بَاب مَنَاقِبِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَبِي حَفْصٍ الْقُرَشِيِّ الْعَدَوِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ أَبُو جَعْفَرٍ الْكُوفِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ شَرِبْتُ - يَعْنِي اللَّبَنَ - حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى الرِّيِّ يَجْرِي فِي ظُفُرِي - أَوْ فِي أَظْفَارِي - ثُمَّ نَاوَلْتُ عُمَرَ ، قَالُوا : فَمَا أَوَّلْتَهُ يا رسول الله ؟ قَالَ : الْعِلْمَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ أَبُو جَعْفَرٍ ) هُوَ الْأُسَيْدِيُّ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَهُ شَيْخٌ آخَرُ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ يُكَنَّى أَبَا يَعْلَى وَهُوَ بَصْرِيٌّ ; وَأَبُو جَعْفَرٍ أَكْبَرُ مِنْ أَبِي يَعْلَى وَأَقْدَمُ سَمَاعًا . قَوْلُهُ : ( شَرِبْتُ يَعْنِي اللَّبَنَ ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا ، وَسَيَأْتِي فِي التَّعْبِيرِ عَنْ عَبْدَانَ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِلَفْظِ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ أَيْ مِنْ ذَلِكَ اللَّبَنِ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى الرِّيِّ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدَانَ حَتَّى أَنِّي وَيَجُوزُ فَتْحُ هَمْزَةِ أَنِّي وَكَسْرُهَا وَرُؤْيَةُ الرِّيِّ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ كَأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الرِّيَّ جِسْمًا أَضَافَ إِلَيْهِ مَا هُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْجِسْمِ ، وَهُوَ كَوْنُهُ مَرْئِيًّا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَنْظُرُ فَإِنَّمَا أَتَى بِهِ بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مَاضٍ اسْتِحْضَارًا لِصُورَةِ الْحَالِ ، وَقَوْلُهُ أَنْظُرُ يُؤَيِّدُ أَنَّ قَوْلَهُ أَرَى فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْعِلْمِ مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ لَا مِنَ الْعِلْمِ ، وَالرِّيُّ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا . قَوْلُهُ : ( يَجْرِي ) أَيِ اللَّبَنُ أَوِ الرِّيُّ وَهُوَ حَالٌ . قَوْلُهُ : ( فِي ظُفْرِي أَوْ أَظْفَارِي ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدَانَ مِنْ أَظْفَارِي وَلَمْ يَشُكَّ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَقِيلٍ فِي الْعِلْمِ لَكِنْ قَالَ : فِي أَظْفَارِي .
قَوْلُهُ : ( ثُمَّ نَاوَلْتُ عُمَرَ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدَانَ ثُمَّ نَاوَلْتُ فَضْلِي يَعْنِي عُمَرَ ، وَفِي رِوَايَةِ عَقِيلٍ فِي الْعِلْمِ ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ . قَوْلُهُ : ( قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ ) أَيْ عَبَّرْتَهُ ( قَالَ : الْعِلْمَ ) بِالنَّصْبِ أَيْ أَوَّلْتُهُ الْعِلْمَ ، وَبِالرَّفْعِ أَيِ الْمُؤَوَّلُ بِهِ هُوَ الْعِلْمُ ، وَوَقَعَ فِي جُزْءِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَرَفَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : فَقَالُوا : هَذَا الْعِلْمُ الَّذِي آتَاكَهُ اللَّهُ ، حَتَّى إِذَا امْتَلَأْتَ فَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلَةٌ فَأَخَذَهَا عُمَرُ ، قَالَ : أَصَبْتُمْ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ أَوَّلَ وَبَعْضُهُمْ سَأَلَ ، وَوَجْهُ التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ اشْتَرَاكِ اللَّبَنِ وَالْعِلْمِ فِي كَثْرَةِ النَّفْعِ ، وَكَوْنِهِمَا سَبَبًا لِلصَّلَاحِ ، فَاللَّبَنُ لِلْغِذَاءِ الْبَدَنِيِّ وَالْعِلْمُ لِلْغِذَاءِ الْمَعْنَوِيِّ . وَفِي الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ عُمَرَ وَأَنَّ الرُّؤْيَا مِنْ شَأْنِهَا أَنْ لَا تُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهَا وَإِنْ كَانَتْ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْوَحْيِ ، لَكِنْ مِنْهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ وَمِنْهَا مَا يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ هُنَا الْعِلْمُ بِسِيَاسَةِ النَّاسِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخْتُصَّ عُمَرُ بِذَلِكَ لِطُولِ مُدَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَبِاتِّفَاقِ النَّاسِ عَلَى طَاعَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُثْمَانَ ، فَإِنَّ مُدَّةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ قَصِيرَةً فَلَمْ يَكْثُرْ فِيهَا الْفُتُوحُ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ الْأَسْبَابِ فِي الِاخْتِلَافِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَسَاسَ عُمَرُ فِيهَا - مَعَ طُولِ مُدَّتِهِ - النَّاسَ بِحَيْثُ لَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ ، ثُمَّ ازْدَادَتِ اتِّسَاعًا فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ فَانْتَشَرَتِ الْأَقْوَالُ وَاخْتَلَفَتِ الْآرَاءُ وَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ مَا اتَّفَقَ لِعُمَرَ مِنْ طَوَاعِيَةِ الْخَلْقِ لَهُ فَنَشَأَتْ مِنْ ثَمَّ الْفِتَنُ ، إِلَى أَنْ أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى قَتْلِهِ ، وَاسْتُخْلِفَ عَلِيٌّ فَمَا ازْدَادَ الْأَمْرُ إِلَّا اخْتِلَافًا وَالْفِتَنُ إِلَّا انْتِشَارًا .