بَاب ذِكْرُ الْجِنِّ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي جَدِّي ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِدَاوَةً لِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِهَا فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ . فَقَالَ : ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا ، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ ، فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَحْمِلُهَا فِي طَرَفِ ثَوْبِي حَتَّى وَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مَشَيْتُ فَقُلْتُ : مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ ؟ قَالَ : هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ ، وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ - وَنِعْمَ الْجِنُّ - فَسَأَلُونِي الزَّادَ ، فَدَعَوْتُ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا . قَوْلُهُ : فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ( أَخْبَرَنِي جَدِّي ) هُوَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ .
قَوْلُهُ : ( ابْغِنِي ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : هُوَ مَوْصُولٌ مِنَ الثُّلَاثِيِّ تَقُولُ : بَغَيْتُ الشَّيْءَ : طَلَبْتُهُ ، وَأَبْغَيْتُكَ الشَّيْءَ : أَعَنْتُكَ عَلَى طَلَبِهِ . قَوْلُهُ : ( أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضُ بِهَا ) تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَمَّا وَقَعَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَمَّا مَضَى قَبْلَ ذَلِكَ ، وَنَصِيبِينَ بَلْدَةٌ مَشْهُورَةٌ بِالْجَزِيرَةِ ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ التِّينِ أَنَّهَا بِالشَّامِ وَفِيهِ تَجَوُّزٌ ، فَإِنَّ الْجَزِيرَةَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ ، وَيَجُوزُ صَرْفُ نَصِيبِينَ وَتَرْكُهُ .
قَوْلُهُ : ( فَسَأَلُونِي الزَّادَ ) أَيْ : مِمَّا يَفْضُلُ عَنِ الْإِنْسِ ، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ الشَّرْعِ عَلَى الْحَظْرِ حَتَّى تَرِدَ الْإِبَاحَةُ ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَنْعِ الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ ، بَلْ لَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ عَلَى الصَّحِيحِ . قَوْلُهُ : ( فَدَعَوْتُ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثَةٍ إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طُعْمًا ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ : إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا . قَالَ ابْنُ التِّينِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُذِيقَهُمْ مِنْهَا طَعَامًا .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : إِنَّ الْبَعْرَ زَادُ دَوَابِّهِمْ ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ حَدِيثَ الْبَابِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ الطَّعَامِ فِيهِ عَلَى طَعَامِ الدَّوَابِّ .