حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الْإِسْلَامِ

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( كِسْرَى ) بِكَسْرِ الْكَافِ ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ .

وَهُوَ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ وَلِيَ مَمْلَكَةَ الْفُرْسِ ، وَقَيْصَرُ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ وَلِيَ مَمْلَكَةَ الرُّومِ . قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : الْكَسْرُ أَفْصَحُ فِي كِسْرَى ، وَكَانَ أَبُو حَاتِمٍ يَخْتَارُهُ ، وَأَنْكَرَ الزَّجَّاجُ الْكَسْرَ عَلَى ثَعْلَبٍ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النِّسْبَةَ إِلَيْهِ كَسْرَوِيٌّ بِالْفَتْحِ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ فَارِسٍ بِأَنَّ النِّسْبَةَ قَدْ يُفْتَحُ فِيهَا مَا هُوَ فِي الْأَصْلِ مَكْسُورٌ أَوْ مَضْمُومٌ ، كَمَا قَالُوا فِي بَنِي تَغْلِبَ بِكَسْرِ اللَّامِ تَغْلَبِيٌّ بِفَتْحِهَا ، وَفِي سَلِمَةَ كَذَلِكَ ، فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى تَخْطِئَةِ الْكَسْرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا مَعَ بَقَاءِ مَمْلَكَةِ الْفُرْسِ ؛ لِأَنَّ آخِرَهُمْ قُتِلَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ ، وَاسْتُشْكِلَ أَيْضًا مَعَ بَقَاءِ مَمْلَكَةِ الرُّومِ ، وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ : لَا يَبْقَى كِسْرَى بِالْعِرَاقِ وَلَا قَيْصَرُ بِالشَّامِ ، وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : وَسَبَبُ الْحَدِيثِ أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَأْتُونَ الشَّامَ وَالْعِرَاقَ تُجَّارًا ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا خَافُوا انْقِطَاعَ سَفَرِهِمْ إِلَيْهِمَا لِدُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لَهُمْ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَتَبْشِيرًا لَهُمْ بِأَنَّ مُلْكَهُمَا سَيَزُولُ عَنِ الْإِقْلِيمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ .

وَقِيلَ : الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ قَيْصَرَ بَقِيَ مُلْكُهُ وَإِنَّمَا ارْتَفَعَ مِنَ الشَّامِ وَمَا وَالَاهَا ، وَكِسْرَى ذَهَبَ مُلْكُهُ أَصْلًا وَرَأْسًا أَنَّ قَيْصَرَ لَمَّا جَاءَهُ كِتَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَهُ وَكَادَ أَنْ يُسْلِمَ كَمَا مَضَى بَسْطُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ ، وَكِسْرَى لَمَّا أَتَاهُ كِتَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَزَّقَهُ ، فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُمَزَّقَ مُلْكُهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ فَكَانَ كَذَلِكَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ يَمْلِكُ مِثْلَ مَا يَمْلِكُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِالشَّامِ وَبِهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ الَّذِي لَا يَتِمُّ لِلنَّصَارَى نُسُكٌ إِلَّا بِهِ ، وَلَا يَمْلِكُ عَلَى الرُّومِ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ قَدْ دَخَلَهُ إِمَّا سِرًّا وَإِمَّا جَهْرًا ، فَانْجَلَى عَنْهَا قَيْصَرُ وَاسْتُفْتِحَتْ خَزَائِنُهُ وَلَمْ يَخْلُفْهُ أَحَدٌ مِنَ الْقَيَاصِرَةِ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ بَعْدَهُ ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي بَابِ الْحَرْبُ خَدْعَةٌ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ : هَلَكَ كِسْرَى ، ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَلَيَهْلِكَنَّ قَيْصَرُ . قِيلَ : وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا هَلَكَ كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ ، قَالَ : بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ امْرَأَةً الْحَدِيثَ ، وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا مَاتَ شِيرَوَيْهِ بْنُ كِسْرَى ، فَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَهُ بُورَانَ .

وَأَمَّا قَيْصَرُ فَعَاشَ إِلَى زَمَنِ عُمَرَ سَنَةَ عِشْرِينَ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقِيلَ : مَاتَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالَّذِي حَارَبَ الْمُسْلِمِينَ بِالشَّامِّ وَلَدُهُ وَكَانَ يُلَقَّبُ أَيْضًا قَيْصَرَ ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ وَقَعَ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّهُمَا لَمْ تَبْقَ مَمْلَكَتُهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَرَّرْتُهُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَفْظُهَا : إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَفْظُهَا : هَلَكَ كِسْرَى ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ : بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ بَوْنٌ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعَ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ كِسْرَى وَالْآخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ التَّغَايُرُ بِالْمَوْتِ وَالْهَلَاكِ ، فَقَوْلُهُ : إِذَا هَلَكَ كِسْرَى ؛ أَيْ هَلَكَ مُلْكُهُ وَارْتَفَعَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : مَاتَ كِسْرَى ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ ، فَالْمُرَادُ بِهِ كِسْرَى حَقِيقَةً اهـ .

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : هَلَكَ كِسْرَى تَحَقُّقَ وُقُوعِ ذَلِكَ حَتَّى عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ وَهَذَا الْجَمْعُ أَوْلَى لِأَنَّ مَخْرَجَ الرِّوَايَتَيْنِ مُتَّحِدٌ فَحَمْلَهُ عَلَى التَّعَدُّدِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ، فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَانِ هَذَا الْجَمْعِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث