتِي بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ ، وَسَأَذْكُرُ شَرْحَهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَتْ : وَدِدْتُ أَنِّي جَعَلْتُ حِينَ حَلَفْتُ عَمَلًا أَعْمَلُهُ فَأَفْرُغُ مِنْهُ ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى انْعِقَادِ النَّذْرِ الْمَجْهُولِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ ، لَكِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ فِيهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ، وَظَاهِرُ قَوْلِ عَائِشَةَ وَصَنِيعِهَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكْفِي وَأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَكْثَرِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْذَرَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فَعَلَتْ ذَلِكَ تَوَرُّعًا لِتَيَقُّنِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : تَمَنَّتْ أَنْ يَدُومَ لَهَا الْعَمَلُ الَّذِي عَمِلَتْهُ لِلْكَفَّارَةِ ، أَيْ : تَصِيرُ تَعْتِقُ دَائِمًا ، وَكَذَا مَنْ قَالَ : تَمَنَّتْ أَنَّهَا بَادَرَتْ إِلَى الْكَفَّارَةِ حِينَ حَلَفَتْ وَلَمْ تَكُنْ هَجَرَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ تِلْكَ الْمُدَّةَ ، وَوَجْهُ بُعْدِ الْأَوَّلِ : أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي السِّيَاقِ مَا يَقْتَضِي مَنْعَهَا مِنَ الْعِتْقِ ، فَكَيْفَ تَتَمَنَّى مَا لَا مَانِعَ لَهَا مِنْ إِيقَاعِهِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ يُقَيَّدُ بِاقْتِدَارِهَا عَلَيْهِ لَا إِلْزَامِهَا بِهِ مَعَ عَدَمِ الِاقْتِدَارِ ، وَأَمَّا بُعْدُ الثَّانِي : فَلِقَوْلِهَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَمَا سَيَأْتِي : إِنَّهَا كَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا فَتَبْكِي حَتَّى يَبُلَّ دَمْعُهَا خِمَارَهَا ، فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَظُنُّ أَنَّهَا مَا وَفَّتْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنَ الْكَفَّارَةِ . وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ التِّينِ وُقُوعَ الْحِنْثِ عَلَيْهَا بِمُجَرَّدِ دُخُولِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَعَ الْجَمَاعَةِ ، قَالَ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَمَّا سَلَّمُوا عِنْدَ دُخُولِهِمْ رَدَّتْ عَلَيْهِمُ السَّلَامَ وَهُوَ فِي جُمْلَتِهِمْ فَوَقَعَ الْحِنْثُ قَبْلَ أَنْ يَقْتَحِمَ الْحِجَابَ ، انْتَهَى .

وَغَفَلَ عَمَّا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ وَفِيهِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنِّي نَذَرْتُ وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ فَلَمْ يَزَالَا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيْرِ مَعَ أَنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي تَأَوَّلَهُ ابْنُ التِّينِ لَوْ لَمْ يَرُدَّ هَذَا التَّصْرِيحَ لَكَانَ مُتَعَقَّبًا ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا رَدُّ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ إِذَا نَوَتْ إِخْرَاجَهُ وَلَا تَحْنَثُ بِذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ5 أحاديث
موقع حَـدِيث