بَاب مَنَاقِبِ الْمُهَاجِرِينَ وَفَضْلِهِمْ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَا فِي الْغَارِ : لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا ، فَقَالَ : مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا . قَوْلُهُ : ( عَنْ ثَابِتٍ ) فِي رِوَايَةِ حَبَّانَ بْنِ هِلَالٍ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ هَمَّامٍ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ) فِي رِوَايَةِ حَبَّانَ الْمَذْكُورَةِ حَدَّثَنَا أَنَسٌ ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ .
قَوْلُهُ : ( قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا فِي الْغَارِ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ حَبَّانَ الْمَذْكُورَةِ فَرَأَيْتُ آثَارَ الْمُشْرِكِينَ وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ هَمَّامٍ فِي الْهِجْرَةِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِأَقْدَامِ الْقَوْمِ . قَوْلُهُ : ( لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ ) فِيهِ مَجِيءُ لَوِ الشَّرْطِيَّةِ لِلِاسْتِقْبَالِ خِلَافًا لِلْأَكْثَرِ ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ جَوَّزَهُ بِمَجِيءِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ بَعْدَهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَالَهُ حَالَةَ وُقُوفِهِمْ عَلَى الْغَارِ ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَكْثَرِ يَكُونُ قَالَهُ بَعْدَ مُضِيِّهِمْ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى صِيَانَتِهِمَا مِنْهُمْ . قَوْلُهُ : لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُوسَى لَوْ أَنَّ بَعْضَهُمْ طَأْطَأَ بَصَرَهُ وَفِي رِوَايَةِ حَبَّانَ رَفَعَ قَدَمَيْهِ وَوَقَعَ مِثْلُهُ فِي حَدِيثِ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ ، وَهِيَ مُشْكِلَةٌ فَإِنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّ بَابَ الْغَارِ اسْتَتَرَ بِأَقْدَامِهِمْ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ اسْتَتَرَ بِثِيَابِهِمْ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ حَبَّانَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ عَفَّانَ ، عَنْ هَمَّامٍ ، وَوَقَعَ فِي مَغَازِي عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ قَالَ : وَأَتَى الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الْغَارُ الَّذِي فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى طَلَعُوا فَوْقَهُ ، وَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ أَصْوَاتَهُمْ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الْهَمُّ وَالْخَوْفُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا الْآيَةَ وَهَذَا يُقَوِّي أَنَّهُ قَالَ مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ حِينَئِذٍ ، وَلِذَلِكَ أَجَابَهُ بِقَوْلِهِ : لَا تَحْزَنْ .
قَوْلُهُ : ( مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى فَقَالَ : اسْكُتْ يَا أَبَا بَكْرٍ ، اثْنَانِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا وَقَوْلُهُ : اثْنَانِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ نَحْنُ اثْنَانِ ، وَمَعْنَى ثَالِثُهُمَا نَاصِرُهُمَا وَمُعِينُهُمَا ، وَإِلَّا فَاللَّهُ ثَالِثُ كُلِّ اثْنَيْنِ بِعِلْمِهِ ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٍ . وَفِي الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ ، وَفِيهِ أَنَّ بَابَ الْغَارِ كَانَ مُنْخَفِضًا إِلَّا أَنَّهُ كَانَ ضَيِّقًا ، فَقَدْ جَاءَ فِي السِّيَرِ لِلْوَاقِدِيِّ أَنَّ رَجُلًا كَشَفَ عَنْ فَرْجِهِ وَجَلَسَ يَبُولُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَدْ رَآنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : لَوْ رَآنَا لَمْ يَكْشِفْ عَنْ فَرْجِهِ وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( تَنْبِيهٌ ) : اشْتُهِرَ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ تَفَرَّدَ بِهِ هَمَّامٌ ، عَنْ ثَابِتٍ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْبَزَّارُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ شَاهِينَ فِي الْأَفْرَادِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ بِمُتَابَعَةِ هَمَّامٍ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ ، وَوَجَدْتُ لَهُ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ .