باب بقية أحاديث علامات النبوة
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ غَرْقدَةَ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَيَّ يتحَدِّثُونَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً ، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ ، فجَاءَ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ ، وَكَانَ لَوْ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ . قَالَ سُفْيَانُ : كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ جَاءَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ ، قَالَ : سَمِعَهُ شَبِيبٌ مِنْ عُرْوَةَ ، فَأَتَيْتُهُ ، فَقَالَ شَبِيبٌ : إِنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ عُرْوَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْحَيَّ يُخْبِرُونَهُ عَنْهُ ، 3643 - وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِي الْخَيْلِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . قَالَ : وَقَدْ رَأَيْتُ فِي دَارِهِ سَبْعِينَ فَرَسًا .
قَالَ سُفْيَانُ : يَشْتَرِي لَهُ شَاةً كَأَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ عُرْوَةَ ، وَهُوَ الْبَارِقِيُّ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ وَزْنُ سَعِيدٍ ، وَغَرْقَدَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ ، تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ ، مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ .
قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ الْحَيَّ يَتَحَدَّثُونَ ) ؛ أَيْ قَبِيلَتَهُ ، وَهُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَى بَارِقٍ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ نَزَلَهُ بَنُو سَعْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ مَزِيقِيًّا فَنُسِبُوا إِلَيْهِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ جَمَاعَةٍ أَقَلُّهُمْ ثَلَاثَةٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عُرْوَةَ ) هُوَ ابْنُ الْجَعْدِ أَوِ ابْنُ أَبِي الْجَعْدِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ فِي ذِكْرِ الْخَيْلِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ . قَوْلُهُ : ( أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً ) فِي رِوَايَةِ أَبِي لَبِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ : عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : عُرِضَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَبٌ ، فَأَعْطَانِي دِينَارًا فَقَالَ : أَيْ عُرْوَةُ ، ائْتِ الْجَلَبَ فَاشْتَرِ لَنَا شَاةً ، قَالَ : فَأَتَيْتُ الْجَلَبَ فَسَاوَمْتُ صَاحِبَهُ ، فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ شَاتَيْنِ بِدِينَارٍ .
قَوْلُهُ : ( فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ ) ؛ أَيْ : وَبَقِيَ مَعَهُ دِينَارٌ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي لَبِيدٍ : فَلَقِيَنِي رَجُلٌ فَسَاوَمَنِي فَبِعْتُهُ شَاةً بِدِينَارٍ ، وَجِئْتُ بِالدِّينَارِ وَالشَّاةِ . قَوْلُهُ : ( فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي لَبِيدٍ ، عَنْ عُرْوَةَ : فَقَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ .
وَفِيهِ أَنَّهُ أَمْضَى لَهُ ذَلِكَ وَارْتَضَاهُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ . وَتَوَقَّفَ الشَّافِعِيُّ فِيهِ ؛ فَتَارَةً قَالَ : لَا يَصِحُّ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ ثَابِتٍ ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ عَنْهُ ، وَتَارَةً قَالَ : إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ قُلْتُ بِهِ ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْبُوَيْطِيِّ . وَقَدْ أَجَابَ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهَا بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ كَانَ وَكِيلًا فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعًا ، وَهَذَا بَحْثٌ قَوِيٌّ يَقِفُ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ ، وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٌ لِأَنَّ الْحَيَّ لَمْ يُسَمَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، يُسَمُّونَ مَا فِي إِسْنَادِهِ مُبْهَمٌ مُرْسَلًا أَوْ مُنْقَطِعًا ، وَالتَّحْقِيقُ إِذَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ فِي إِسْنَادِهِ مُبْهَمٌ ، إِذْ لَا فَرْقَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاتِّصَالِ وَالِانْقِطَاعِ بَيْنَ رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ وَالْمَعْرُوفِ ، فَالْمُبْهَمُ نَظِيرُ الْمَجْهُولِ فِي ذَلِكَ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُقَالُ فِي إِسْنَادٍ صَرَّحَ كُلُّ مَنْ فِيهِ بِالسَّمَاعِ مِنْ شَيْخِهِ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ وَإِنْ كَانُوا أَوْ بَعْضُهُمْ غَيْرَ مَعْرُوفٍ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي لَبِيدٍ الْمَذْكُورَةِ قَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَقِفُ بِكُنَاسَةِ الْكُوفَةِ فَأَرْبَحُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا قَبْلَ أَنْ أَصِلَ إِلَى أَهْلِي ، قَالَ : وَكَانَ يَشْتَرِي الْجَوَارِيَ وَيَبِيعُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ .
قَوْلُهُ : ( كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ ) هُوَ الْكُوفِيُّ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ الْمُتَّفَقِ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِهِمْ ، وَكَانَ قَاضِيَ بَغْدَادَ فِي زَمَنِ الْمَنْصُورِ ثَانِي خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ ، وَمَاتَ فِي خِلَافَتِهِ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ . وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : جَرَحَهُ عِنْدِي شُعْبَةُ ، وَسُفْيَانُ كِلَاهُمَا . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ يُدَلِّسُ عَنِ الثِّقَاتِ مَا سَمِعَهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ عَنْهُمْ ، فَالْتَصَقَتْ بِهِ تِلْكَ الْمَوْضُوعَاتُ .
قُلْتُ : وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ . قَوْلُهُ : ( جَاءَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ ) ؛ أَيْ عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ ) ؛ أَيِ الْحَسَنُ ( سَمِعَهُ شَبِيبٌ منْ عُرْوَةَ ، فَأَتَيْتُهُ ) الْقَائِلُ سُفْيَانُ وَالضَّمِيرُ لِشَبِيبٍ ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِذَلِكَ بَيَانَ ضَعْفِ رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ وَأَنَّ شَبِيبًا لَمْ يَسْمَعِ الْخَبَرَ مِنْ عُرْوَةَ وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنَ الْحَيِّ وَلَمْ يَسْمَعْهُ عَنْ عُرْوَةَ ، فَالْحَدِيثُ بِهَذَا ضَعِيفٌ لِلْجَهْلِ بِحَالِهِمْ ، لَكِنْ وُجِدَ لَهُ مُتَابِعٌ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سميدِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ ، عَنْ أَبِي لَبِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ مَا فِي رِوَايَتِهِ مِنَ الْفَائِدَةِ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ شَبِيبٍ ، عَنْ عُرْوَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُمَا أَحَدًا ، وَرِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ - فِيهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَتْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَسْوِيَةٌ ، وَقَدْ وَافَقَ عَلِيًّا عَلَى إِدْخَالِهِ الْوَاسِطَةَ بَيْنَ شَبِيبٍ ، وَعُرْوَةَ ، أَحْمَدُ ، وَالْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَكَذَا مُسَدَّدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَابْنِ أَبي عُمَرَ ، وَالْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ سُفْيَانُ : يَشْتَرِي لَهُ شَاةً كَأَنَّهَا أُضْحِيَةٌ ) هُوَ مَوْصُولٌ أَيْضًا ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ أَنَّهُ أَرَادَ أُضْحِيَةً ، وَحَدِيثُ الْخَيْلِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْجِهَادِ مُسْتَوْفًى . وَزَعَمَ ابْنُ الْقَطَّانِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُرِدْ بِسِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا حَدِيثَ الْخَيْلِ وَلَمْ يُرِدْ حَدِيثَ الشَّاةِ ، وَبَالَغَ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ الشَّاةِ مُحْتَجًّا بِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ لِإِبْهَامِ الْوَاسِطَةِ فِيهِ بَيْنَ شَبِيبٍ ، وَعُرْوَةَ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، لَكِنْ لَيْسَ في ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ تَخْرِيجُهُ وَلَا مَا يَحُطُّهُ عَنْ شَرْطِهِ ، لِأَنَّ الْحَيَّ يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ ، وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ وُرُودُ الْحَدِيثِ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي هِيَ الشَّاهِدُ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الَّذِي يَدْخُلُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ دُعَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُرْوَةَ فَاسْتُجِيبَ لَهُ حَتَّى كَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ . وَأَمَّا مَسْأَلَةُ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ فَلَمْ يُرِدْهَا ، إِذْ لَوْ أَرَادَهَا لَأَوْرَدَهَا فِي الْبُيُوعِ ، كَذَا قَرَّرَهُ الْمُنْذِرِيُّ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَطَّرِدْ لَهُ فِي ذَلِكَ عَمَلٌ ، فَقَدْ يَكُونُ الْحَدِيثُ عَلَى شَرْطِهِ وَيُعَارِضُهُ عِنْدَهُ مَا هُوَ أَوْلَى بِالْعَمَلِ بِهِ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ فَلَا يُخْرِجُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِي بَابِهِ وَيُخْرِجُهُ فِي بَابٍ آخَرَ أَخْفَى لِيُنَبِّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّ مَا دَلَّ ظَاهِرُهُ عَلَيْهِ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ عِنْدَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .