بَاب مَا لَقِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِمكَّةَ
بَاب مَا لَقِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِمكَّةَ 3852 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا بَيَانٌ ، وَإِسْمَاعِيلُ ، قَالَا : سَمِعْنَا قَيْسًا يَقُولُ : سَمِعْتُ خَبَّابًا يَقُولُ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَقَدْ لَقِينَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا تَدْعُو اللَّهَ ، فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ ، فَقَالَ : لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَيُوضَعُ المِيشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ . زَادَ بَيَانٌ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ ) ، أَيْ : مِنْ وَجْهِ الْأَذَى ، وَذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ فِي الْمَعْنَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ ؟ قَالَ : لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ .. .
فَذَكَرَ قِصَّتَهُ بِالطَّائِفِ . وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ، وَأُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يَخَافُ أَحَدٌ الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ : مَا أُوذِيَ أَحَدٌ مَا أُوذِيتُ .
ذَكَرَهُ فِي تَرْجَمَةِ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَيُوسُفُ ضَعِيفٌ ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ بِمَا جَاءَ مِنْ صِفَاتِ مَا أُوذِيَ بِهِ الصَّحَابَةُ كَمَا سَيَأْتِي لَوْ ثَبَتَ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنَى حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ مَا أُوذِيَ بِهِ مَنْ قَبْلَهُ فَتَأَذَّى بِذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى مَا آذَاهُ قَوْمُهُ بِهِ . وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَذَكَرَ الصَّحَابَةَ فَقَالَ : وَاللَّهِ إِنْ كَانُوا لَيَضْرِبُونَ أَحَدَهُمْ وَيُجِيعُونَهُ وَيُعَطِّشُونَهُ حَتَّى مَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْتَوِيَ جَالِسًا مِنْ شِدَّةِ الضَّرِّ ، حَتَّى يَقُولُوا لَهُ : اللَّاتُ وَالْعُزَّى إِلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَيَقُولُ : نَعَمْ ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ سَبْعَةٌ : رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعَمَّارٌ ، وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ ، وَصُهَيْبٌ ، وَبِلَالٌ ، وَالْمِقْدَادُ . فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ ، وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فَأَخَذَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الْحَدِيدِ وَأَوْقَفُوهُمْ فِي الشَّمْسِ الْحَدِيثَ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا أُوذِيَ بِهِ أَصْحَابُهُ كَانَ يَتَأَذَّى هُوَ بِهِ لِكَوْنِهِ بِسَبَبِهِ ، وَاسْتُشْكِلَ أَيْضًا بِمَا أُوذِيَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الْقَتْلِ كَمَا فِي قِصَّةِ زَكَرِيَّا وَوَلَدِهِ يَحْيَى ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا غَيْرُ إِزْهَاقِ الرُّوحِ . ثَمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا بَيَانٌ ) هُوَ ابْنُ بِشْرٍ ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَخَبَّابٌ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ . قَوْلُهُ : ( بُرْدَةٌ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّنْوِينِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْهَاءِ وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ بُرْدَةٌ لَهُ .
قَوْلُهُ : ( أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا ) زَادَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْمَبْعَثِ : أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا . قَوْلُهُ : ( فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ ) أَيْ مِنْ أَثَرِ النَّوْمِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْغَضَبِ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ التِّينِ . قَوْلُهُ : ( لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ ) .
كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : أَمْشَاطُ هُوَ جَمْعُ مِشْطٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِضَمِّهَا ، يُقَالُ : مِشَاطٌ وَأَمْشَاطٌ كَرِمَاحٍ وَأَرْمَاحٍ ، وَأَنْكَرَ ابْنُ دُرَيْدٍ الْكَسْرَ فِي الْمُفْرَدِ ، وَالْأَشْهَرُ فِي الْجَمْعِ مِشَاطٌ وَرِمَاحٌ . قَوْلُهُ : ( مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ . قَوْلُهُ ( وَيُوضَعُ الْمِيشَارُ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بِهَمْزٍ وَبِغَيْرِ هَمْزٍ ، تَقُولُ : وَشَرْتُ الْخَشَبَةَ وَأَشَرْتُهَا ، وَيُقَالُ فِيهِ بِالنُّونِ ، وَهِيَ أَشْهَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ .
قَالَ ابْنُ التِّينِ : كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ أَنْبِيَاءَ أَوْ أَتْبَاعَهُمْ ، قَالَ : وَكَانَ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ لَوْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَصَبَرَ ، إِلَى أَنْ قَالَ : وَمَا زَالَ خَلْقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ فَمَنْ بَعْدَهُمْ يُؤْذَوْنَ فِي اللَّهِ ، وَلَوْ أَخَذُوا بِالرُّخْصَةِ لَسَاغَ لَهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ ) بِالنَّصْبِ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ بِالرَّفْعِ ، وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الْإِسْلَامُ . قَوْلُهُ : ( زَادَ بَيَانٌ : وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ) هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ إِدْرَاجًا ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَحْدَهُ ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا : مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ وَخَلَّادِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَعَبْدَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ كُلِّهِمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِهِ مُدْرَجًا ، وَطَرِيقُ الْحُمَيْدِيِّ أَصَحُّ ، وَقَدْ وَافَقَهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ مُفَصَّلًا أَيْضًا .
( تَنْبِيهٌ ) : قَوْلُهُ : وَالذِّئْبَ ، هُوَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَا الْمُسْتَثْنَى ، كَذَا جَزَمَ بِهِ الْكَرْمَانِيُّ ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الْمُسْتَثْنَى ، وَالتَّقْدِيرُ : وَلَا يَخَافُ إِلَّا الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ؛ لِأَنَّ مَسَاقَ الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ لِلْأَمْنِ مِنْ عُدْوَانِ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ كَمَا كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، اللأمن مِنْ عُدْوَانِ الذِّئْبِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى .