حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَقْدَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ الْمَدِينَةَ

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ح ، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ الضُّبَعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، قَالَ : فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى مَلَأِ بَنِي النَّجَّارِ ، قَالَ : فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي سُيُوفِهِمْ ، قَالَ : وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفَهُ ، وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ ، قَالَ : فَكَانَ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ، قَالَ : ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَأ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا ، فَقَالَ : يَا بَنِي النَّجَّارِ ، ثَامِنُونِي بحَائِطَكُمْ هَذَا ، فَقَالُوا : لَا ، وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ ، قَالَ : فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ ، كَانَتْ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ ، وَكَانَتْ فِيهِ خِرَبٌ ، وَكَانَ فِيهِ نَخْلٌ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ ، قَالَ : فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ ، قَالَ : وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً ، قَالَ : جَعَلُوا يَنْقُلُونَ ذَاكَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ فَانْصُرْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ قَوْلُهُ : ( أَنْبَأَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ . قَوْلُهُ : ( فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ ) كُلُّ مَا فِي جِهَةِ نَجْدٍ يُسَمَّى الْعَالِيَةَ ، وَمَا فِي جِهَةِ تِهَامَةَ يُسَمَّى السَّافِلَةَ ، وَقُبَاءُ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ ، وَأَخَذَ مِنْ نُزُولِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّفَاؤُلَ لَهُ وَلِدِينِهِ بِالْعُلْوِ . قَوْلُهُ : ( يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ) أَيِ ابْنِ مَالِكِ بْنِ الأوس بْنِ حَارِثَةَ .

قَوْلُهُ : ( وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ ) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّامِنِ عَشَرَ . قَوْلُهُ : ( وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ ) أَيْ جَمَاعَتَهُمْ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى أَلْقَى ) أَيْ نَزَلَ أَوِ الْمُرَادُ أَلْقَى رَحْلَهُ .

قَوْلُهُ : ( بِفِنَاءِ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَبِالْمَدِّ مَا امْتَدَّ مِنْ جَوَانِبِ الدَّارِ . قَوْلُهُ : ( أَبِي أَيُّوبَ ) هُوَ خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبٍ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ .

قَوْلُهُ : ( ثَامِنُونِي ) أَيْ قَرِّرُوا مَعِي ثَمَنَهُ ، أَوْ سَاوِمُونِي بِثَمَنِهِ ، تَقُولُ : ثَامَنْتُ الرَّجُلَ فِي كَذَا ؛ إِذَا سَاوَمْتَهُ . قَوْلُهُ : ( بِحَائِطِكُمْ ) أَيْ بُسْتَانِكُمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَنَّهُ كَانَ مِرْبَدًا ، فَلَعَلَّهُ كَانَ أَوَّلًا حَائِطًا ثُمَّ خَرِبَ فَصَارَ مِرْبَدًا ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ : إِنَّهُ كَانَ فِيهِ نَخْلٌ وَخَرِبَ وَقِيلَ : كَانَ بَعْضُهُ بُسْتَانًا وَبَعْضُهُ مِرْبَدًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ تَسْمِيَةُ صَاحِبَيِ الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُمَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، وَزَادَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَفَعَهَا لَهُمَا عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( فَكَانَ فِيهِ ) فَسَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ .

قَوْلُهُ : ( خِرَبَ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهٌ آخَرُ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَكْثَرُ الرُّوَاةِ بِالْفَتْحِ ثُمَّ الْكَسْرِ ، وَحَدَّثَنَاهُ الْخَيَّامُ بِالْكَسْرِ ثُمَّ الْفَتْحِ ، ثُمَّ حَكَى احْتِمَالَاتٍ : مِنْهَا الْخُرْبُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ ، قَالَ : هِيَ الْخُرُوقُ الْمُسْتَدِيرَةُ فِي الْأَرْضِ ، وَالْجِرَفُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ : مَا تَجْرُفُهُ السُّيُولُ وَتَأْكُلُهُ مِنَ الْأَرْضِ ، وَالْحَدَبُ بِالْمُهْمَلَةِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا الْمُرْتَفِعُ مِنَ الْأَرْضِ ، قَالَ : وَهَذَا لَائِقٌ بِقَوْلِهِ : فَسُوِّيَتْ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُسَوَّى الْمَكَانُ الْمَحْدُوبُ ، وَكَذَا الَّذِي جَرَفَتْهُ السُّيُولُ ، وَأَمَّا الْخَرَابُ فَيُبْنَى وَيُعْمَرُ دُونَ أَنْ يُصْلَحَ وَيُسَوَّى . قُلْتُ : وَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَسْوِيَةِ الْخَرَابِ بِأَنْ يُزَالَ مَا بَقِيَ مِنْهُ وَيُسَوَّى أَرْضُهُ ، وَلَا يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ إِلَى هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ مَعَ تَوْجِيهِ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ . قَوْلُهُ : ( فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَمْ أَجِدْ فِي نَبْشِ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ لِتُتَّخَذَ مَسْجِدًا نَصًّا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، نَعَمُ اخْتَلَفُوا ، هَلْ تُنْبَشُ بِطَلَبِ الْمَالِ ؟ فَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ وَمَنَعَهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلْجَوَازِ ، لِأَنَّ الْمُشْرِكَ لَا حُرْمَةَ لَهُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَسَاجِدِ الْبَحْثُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا .

قَوْلُهُ : ( وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ ) هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُثْمِرُ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُثْمِرَ لَكِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ : فَصَفُّوا النَّخْلَ أَيْ مَوْضِعَ النَّخْلِ ، وَقَوْلُهُ : عِضَادَتَيْهِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ تَثْنِيَةُ عِضَادَةٍ ، وَهِيَ الْخَشَبَةُ الَّتِي عَلَى كَتِفِ الْبَابِ ، وَلِكُلِّ بَابٍ عِضَادَتَانِ ، وَأَعْضَادُ كُلِّ شَيْءٍ مَا يَشُدُّ جَوَانِبَهُ . قَوْلُهُ : ( يَرْتَجِزُونَ ) أَيْ يَقُولُونَ رَجَزًا ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الشِّعْرِ عَلَى الصَّحِيحِ .

قَوْلُهُ : ( فَانْصُرِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ ) كَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَسَبَقَ مَا فِيهِ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ بَيْعَ غَيْرِ الْمَالِكِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ ; لِأَنَّ الْمُسَاوَمَةَ وَقَعَتْ مع غَيْرِ الْغُلَامَيْنِ ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُمَا كَانَا مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَسَاوَمَهُمَا وَأَشْرَكَ مَعَهُمَا فِي الْمُسَاوَمَةِ عَمَّهُمَا الَّذِي كَانَا فِي حِجْرِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي عَشَرَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث