بَاب مَنَاقِبُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا فَضْلُ بْنُ مُسَاوِرٍ خَتَنُ أَبِي عَوَانَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ . وَعَنْ الْأَعْمَشِ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ، فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ : فَإِنَّ الْبَرَاءَ يَقُولُ : اهْتَزَّ السَّرِيرُ فَقَالَ : إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ ضَغَائِنُ ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا فَضْلُ بْنُ مُسَاوِرٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ ، هُوَ بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا الْمُسَاوِرِ ، وَكَانَ خَتَنَ أَبِي عَوَانَةَ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ .
قَوْلُهُ : ( خَتَنَ أَبِي عَوَانَةَ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَنَّاةِ أَيْ صِهْرُهُ زَوْجُ ابْنَتِهِ ، وَالْخَتَنُ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ مِنْ أَقَارِبِ الْمَرْأَةِ . قَوْلُهُ : ( وَعَنِ الْأَعْمَشِ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَهَذَا مِنْ شَأْنِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ صَاحِبُ جَابِرٍ لَا يُخْرِجُ لَهُ إِلَّا مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ أَوِ اسْتِشْهَادًا . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ .
قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ الْبَرَاءَ يَقُولُ : اهْتَزَّ السَّرِيرُ ) أَيِ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ ) أَيِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ . قَوْلُهُ : ( ضَغَائِنُ ) بِالضَّادِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ جَمْعُ ضَغِينَةٍ وَهِيَ الْحِقْدُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا قَالَ جَابِرٌ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ سَعْدًا كَانَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْبَرَاءَ خَزْرَجِيٌّ ، وَالْخَزْرَجُ لَا تُقِرُّ لِلْأَوْسِ بِفَضْلٍ ، كَذَا قَالَ وَهُوَ خَطَأٌ فَاحِشٌ ، فَإِنَّ الْبَرَاءَ أَيْضًا أَوْسِيٌّ ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ عَازِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ مُجَدَّعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ ، يَجْتَمِعُ مَعَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، وَالْخَزْرَجُ وَالِدُ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، وَلَيْسَ هُوَ الْخَزْرَجَ الَّذِي يُقَابِلُ الْأَوْسَ وَإِنَّمَا سميَ عَلَى اسْمِهِ .
نَعَمُ الَّذِي مِنَ الْخَزْرَجِ الَّذِينَ هُمْ مُقَابِلُو الْأَوْسِ جَابِرٌ ; وَإِنَّمَا قَالَ جَابِرٌ ذَلِكَ إِظْهَارًا لِلْحَقِّ وَاعْتِرَافًا بِالْفَضْلِ لِأَهْلِهِ ، فَكَأَنَّهُ تَعَجَّبَ مِنَ الْبَرَاءِ كَيْفَ قَالَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ أَوْسِيٌّ ، ثُمَّ قَالَ : أَنَا وَإِنْ كُنْتُ خَزْرَجِيًّا وَكَانَ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ مَا كَانَ ، لَا يَمْنَعُنِي ذَلِكَ أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَالْعُذْرُ لِلْبَرَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَغْطِيَةَ فَضْلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَإِنَّمَا فَهِمَ ذَلِكَ فَجَزَمَ بِهِ ، هَذَا الَّذِي يَلِيقُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ تَعَصُّبِهِ . وَلَمَّا جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ بِمَا تَقَدَّمَ احْتَاجَ هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ إِلَى الِاعْتِذَارِ عَمَّا صَدَرَ مِنْ جَابِرٍ فِي حَقِّ الْبَرَاءِ وَقَالُوا فِي ذَلِكَ مَا مُحَصَّلُهُ : إِنَّ الْبَرَاءَ مَعْذُورٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْعَدَاوَةِ لِسَعْدٍ ، وَإِنَّمَا فَهِمَ شَيْئًا مُحْتَمَلًا فَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَيْهِ ، وَالْعُذْرُ لِجَابِرٍ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْبَرَاءَ أَرَادَ الْغَضَّ مِنْ سَعْدٍ فَسَاغَ لَهُ أَنْ يَنْتَصِرَ لَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ مَا أَنْكَرَهُ الْبَرَاءُ فَقَالَ : إِنَّ الْعَرْشَ لَا يَهْتَزُّ لِأَحَدٍ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَجَزَمَ بِأَنَّهُ اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ ، أَخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْهُ ، وَالْمُرَادُ بِاهْتِزَازِ الْعَرْشِ اسْتِبْشَارُهُ وَسُرُورُهُ بِقُدُومِ رُوحِهِ ، يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ فَرِحَ بِقُدُومِ قَادِمٍ عَلَيْهِ : اهْتَزَّ لَهُ ، وَمِنْهُ اهْتَزَّتِ الْأَرْضُ بِالنَّبَاتِ إِذَا اخْضَرَّتْ وَحَسُنَتْ ، وَوَقَعَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِلَفْظِ : اهْتَزَّ الْعَرْشُ فَرَحًا بِهِ لَكِنَّهُ تَأَوَّلَهُ كَمَا تَأَوَّلَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فَقَالَ : اهْتَزَّ الْعَرْشُ فَرَحًا بِلِقَاءِ اللَّهِ سَعْدًا حَتَّى تَفَسَّخَتْ أَعْوَادُهُ عَلَى عَوَاتِقِنَا ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : يَعْنِي عَرْشَ سَعْدٍ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِي حَدِيثِ عَطَاءٍ مَقَالٌ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنِ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ ، وَيُعَارِضُ رِوَايَتَهُ أَيْضًا مَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ : لَمَّا حُمِلَتْ جِنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ الْمُنَافِقُونَ : مَا أَخَفَّ جِنَازَتَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَحْمِلُهُ . قَالَ الْحَاكِمُ : الْأَحَادِيثُ الَّتِي تُصَرِّحُ بِاهْتِزَازِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ مُخَرَّجَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَلَيْسَ لِمُعَارِضِهَا فِي الصَّحِيحِ ذِكْرٌ ، انْتَهَى . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِاهْتِزَازِ الْعَرْشِ اهْتِزَازُ حَمَلَةِ الْعَرْشِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ : إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ : مَنْ هَذَا الْمَيِّتُ الَّذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَاسْتَبْشَرَ بِهِ أَهْلُهَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ ، وَقِيلَ : هِيَ عَلَامَةٌ نَصَبَهَا اللَّهُ لِمَوْتِ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أَوْلِيَائِهِ لِيُشْعِرَ مَلَائِكَتَهُ بِفَضْلِهِ ، وَقَالَ الْحَرْبِيُّ : إِذَا عَظَّمُوا الْأَمْرَ نَسَبُوهُ إِلَى عَظِيمٍ كَمَا يَقُولُونَ قَامَتْ لِمَوْتِ فُلَانٍ الْقِيَامَةُ وَأَظْلَمَتِ الدُّنْيَا وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَفِي هَذِهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِسَعْدٍ ، وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْبَرَاءِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْعَرْشِ السَّرِيرَ الَّذِي حَمَل عَلَيْهِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ فَضْلًا لَهُ لِأَنَّهُ يَشْرَكُهُ فِي ذَلِكَ كُلُّ مَيِّتٍ ، إِلَّا أَنَّهُ يُرِيدُ اهْتَزَّ حَمَلَةُ السَّرِيرِ فَرَحًا بِقُدُومِهِ عَلَى رَبِّهِ فَيُتَّجَهُ .
وَوَقَعَ لِمَالِكٍ نَحْوُ مَا وَقَعَ لِابْنِ عُمَرَ أَوَّلًا ، فَذَكَرَ صَاحِبُ الْعُتْبِيَّةِ فِيهَا أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : أَنْهَاكَ أَنْ تَقُولَهُ ، وَمَا يَدْعُو الْمَرْءَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذَا وَمَا يَدْرِي مَا فِيهِ مِنَ الْغُرُورِ . قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْعُتْبِيَّةِ إِنَّمَا نَهَى مَالِكٌ لِئَلَّا يَسْبِقُ إِلَى وَهَمِ الْجَاهِلِ أَنَّ الْعَرْشَ إِذَا تَحَرَّكَ يَتَحَرَّكُ اللَّهُ بِحَرَكَتِهِ كَمَا يَقَعُ لِلْجَالِسِ مِنَّا عَلَى كُرْسِيِّهِ ، وَلَيْسَ الْعَرْشُ بِمُوضَعِ اسْتِقْرَارِ اللَّهِ ، تَبَارَكَ اللَّهُ وَتَنَزَّهَ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِهِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا .
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَالِكًا مَا نَهَى عَنْهُ لِهَذَا ، إِذْ لَوْ خَشِيَ مِنْ هَذَا لَمَا أَسْنَدَ فِي الْمُوَطَّأِ حَدِيثَ : يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا ؛ لِأَنَّهُ أَصْرَحُ فِي الْحَرَكَةِ مِنِ اهْتِزَازِ الْعَرْشِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَمُعْتَقَدُ سَلَفِ الْأَئِمَّةِ وَعُلَمَاءِ السُّنَّةِ مِنَ الْخَلَفِ أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَرَكَةِ وَالتَّحَوُّلِ وَالْحُلُولِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَيَحْتَمِلُ الْفَرْقَ بِأَنَّ حَدِيثَ سَعْدٍ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَأَمَرَ بِالْكَفِّ عَنِ التَّحَدُّثِ بِهِ بِخِلَافِ حَدِيثِ النُّزُولِ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ فَرَوَاهُ وَوَكَّلَ أَمْرَهُ إِلَى فَهْمِ أُولِي الْعِلْمِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ فِي الْقُرْآنِ : اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَقَدْ جَاءَ حَدِيثُ اهْتِزَازِ الْعَرْشِ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ أَكْثَرَ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهِ .