حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الْإِسْلَامِ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ : أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ . قَالَ : هَاتِ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ .

قَالَ : لَيْسَتْ هَذِهِ ، وَلَكِنْ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ ، قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا . قَالَ : يُفْتَحُ الْبَابُ أَوْ يُكْسَرُ ؟ قَالَ : لَا ، بَلْ يُكْسَرُ قَالَ : ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ . قُلْنَا : عَلِمَ الْبَابَ ؟ قَالَ : نَعَمْ كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ .

إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ ، وَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ : مَنْ الْبَابُ ؟ قَالَ : عُمَرُ . الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِي ذِكْرِ الْفِتْنَةِ : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ) هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ غُنْدَرٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سُلَيْمَانَ ) هُوَ الْأَعْمَشُ ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَةِ أَصْلِ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ - وَهُوَ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ - جَامِعُ بْنِ شَدَّادٍ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّوْمِ ، وَوَافَقَ شَقِيقًا عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ .

قَوْلُهُ : ( إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَيُّكُمْ يَحْفَظُ ؟ ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي الصَّلَاةِ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ : أَيُّكُمْ وَالْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ الصَّحَابَةُ ، فَفِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ فَقَالَ : سَأَلَ عُمَرُ أَمْسَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ أَيُّكُمْ سَمِعَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ ؟ قَالَ : أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الزَّكَاةِ أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَهُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ هَاتِ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ ) فِي الزَّكَاةِ إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ ، فَكَيْفَ . قَوْلُهُ : ( فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ ) زَادَ فِي الصَّلَاةِ وَوَلَدِهِ .

قَوْلُهُ : ( تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ ) زَادَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمُ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَمَا مَعَهَا مُكَفِّرَةً لِلْمَذْكُورَاتِ كُلِّهَا لَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مَثَلًا مُكَفِّرَةٌ لِلْفِتْنَةِ فِي الْأَهْلِ وَالصَّوْمِ فِي الْوَلَدِ إِلَخْ ، وَالْمُرَادُ بِالْفِتْنَةِ مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مَعَ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الْبَشَرِ ; أَوْ الِالْتِهَاءُ بِهِمْ أَوْ أَنْ يَأْتِيَ لِأَجْلِهِمْ بِمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَوْ يُخِلَّ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ . وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ وُقُوعَ التَّكْفِيرِ بِالْمَذْكُورَاتِ لِلْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَالْإِخْلَالِ بِالْوَاجِبِ ; لِأَنَّ الطَّاعَاتِ لَا تُسْقِطُ ذَلِكَ ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَكْرُوهِ وَالْإِخْلَالِ بِالْمُسْتَحَبِّ لَمْ يُنَاسِبْ إِطْلَاقَ التَّكْفِيرِ ، وَالْجَوَابُ الْتِزَامُ الْأَوَّلِ وَأَنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْ تَكْفِيرِ الْحَرَامِ . وَالْوَاجِبِ مَا كَانَ كَبِيرَةً فَهِيَ الَّتِي فِيهَا النِّزَاعُ .

وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَا نِزَاعَ أَنَّهَا تُكَفَّرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ الْآيَةَ ، وَقَدْ مَضَى شَيْءٌ مِنَ الْبَحْثِ فِي هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : الْفِتْنَةُ بِالْأَهْلِ تَقَعُ بِالْمَيْلِ إِلَيْهِنَّ أَوْ عَلَيْهِنَّ فِي الْقِسْمَةِ وَالْإِيثَارِ حَتَّى فِي أَوْلَادِهِنَّ ، وَمِنْ جِهَةِ التَّفْرِيطِ فِي الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ لَهُنَّ ، وَبِالْمَالِ يَقَعُ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَنِ الْعِبَادَةِ أَوْ بِحَبْسِهِ عَنْ إِخْرَاجِ حَقِّ اللَّهِ ، وَالْفِتْنَةُ بِالْأَوْلَادِ تَقَعُ بِالْمَيْلِ الطَّبِيعِيِّ إِلَى الْوَلَدِ وَإِيثَارِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ، وَالْفِتْنَةُ بِالْجَارِ تَقَعُ بِالْحَسَدِ وَالْمُفَاخَرَةِ وَالْمُزَاحَمَةِ فِي الْحُقُوقِ وَإِهْمَالِ التَّعَاقُدِ ، ثُمَّ قَالَ : وَأَسْبَابُ الْفِتْنَةِ بِمَنْ ذُكِرَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيمَا ذَكَرْتُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ الصَّلَاةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا بِالتَّكْفِيرِ دُونَ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَعْظِيمِ قَدْرِهَا لَا نَفْيَ أَنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ لَيْسَ فِيهَا صَلَاحِيَةُ التَّكْفِيرِ ، ثُمَّ إِنَّ التَّكْفِيرَ الْمَذْكُورَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ بِنَفْسِ فِعْلِ الْحَسَنَاتِ الْمَذْكُورَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ بِالْمُوَازَنَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : خُصَّ الرَّجُلُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ صَاحِبُ الْحُكْمِ فِي دَارِهِ وَأَهْلِهِ ، وَإِلَّا فَالنِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ فِي الْحُكْمِ .

ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ التَّكْفِيرَ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَرْبَعِ الْمَذْكُورَاتِ ، بَلْ نَبَّهَ بِهَا عَلَى مَا عَدَاهَا ، وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ مَا يَشْغَلُ صَاحِبَهُ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ فِتْنَةٌ لَهُ ، وَكَذَلِكَ الْمُكَفِّرَاتُ لَا تَخْتَصُّ بِمَا ذُكِرَ بَلْ نَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا عَدَاهَا ، فَذَكَرَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَفْعَالِ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ ، وَمِنْ عِبَادَةِ الْمَالِ الصَّدَقَةَ ، وَمِنْ عِبَادَةِ الْأَقْوَالِ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ . قَوْلُهُ : ( وَلَكِنِ الَّتِي تَمُوجُ ) أَيِ الْفِتْنَةَ ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ ، وَالْفِتْنَةَ بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ أَيْ أُرِيدُ الْفِتْنَةَ ، وَيَحْتَمِلُ الرَّفْعَ أَيْ مُرَادِيَ الْفِتْنَةُ . قَوْلُهُ : ( تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ ) أَيْ تَضْطَرِبُ اضْطِرَابَ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ شِدَّةِ الْمُخَاصَمَةِ وَكَثْرَةِ الْمُنَازَعَةِ ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْمُشَاتَمَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ .

قَوْلُهُ : ( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا ) زَادَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ فَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى يَصِيرَ أَبْيَضَ مِثْلَ الصَّفَاةِ لَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ ، وَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَصِيرَ أَسْوَدَ كَالْكُوزِ مَنْكُوسًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا ، وَحَدَّثَتْهُ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بَابًا مُغْلَقًا . قَوْلُهُ : ( إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا ) أَيْ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا شَيْءٌ فِي حَيَاتِكَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : آثَرَ حُذَيْفَةُ الْحِرْصَ عَلَى حِفْظِ السِّرِّ وَلَمْ يُصَرِّحْ لِعُمَرَ بِمَا سَأَلَ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا كَنَّى عَنْهُ كِنَايَةً ، وَكَأَنَّهُ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُذَيْفَةُ عَلِمَ أَنَّ عُمَرَ يُقْتَلُ ، وَلَكِنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِالْقَتْلِ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ الْبَابُ فَأَتَى بِعِبَارَةٍ يَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالْقَتْلِ انْتَهَى .

وَفِي لَفْظِ طَرِيقِ رِبْعِيٍّ مَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا سَأَذْكُرُهُ ، وَكَأَنَّهُ مَثَّلَ الْفِتَنَ بِدَارٍ ، وَمَثَّلَ حَيَاةَ عُمَرَ بِبَابٍ لَهَا مُغْلَقٌ ، وَمَثَّلَ مَوْتَهُ بِفَتْحِ ذَلِكَ الْبَابِ ، فَمَا دَامَتْ حَيَاةُ عُمَرَ مَوْجُودَةً فَهِيَ الْبَابُ الْمُغْلَقُ لَا يَخْرُجُ مِمَّا هُوَ دَاخِلُ تِلْكَ الدَّارِ شَيْءٌ ، فَإِذَا مَاتَ فَقَدِ انْفَتَحَ ذَلِكَ الْبَابُ فَخَرَجَ مَا فِي تِلْكَ الدَّارِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ يُفْتَحُ الْبَابُ أَوْ يُكْسَرُ ؟ قَالَ : لَا بَلْ يُكْسَرُ ، قَالَ : ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ ) زَادَ فِي الصِّيَامِ ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْغَلْقَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي الصَّحِيحِ ، فَأَمَّا إِذَا انْكَسَرَ فَلَا يُتَصَوَّرُ غَلْقُهُ حَتَّى يُجْبَرَ انْتَهَى . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَنَّى عَنِ الْمَوْتِ بِالْفَتْحِ وَعَنِ الْقَتْلِ بِالْكَسْرِ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ فَقَالَ عُمَرُ كَسْرًا لَا أَبَا لَكَ لَكِنْ بَقِيَّةُ رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ تَدُلُّ عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ ، فَإِنَّ فِيهِ : وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ ، أَوْ يَمُوتُ وَإِنَّمَا قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ فِي وُقُوعِ الْفِتَنِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَوُقُوعِ الْبَأْسِ بَيْنَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَامِ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ الْآيَةَ .

وَقَدْ وَافَقَ حُذَيْفَةُ عَلَى مَعْنَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ أَبُو ذَرٍّ ، فَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَنَّهُ لَقِيَ عُمَرَ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَغَمَزَهَا ، فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ : أَرْسِلْ يَدِي يَا قُفْلَ الْفِتْنَةِ الْحَدِيثَ . وَفِيهِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ : لَا يُصِيبُكُمْ فِتْنَةٌ مَا دَامَ فِيكُمْ وَأَشَارَ إِلَى عُمَرَ . وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ عَنْ أَخِيهِ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ : يَا غَلْقَ الْفِتْنَةِ ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : مَرَرْتُ وَنَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَذَا غَلْقُ الْفِتْنَةِ ، لَا يَزَالُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْفِتْنَةِ بَابٌ شَدِيدُ الْغَلْقِ مَا عَاشَ .

قَوْلُهُ : ( قُلْنَا عَلِمَ عُمَرُ الْبَابَ ) فِي رِوَايَةِ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ : سَلْهُ أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : نَعَمْ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ مَسْرُوقٌ ، لِحُذَيْفَةَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ ) أَيْ أَنَّ لَيْلَةَ غَدٍ أَقْرَبُ إِلَى الْيَوْمِ مِنْ غَدٍ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي حَدَّثْتُهُ ) هُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ حُذَيْفَةَ ، وَالْأَغَالِيطُ جَمْعُ أُغْلُوطَةٍ وَهُوَ مَا يُغَالَطُ بِهِ ، أَيْ حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا صِدْقًا مُحَقَّقًا مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا عَنِ اجْتِهَادٍ وَلَا رَأْيٍ .

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : إِنَّمَا عَلِمَ عُمَرُ أَنَّهُ الْبَابُ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِرَاءَ وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُثْمَانُ ، فَرَجَفَ ، فَقَالَ : اثْبُتْ ; فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ أَوْ فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ حُذَيْفَةَ بَلْ يُكْسَرُ انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ عُمَرَ عَلِمَ الْبَابَ بِالنَّصِّ كَمَا قَدَّمْتُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، فَلَعَلَّ حُذَيْفَةَ حَضَرَ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ حَدِيثُ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ . وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ : أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ وَفِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مَعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةٌ مَاتُوا قَبْلَهُ ، فَإِنْ قِيلَ : إِذَا كَانَ عُمَرُ عَارِفًا بِذَلِكَ فَلِمَ شَكَّ فِيهِ حَتَّى سَأَلَ عَنْهُ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ مِثْلُهُ عِنْدَ شِدَّةِ الْخَوْفِ ، أَوْ لَعَلَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ نَسِيَ فَسَأَلَ مَنْ يُذَكِّرُهُ ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ .

قَوْلُهُ : ( فَهِبْنَا ) بِكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ خِفْنَا ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى حُسْنِ تَأَدُّبِهِمْ مَعَ كِبَارِهِمْ . قَوْلُهُ : ( وَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا ) هُوَ ابْنُ الْأَجْدَعِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَكَانَ مِنْ أَخِصَّاءِ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ . قَوْلُهُ : ( فَسَأَلَهُ فَقَالَ : مَنِ الْبَابُ ؟ قَالَ : عُمَرُ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : تَقَدَّمَ قَوْلُهُ إِنَّ بَيْنَ الْفِتْنَةِ وَبَيْنَ عُمَرَ بَابًا فَكَيْفَ يُفَسَّرُ الْبَابُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ عُمَرُ ؟! وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ تَجَوُّزًا ، وَالْمُرَادُ بَيْنَ الْفِتْنَةِ وَبَيْنَ حَيَاةِ عُمَرَ ، أَوْ بَيْنَ نَفْسِ عُمَرَ وَبَيْنَ الْفِتْنَةِ بَدَنُهُ ; لِأَنَّ الْبَدَنَ غَيْرُ النَّفْسِ .

( تَنْبِيهٌ ) : غَالِبُ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَهَلُمَّ جَرَّا يَتَعَلَّقُ بِإِخْبَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ بَعْدَهُ فَوَقَعَتْ عَلَى وَفْقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ ، وَالْيَسِيرُ مِنْهَا وَقَعَ فِي زَمَانِهِ ، وَلَيْسَ فِي جَمِيعِهَا مَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ فِي نُزُولِ السَّكِينَةِ ، وَحَدِيثُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي قِصَّةِ سُرَاقَةَ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي الَّذِي ارْتَدَّ فَلَمْ تَقْبَلْهُ الْأَرْضُ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث