حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ : يَعْنِي بِالْعَالِيَةِ ، فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ : وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ : وَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ ، وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَهُ ، فقَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، طِبْتَ حَيًّا ، وَمَيِّتًا ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ : أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ . الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الْوَفَاةِ وَقِصَّةِ السَّقِيفَةِ ، سَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَفَاةِ فِي مَكَانِهَا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي ، وَأَمَّا السَّقِيفَةُ فَتَتَضَمَّنُ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ بِالْخِلَافَةِ ، وَقَدْ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ فِي الْحُدُودِ ، وَذَكَرَ شَيْئًا مِنْهَا فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ ، عَنْ عُمَرَ أَيْضًا ، وَأَتَمُّهَا رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَأَذْكُرُ هُنَا مَا فِيهَا مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ . قَوْلُهُ : ( مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي أَوَّلِ الْجَنَائِزِ وَأَنَّهُ بِسُكُونِ النُّونِ ، وَضَبَطَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ بِضَمِّهَا وَقَالَ : إِنَّهُ مَنَازِلُ بَنِي الْحَارِثِ مِنْ الْخَزْرَجِ بِالْعَوَالِي ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مِيلٌ .

قَوْلُهُ : ( قَالَ إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ فِيهِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَقَوْلُهُ : يَعْنِي بِالْعَالِيَةِ أَرَادَ تَفْسِيرَ قَوْلِ عَائِشَةَ بِالسُّنْحِ . قَوْلُهُ : ( مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ ) يَعْنِي عَدَمَ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَئِذٍ ، وَقَدْ ذَكَرَ عُمَرُ مُسْتَنَدَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي مَوْضِعِهِ . قَوْلُهُ : ( لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ الْجَنَائِزِ ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَنْكَرَ الْحَيَاةَ فِي الْقَبْرِ ، وَأُجِيبَ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْمَوْتِ اللَّازِمِ مِنَ الَّذِي أَثْبَتَهُ عُمَرُ بِقَوْلِهِ : وَلِيَبْعَثَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا لِيَقْطَعَ أَيْدِي الْقَائِلِينَ بِمَوْتِهِ وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِمَا يَقَعُ فِي الْبَرْزَخِ ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ حَيَاتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقَبْرِ لَا يَعْقُبُهَا مَوْتٌ بَلْ يَسْتَمِرُّ حَيًّا ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْحِكْمَةُ فِي تَعْرِيفِ الْمَوْتَتَيْنِ حَيْثُ قَالَ : لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَيِ الْمَعْرُوفَتَيْنِ الْمَشْهُورَتَيْنِ الْوَاقِعَتَيْنِ لِكُلِّ أَحَدٍ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَأَمَّا وُقُوعُ الْحَلِفِ مِنْ عُمَرَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَبَنَاهُ عَلَى ظَنِّهِ الَّذِي أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ، وَفِيهِ بَيَانُ رُجْحَانِ عِلْمِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى عُمَرَ فَمَنْ دُونَهُ ، وَكَذَلِكَ رُجْحَانُهُ عَلَيْهِمْ لِثَبَاتِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ .

3668 - فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ : أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ ، وَقَالَ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وَقَالَ : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ قَالَ : فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ ، قَالَ : وَاجْتَمَعَتْ الْأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، فَقَالُوا : مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ، فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ ، فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ : وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنِّي قَدْ هَيَّأْتُ كَلَامًا قَدْ أَعْجَبَنِي خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْلُغَهُ أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ ، فَتَكَلَّمَ أَبْلَغَ النَّاسِ ، فَقَالَ فِي كَلَامِهِ : نَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمْ الْوُزَرَاءُ ، فَقَالَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ : لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا ، وَلَكِنَّا الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمْ الْوُزَرَاءُ ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا وَأَعْرَبُهُمْ أَحْسَابًا ، فَبَايِعُوا عُمَرَ ، أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ ، فَقَالَ عُمَرُ : بَلْ نُبَايِعُكَ أَنْتَ ، فَأَنْتَ سَيِّدُنَا ، وَخَيْرُنَا ، وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ ، فَقَالَ قَائِلٌ : قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ، فَقَالَ عُمَرُ : قَتَلَهُ اللَّهُ . قَوْلُهُ : ( أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ هِينَتِكَ وَلَا تَسْتَعْجِلْ ، وَتَقَدَّمَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي بِالْجَنَائِزِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ : اجْلِسْ ، فَأَبَى ، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ ، فَمَالَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ . وَقَدِ اعْتَذَرَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الِاسْتِخْلَافِ مِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ .

قَوْلُهُ : ( فَنَشِجَ النَّاسُ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا جِيمٌ أَيْ بَكَوْا بِغَيْرِ انْتِحَابٍ ، وَالنَّشْجُ مَا يَعْرِضُ فِي حَلْقِ الْبَاكِي مِنَ الْغُصَّةِ ، وَقِيلَ : هُوَ صَوْتٌ مَعَهُ تَوَجُّعٌ كَمَا يُرَدِّدُ الصَّبِيُّ بُكَاءَهُ فِي صَدْرِهِ . قَوْلُهُ : ( وَاجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ) هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَة الْخَزْرَجِيُّ ثُمَّ السَّاعِدِيُّ ، وَكَانَ كَبِيرَ الْخَزْرَجِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ . وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي آخِرِ السِّيرَةِ أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ انْحَازُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَمَنْ مَعَهُ وَهَؤِلَاءِ مِنَ الْأَوْسِ .

وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ تَخَلَّفَتْ عَنَّا الْأَنْصَارُ بِأَجْمَعِهَا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا أَوَّلًا ثُمَّ افْتَرَقُوا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَزْرَجَ وَالْأَوْسَ كَانُوا فَرِيقَيْنِ ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْحُرُوبِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ ، فَزَالَ ذَلِكَ بِالْإِسْلَامِ وَبَقِيَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فِي النُّفُوسِ ، فَكَأَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا أَوَّلًا ، فَلَمَّا رَأَى أُسَيْدٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَوْسِ أَبَا بَكْرٍ وَمَنْ مَعَهُ ، افْتَرَقُوا مِنَ الْخَزْرَجِ إِيثَارًا لِتَأْمِيرِ الْمُهَاجِرِينَ عَلَيْهِمْ دُونَ الْخَزْرَجِ . وَفِيهِ أَنَّ عَلِيًّا ، وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمَا تَخَلَّفُوا فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ . قَوْلُهُ : ( فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَةِ فَقُلْتُ لَهُ : يَا أَبَا بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنْ الْأَنْصَارِ وَزَادَ أَبُو يَعْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِيهِ فَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا رَجُلٌ يُنَادِي مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ أَنِ اخْرُجْ إِلَيَّ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، فَقُلْتُ : إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّا عَنْكَ مَشَاغِيلُ يَعْنِي بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ : إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ ، فَإِنَّ الْأَنْصَارَ اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَأَدْرِكُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثُوا أَمْرًا يَكُونُ فِيهِ حَرْبٌ .

فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ : انْطَلِقْ ، فَذَكَرَهُ ، قَالَ : فَانْطَلَقْنَا نَؤُمُّهُمْ حَتَّى لَقِيَنَا رَجُلَانِ صَالِحَانِ فَقَالَا : لَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَقْرَبُوهُمْ ، وَاقْضُوا أَمْرَكُمْ . قَالَ : فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لِنأتِيَنَّهُمْ ، فَانْطَلَقْنَا ، فَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ رَجُلٌ مُزَمَّلٌ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَذَكَرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذِينِ لَقِيَاهُمْ هُمَا عُوَيْمُر بْنُ سَاعِدَةَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ ، وَمَعْنُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْجَعْدِ بْنِ الْعَجْلَانِ حَلِيفُهُمْ وَهُمَا مِنَ الْأَوْسِ أَيْضًا ، وَكَذَا وَقَعَتْ تَسْمِيَتُهُمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ . قَوْلُهُ : ( فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ ، فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ إِلَخْ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ عُمَرُ : أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ ، وَقَدْ كُنْتُ زَوَّرْتُ - أَيْ هَيَّأْتُ وَحَسَّنْتُ - مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي أُرِيدُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ ، وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ - أَيِ الْحِدَةِ - فَقَالَ : عَلَى رِسْلِكَ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ .

قَوْلُهُ : ( ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَتَكَلَّمَ أَبْلَغَ النَّاسِ ) بِنَصْبِ أَبْلَغَ عَلَى الْحَالِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ ، أَيْ تَكَلَّمَ رَجُلٌ هَذِهِ صِفَتُهُ . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : النَّصْبُ أَوْجَهُ لِيَكُونَ تَأْكِيدًا لِمَدْحِهِ وَصَرْفِ الْوَهَمِ عَنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ غَيْرُهُ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ مَا تَرَكَ كَلِمَةً أَعْجَبَتْنِي فِي تَزْوِيرِي إِلَّا قَالَهَا فِي بَدِيهَتِهِ وَأَفْضَلَ حَتَّى سَكَتَ .

قَوْلُهُ : ( فَقَالَ فِي كَلَامِهِ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَيَانُ مَا قَالَ فِي رِوَايَتِهِ فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أُنْزِلَ فِي الْأَنْصَارِ وَلَا ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شَأْنِهِمْ إِلَّا ذَكَرَهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيَانُ بَعْضِ ذَلِكَ الْكَلَامِ وَهُوَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَأَنْتُمْ أَهْلُهُ ، وَلَنْ تَعْرِفَ الْعَرَبُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَهُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا وَعَرَّفَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ بَعْدُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا وَأَعْرَبُهُمْ أَحْسَابًا وَالْمُرَادُ بِالدَّارِ مَكَّةُ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَرَادَ بِالدَّارِ أَهْلَ الدَّارِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ : خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ وَقَوْلُهُ : أَحْسَابًا الْحَسَبُ الْفِعَالُ الْحِسَانُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِسَابِ إِذَا عَدُّوا مَنَاقِبَهُمْ ، فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَ كَانَ أَعْظَمَ حَسَبًا ، وَيُقَالُ النَّسَبُ لِلْآبَاءِ وَالْحَسَبُ لِلْأَفْعَالِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ حُبَابُ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ ( ابْنُ الْمُنْذِرِ ) أَيِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ الْخَزْرَجِيُّ ثُمَّ السَّلَمِيُّ بِفَتْحَتَيْنِ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ : ذُو الرَّأْيِ . قَوْلُهُ : ( لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : أَنَا جُدَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ ، وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ وَشَرْحُ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ أَنَّ الْعُذَيْقَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ تَصْغِيرُ عَذْقٍ وَهُوَ النَّخْلَةُ ، الْمُرَجَّبُ بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ يُدَعِّمُ النَّخْلَةَ إِذَا كَثُرَ حَمْلُهَا ، وَالْجُدَيْلُ بِالتَّصْغِيرِ أَيْضًا وَبِالْجِيمِ ، وَالْجَدَلُ عُودٌ يُنْصَبُ لِلْإِبِلِ الْجَرْبَاءِ لِتَحْتَكَّ فِيهِ ، وَالْمُحَكَّكُ بِكَافَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ فَأَرَادَ يُسْتَشْفَى بِرَأْيِهِ .

وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَقَامَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَكَانَ بَدْرِيًّا فَقَالَ : مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ، فَأنَّا وَاللَّهِ مَا نَنْفَسُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْأَمْرَ ، وَلَكِنَّا نَخَافُ أَنْ يَلِيَهُ أَقْوَامٌ قَتَلْنَا آبَاءَهُمْ وَإِخْوَتَهُمْ . قَالَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَمُتْ إِنِ اسْتَطَعْتَ . قَالَ : فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : نَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ ، وَهَذَا الْأَمْرُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ .

قَالَ فَبَايَعَ النَّاسُ وَأَوَّلُهُمْ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ وَالِدُ النُّعْمَانِ وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فَقَامَ خَطِيبُ الْأَنْصَارِ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَهُ بِرَجُلٍ مِنَّا ، فَتَبَايَعُوا عَلَى ذَلِكَ . فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّمَا الْإِمَامُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا فَبَايَعُوهُ .

وَوَقَعَ فِي آخِرِ الْمَغَازِي لِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ : وَكُنَّا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَوَّلَ النَّاسِ إِسْلَامًا وَنَحْنُ عَشِيرَتُهُ وَأَقَارِبُهُ وَذَوُو رَحِمِهِ ، وَلَنْ تَصْلُحَ الْعَرَبُ إِلَّا بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَالنَّاسُ لِقُرَيْشٍ تَبَعٌ ، وَأَنْتُمْ إِخْوَانُنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَشُرَكَاؤُنَا فِي دِينِ اللَّهِ ، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْنَا ، وَأَنْتُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ ، وَالتَّسْلِيمِ لِفَضِيلَةِ إِخْوَانِكُمْ ، وَأَنْ لَا تَحْسُدُوهُمْ عَلَى خَيْرٍ وَقَالَ فِيهِ : إِنَّ الْأَنْصَارَ قَالُوا أَوَّلًا : نَخْتَارُ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِذَا مَاتَ اخْتَرْنَا رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَإِذَا مَاتَ اخْتَرْنَا رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَذَلِكَ أَبَدًا فَيَكُونُ أَجْدَرَ أَنْ يُشْفِقَ الْقُرَشِيُّ إِذَا زَاغَ أَنْ يَنْقَضَّ عَلَيْهِ الْأَنْصَارِيُّ وَكَذَلِكَ الْأَنْصَارِيُّ . قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : لَا وَاللَّهِ لَا يُخَالِفُنَا أَحَدٌ إِلَّا قَتَلْنَاهُ ، فَقَامَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ فَقَالَ كَمَا تَقَدَّمَ وَزَادَ : وَإِنْ شِئْتُمْ كَرَّرْنَاهَا خُدْعَةً أَيْ أَعَدْنَا الْحَرْبَ . قَالَ : فَكَثُرَ الْقَوْلُ حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ فَوَثَبَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ فِي طَائِفَةٍ مِنْ الْمَدِينَةِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ - فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ يَا سَعْدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ وَأَنْتَ قَاعِدٌ : قُرَيْشٌ وُلَاةُ هَذَا الْأَمْرِ ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : صَدَقْتَ .

قَوْلُهُ : ( هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ ) أَيْ قُرَيْشٌ . قَوْلُهُ : ( فَبَايِعُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ وَأَخَذَ بِيَدِي وَيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ ، فَلَمْ أَكْرَهْ مِمَّا قَالَ غَيْرَهَا وَقَدِ اسْتُشْكِلَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ هَذَا مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّهُ الْأَحَقُّ بِالْخِلَافَةِ بِقَرِينَةِ تَقْدِيمِهِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ اسْتَحْيَى أَنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ فَيَقُولَ مَثَلًا : رَضِيتُ لَكُمْ نَفْسِي ، وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَفْصَحَ عُمَرُ بِذَلِكَ فِي الْقِصَّةِ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ دُونَ عُمَرَ فِي الْفَضْلِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَيَكْفِي أَبَا بَكْرٍ كَوْنُهُ جَعَلَ الِاخْتِيَارَ فِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ الْأَحَقُّ ، فَظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَصْرِيحٌ بِتَخَلِّيهِ مِنَ الْأَمْرِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ عُمَرُ : بَلْ نُبَايِعُكَ أَنْتَ ، فَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) قَدْ أَفْرَدَ بَعْضُ الرُّوَاةِ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ شَيْخِ الْمُصَنِّفِ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ : أَنْتَ سَيِّدُنَا إِلَخْ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَهُوَ أَوْضَحُ مَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ .

قَوْلُهُ : ( فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : فَكَثُرَ اللَّغَطُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ حَتَّى خَشِينَا الِاخْتِلَافَ ، فَقُلْتُ : ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ ثُمَّ الْأَنْصَارُ وَفِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ ، وَبَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَنْصَارِ فَبَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ ، ثُمَّ وَثَبَ أَهْلُ السَّقِيفَةِ يَبْتَدِرُونَ الْبَيْعَةَ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ وغيره فِي قِصَّةِ الْوَفَاةِ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ : مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ، فَقَالَ عُمَرُ - وَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ - أَسَيْفَانِ فِي غِمْدٍ وَاحِدٍ ؟ لَا يَصْطَلِحَانِ ، وَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ : مَنْ لَهُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ ؟ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ مَنْ هُمَا ؟ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ مَنْ صَاحِبُهُ ؟ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا مَعَ مَنْ ؟ ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَهُ ثُمَّ قَالَ : بَايِعُوهُ ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ قَائِلٌ : قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ) أَيْ كِدْتُمْ تَقْتُلُونَهُ ، وَقِيلَ : هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِعْرَاضِ وَالْخِذْلَانِ ، وَيَرُدُّهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ أبي شِهَابٍ فَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ : أَبْقُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لَا تَطَئُوهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : اقْتُلُوهُ قَتَلَهُ اللَّهُ . نَعَمْ لَمْ يُرِدْ عُمَرُ الْأَمْرَ بِقَتْلِهِ حَقِيقَةً ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : قَتَلَهُ اللَّهُ فَهُوَ دُعَاءٌ عَلَيْهِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ إِهْمَالِهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ فَقُلْتُ وَأَنَا مُغْضَبٌ : قَتَلَ اللَّهُ سَعْدًا فَإِنَّهُ صَاحِبُ شَرٍّ وَفِتْنَةٍ قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَإِنَّمَا قَالَتِ الْأَنْصَارُ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ عَلَى مَا عَرَفُوهُ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنْ لَا يَتَأَمَّرَ عَلَى الْقَبِيلَةِ إِلَّا مَنْ يَكُونُ مِنْهَا ، فَلَمَّا سَمِعُوا حَدِيثَ : الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ وَأَذْعَنُوا .

قُلْتُ حَدِيثُ : الْأَئِمَّةُ مِنَ قُرَيْشٍ سَيَأْتِي ذِكْرُ مَنْ أَخْرَجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ إِلَّا بِمَعْنَاهُ ، وَقَدْ جَمَعْتُ طُرُقَهُ عَنْ نَحْوِ أَرْبَعِينَ صَحَابِيًّا لَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ فُضَلَاءِ الْعَصْرِ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ الدَّاوُدِيُّ عَلَى أَنَّ إِقَامَةَ الْخَلِيفَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ؛ لِأَنَّهُمْ أَقَامُوا مُدَّة لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِمَامٌ حَتَّى بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ ، وَتُعُقِّبَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا وَبِأَنَّهُمْ تَرَكُوا لِأَجْلِ إِقَامَتِهَا أَعْظَمَ الْمُهِمَّاتِ وَهُوَ التَّشَاغُلُ بِدَفْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى فَرَغُوا مِنْهَا ، وَالْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ زَمَنٌ يَسِيرٌ فِي بَعْضِ يَوْمٍ يُغْتَفَرُ مِثْلُهُ لِاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِ الْأَنْصَارِ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَخْلِفْ ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ عُمَرُ كَمَا سَيَأْتِي ; وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ فِي مَقَامِ مَنْ لَا يَخَافُ شَيْئًا وَلَا يَتَّقِيهِ ، وَكَذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ : مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَخْلِفًا ؟ قَالَتْ : أَبُو بَكْرٍ . قِيلَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَتْ : عُمَرُ .

قِيلَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَتْ : أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ . وَوَجَدْتُ فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : لَوْ كَانَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ نَصٌّ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى تَعْيِينِ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ لِلْخِلَافَةِ لَمَا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ وَلَا تَفَاوَضُوا فِيهِ ، قَالَ : وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَاسْتَنَدَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ نَصَّ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ بِأُصُولٍ كُلِّيَّةٍ وَقَرَائِنَ حَالِيَّةٍ تَقْتَضِي أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ وَأَوْلَى بِالْخِلَافَةِ .

قُلْتُ : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا فِي تَرْجَمَتِهِ ، وَسَيَأْتِي بَعْضُهَا فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ آخِرَ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، الحديث الثالث عشر .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث