بَاب تَزْوِيجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ وَقُدُومِهَا الْمَدِينَةَ وَبِنَائِهِ بِهَا
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ ، فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ، وَنَكَحَ عَائِشَةَ وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ ، ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) هَذَا صُورَتُهُ مُرْسَلٌ ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ مَعَ كَثْرَةِ خِبْرَتِهِ بِأَحْوَالِ عَائِشَةَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْهَا . قَوْلُهُ : ( تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثِ سِنِينَ ، فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ، وَنَكَحَ عَائِشَةَ وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ ، ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ ) فِيهِ إِشْكَالٌ ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَبْنِ بِهَا إِلَّا بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ بِسَنَتَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ أَيْ بَعْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ ، وَقَوْلُهُ : وَنَكَحَ عَائِشَةَ أَيْ عَقَدَ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ : وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ فَيُخْرَجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بَنَى بِهَا بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ بِسَنَتَيْنِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي النِّكَاحِ مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا وَسَيَأْتِي مَا قِيلَ مِنْ إِدْرَاجِ النِّكَاحِ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ ، وَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ صَحِيحٌ ، فَإِنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَزُفَّتْ إِلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ وَلِعْبَتُهَا مَعَهَا ، وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانِ عَشْرَةَ .
وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَوَّالٍ ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ : فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ أَيْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ ، ثُمَّ بَنَى بِعَائِشَةَ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ ، فَكَأَنَّ ذِكْرَ سَوْدَةَ سَقَطَ عَلَى بَعْضِ رُوَاتِهِ . وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَالَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا تَزَوَّجُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَمَا عِنْدَكِ ؟ قَالَتْ : بِكْرٌ وَثَيِّبٌ ، الْبِكْرُ بِنْتُ أَحَبِّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْكَ عَائِشَةُ ، وَالثَّيِّبُ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ . قَالَ : فَاذْهَبِي فَاذْكُرِيهِمَا عَلَيَّ .
فَدَخَلَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ : إِنَّمَا هِيَ بِنْتُ أَخِيهِ . قَالَ : قُولِي لَهُ : أَنْتَ أَخِي فِي الْإِسْلَامِ ، وَابْنَتُكَ تَصْلُحُ لِي . فَجَاءَهُ فَأَنْكَحَهُ .
ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَى سَوْدَةَ فَقَالَتْ لَهَا : أَخْبِرِي أَبِي . فَذَكَرَتْ لَهُ ، فَزَوَّجَهُ . وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ بِمَكَّةَ .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ خَلَّفَنَا بِمَكَّةَ ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِالْمَدِينَةِ بَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، وَأَبَا رَافِعٍ ، وَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُرَيْقِطٍ وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ أُمَّ رُومَانَ وَأُمَّ أَبِي بَكْرٍ وَأَنَا وَأُخْتِي أَسْمَاءَ ، فَخَرَجَ بِنَا ، وَخَرَجَ زَيْدٌ ، وَأَبُو رَافِعٍ بِفَاطِمَةَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ وَسَوْدَةَ بِنْتِ زِمْعَةَ ، وَأَخَذَ زَيْدٌ امْرَأَتَهُ أُمَّ أَيْمَنَ وَوَلَدَيْهَا أَيْمَنَ ، وَأُسَامَةَ ، وَاصْطَحَبَنَا ، حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَنَزَلْتُ فِي عِيَالِ أَبِي بَكْرٍ ، وَنَزَلَ آلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَهُ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يَبْنِي الْمَسْجِدَ وَبُيُوتَهُ ، فَأَدْخَلَ سَوْدَةَ بِنْتَ زِمْعَةَ أَحَدَ تِلْكَ الْبُيُوتِ ، وَكَانَ يَكُونُ عِنْدَهَا ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَبْنِيَ بِأَهْلِكَ ؟ فَبَنَى بِي . . الْحَدِيثَ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : الْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ : تَزَوَّجَ عَائِشَةَ قَبْلَ سَوْدَةَ ، وَالْمُحَدِّثُونَ يَقُولُونَ : تَزَوَّجَ سَوْدَةَ قَبْلَ عَائِشَةَ ، وَقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى عَائِشَةَ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَدَخَلَ بِسَوْدَةَ .
قُلْتُ : وَالرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا عَنِ الطَّبَرَانِيِّ تَرْفَعُ الْإِشْكَالَ وَتُوَجِّهُ الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ : إِنَّكَ سَأَلْتَنِي مَتَى تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ ؟ وَإِنَّهَا تُوُفِّيَتْ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ بِثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ ، ونَكَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ بَعْدَ مُتَوَفَّى خَدِيجَةَ ، وَعَائِشَةُ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ . ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنَى بِهَا بَعْدَمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ وَهَذَا السِّيَاقُ لَا إِشْكَالَ فِيهِ ، وَيَرْتَفِعُ بِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْإِشْكَالِ أَيْضًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ بَنَى بِهَا فِي شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ ، قَوَّى قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ دَخَلَ بِهَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ ، وَقَدْ وَهَّاهُ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ ، وَلَيْسَ بِوَاهٍ إِذَا عَدَدْنَاهُ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ، وَجَزْمُهُ بِأَنَّ دُخُولَهُ بِهَا كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ يُخَالِفُ مَا ثَبَتَ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا بَعْدَ خَدِيجَةَ بِثَلَاثِ سِنِينَ . وَقَالَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي السِّيرَةِ لَهُ : مَاتَتْ خَدِيجَةُ فِي رَمَضَانَ ، وَعَقَدَ عَلَى سَوْدَةَ فِي شَوَّالٍ ثُمَّ عَلَى عَائِشَةَ ، وَدَخَلَ بِسَوْدَةَ قَبْلَ عَائِشَةَ .