بَاب مَنَاقِبِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَبِي عَمْرٍو الْقُرَشِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ ، حَدَّثَنَا شَاذَانُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا ، ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ ، ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ . تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا شَاذَانُ ) هُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ .
قَوْلُهُ : ( ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُمَرَ ، عَلِيًّا ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ الشُّيُوخَ وَذَوِي الْأَسْنَانِ الَّذِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ شَاوَرَهُمْ ، وَكَانَ عَلِيٌّ فِي زَمَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثَ السِّنِّ . قَالَ : وَلَمْ يُرِدِ ابْنُ عُمَرَ الِازْدِرَاءَ بِهِ ، وَلَا تَأْخِيرَهُ عَنِ الْفَضِيلَةِ بَعْدَ عُثْمَانَ ، انْتَهَى . وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ مِنْ جِهَةِ السِّنِّ بَعِيدٌ لَا أَثَرَ لَهُ فِي التَّفْضِيلِ الْمَذْكُورِ .
وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَأْوِيلِ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً مِنْ تَقْدِيمِ عَلِيٍّ بَعْدَ عُثْمَانَ ، وَمِنْ تَقْدِيمِ بَقِيَّةِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ ، وَمِنَ تَقْدِيمِ أَهْلِ بَدْرٍ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا النَّفْيِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْتَهِدُونَ فِي التَّفْضِيلِ ، فَيَظْهَرُ لَهُمْ فَضَائِلُ الثَّلَاثَةِ ظُهُورًا بَيِّنًا فَيَجْزِمُونَ بِهِ ، وَلَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ اطَّلَعُوا عَلَى التَّنْصِيصِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أَفْضَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ بَعْدَ قَتْلِ عُمَرَ ، وَقَدْ حُمِلَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّرْتِيبِ فِي التَّفْضِيلِ ، وَاحْتَجَّ فِي التَّرْبِيعِ بِعَلِيٍّ بِحَدِيثِ سَفِينَةِ مَرْفُوعًا : الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِهِ كُنَّا نَتْرُكُ لِأَنَّ الْأُصُولِيِّيِّنَ اخْتَلَفُوا فِي صِيغَةِ كُنَّا نَفْعَلُ لَا فِي صِيغَةِ كُنَّا لَا نَفْعَلُ لِتَصَوُّرِ تَقْرِيرِ الرَّسُولِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً فَمَا هُوَ مِنَ الْعَمَلِيَّاتِ حَتَّى يَكْفِيَ فِيهِ الظَّنُّ ، وَلَوْ سَلَّمْنَا فَقَدْ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَقَعَ لَهُمْ فِي بَعْضِ أَزْمِنَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ يَظْهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَهُمْ ، وَقَدْ مَضَتْ تَتِمَّةُ هَذَا فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ) أَيِ ابْنِ أَبِي سَلَمَةَ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ ، وَابْنُ صَالِحٍ هَذَا هُوَ الْجُهَنِيُّ كَاتِبُ اللَّيْثِ ، وَقِيلَ : هُوَ الْعِجْلِيُّ وَالِدُ أَحْمَدَ صَاحِبِ كِتَابِ الثِّقَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِهَذِهِ الْمُتَابَعَةِ إِثْبَاتَ الطَّرِيقِ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ؛ لِأَنَّ عَبَّاسًا الدَّوْرِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَاذَانَ فَقَالَ : عَنِ الْفَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ نَافِعٍ فَكَأَنَّ لِشَاذَانِ فِيهِ شَيْخَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَمَّارٍ ، وَالرَّمَادِيُّ ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ الْمَذْكُورِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَبْدَةُ أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ ، وَحُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى .