حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَنَاقِبِ عَمَّارٍ وَحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : ذَهَبَ عَلْقَمَةُ إِلَى الشَّامِ فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ : اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا ، فَجَلَسَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ . قَالَ : أَلَيْسَ فِيكُمْ - أَوْ مِنْكُمْ - صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ ؟ يَعْنِي حُذَيْفَةَ . قَالَ : قُلْتُ : بَلَى .

قَالَ : أَلَيْسَ فِيكُمْ - أَوْ مِنْكُمْ - الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ يَعْنِي مِنْ الشَّيْطَانِ ، يَعْنِي عَمَّارًا ، قُلْتُ : بَلَى . قَالَ : أَلَيْسَ فِيكُمْ - أَوْ مِنْكُمْ - صَاحِبُ السِّوَاكِ ، وَالْوِسَادِ أَوْ السِّرَارِ ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَ : كَيْفَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقْرَأُ : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى قُلْتُ : وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَالَ : مَا زَالَ بِي هَؤُلَاءِ حَتَّى كَادُوا يَسْتَنْزِلُونني عَنْ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

قَوْلُهُ : ( الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ ، يَعْنِي عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ : أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ يَعْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ : يَعْنِي عَمَّارًا ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَيْحَ عَمَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ حَدِيثَ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : مَا خُيِّرَ عَمَّارٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَرْشَدَهُمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ أَخْرَجَهُمَا الْحَاكِمُ ، فَكَوْنُهُ يَخْتَارُ أَرْشَدَ الْأَمْرَيْنِ دَائِمًا يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ أُجِيرَ مِنَ الشَّيْطَانِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ الْأَمْرُ بِالْغَيِّ ، وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مُلِئَ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ . يَعْنِي عَمَّارًا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . وَلِابْنِ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ : قَالَ عَمَّارٌ : نَزَلْنَا مَنْزِلًا فَأَخَذْتُ قِرْبَتِي وَدَلْوِي لِأَسْتَقِيَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : سَيَأْتِيكَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنَ الْمَاءِ ، فَلَمَّا كُنْتُ عَلَى رَأْسِ الْمَاءِ إِذَا رَجُلٌ أَسْوَدُ كَأَنَّهُ مُرْسٌ ، فَصَرَعْتُهُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاكَ الشَّيْطَانُ فَلَعَلَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ بِالْإِجَارةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَى ثَبَاتِهِ عَلَى الْإِيمَانِ لَمَّا أَكْرَهَهُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ ، فَنَزَلَتْ فِيهِ : إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ : إِنَّ عَمَّارًا مُلِئَ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَالْمُشَاشُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَمُعْجَمَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تَقَعُ إِلَّا مِمَّنْ أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ التِّينِ فِي بَابِ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ مُسْتَوْفًى وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .

قَوْلُهُ : ( أَوَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ سِرِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ غَيْرُهُ ) كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ وَالْمُرَادُ بِالسِّرِّ مَا أَعْلَمَهُ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ : كَيْفَ يَقْرَأُ عَبْدُ اللَّهِ ) يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي تَفْسِيرِ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ وَفِيهِ زِيَادَةٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَى مَا هُنَا . ( تَنْبِيهٌ ) : تَوَارَدَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي وَصْفِ الْمَذْكُورِينَ مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ وَزَادَ عَلَيْهِ ، فَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا ، فَيَسَّرَ لِي أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ : مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : مِنَ الْكُوفَةِ ، جِئْتُ أَلْتَمِسُ الْخَيْرَ .

قَالَ : أَلَيْسَ مِنْكُمْ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ مُجَابُ الدَّعْوَةِ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ صَاحِبُ طَهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَعْلَيْهِ ، وَحُذَيْفَةُ صَاحِبُ سِرِّهِ ، وَعَمَّارٌ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ، وَسَلْمَانُ صَاحِبُ الْكِتَابَيْنِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث