حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب التَّارِيخِ مِنْ أَيْنَ أَرَّخُوا التَّارِيخَ

بَاب التَّارِيخِ . مِنْ أَيْنَ أَرَّخُوا التَّارِيخَ ؟ 3934 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ ، مَا عَدُّوا إِلَّا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّارِيخِ ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : التَّارِيخُ تَعْرِيفُ الْوَقْتِ ، وَالتَّوْرِيخُ مِثْلُهُ ، تَقُولُ : أَرَّخْتُ وَوَرَّخْتُ .

وَقِيلَ : اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْأَرْخِ وَهُوَ الْأُنْثَى مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ ، كَأَنَّهُ شَيْءٌ حَدَثَ كَمَا يَحْدُثُ الْوَلَدُ ، وَقِيلَ : هُوَ مُعَرَّبٌ ، وَيُقَالُ : أَوَّلُ مَا أُحْدِثَ التَّارِيخُ مِنَ الطُّوفَانِ . قَوْلُهُ : ( مِنْ أَيْنَ أَرَّخُوا التَّارِيخَ ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جَرِيجٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَمَرَ بِالتَّارِيخِ فَكُتِبَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَهَذَا مُعْضَلٌ ، وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ كَمَا سَيَأْتِي ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ . وَأَفَادَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَخَذُوا التَّارِيخَ بِالْهِجْرَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَيْسَ أَوَّلَ الْأَيَّامِ مُطْلَقًا ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ أُضِيفَ إِلَى شَيْءٍ مُضْمَرٍ ، وَهُوَ أَوَّلُ الزَّمَنِ الَّذِي عَزَّ فِيهِ الْإِسْلَامُ ، وَعَبَدَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ آمِنًا ، وَابْتَدَأَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ ، فَوَافَقَ رَأْيُ الصَّحَابَةِ ابْتِدَاءَ التَّارِيخِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَفَهِمْنَا مِنْ فِعْلِهِمْ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَنَّهُ أَوَّلُ أَيَّامِ التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ ، كَذَا قَالَ ، وَالْمُتَبَادَرُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَيْ : دَخَلَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ الْمَدِينَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ) أَيِ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ . قَوْلُهُ : ( مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ مِصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ : أَخْطَأَ النَّاسُ الْعَدَدَ ، لَمْ يَعُدُّوا مِنْ مَبْعَثِهِ وَلَا مِنْ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ ، وَإِنَّمَا عَدُّوا مِنْ وَفَاتِهِ . قَالَ الْحَاكِمُ : وَهُوَ وَهَمٌ ، ثُمَّ سَاقَهُ عَلَى الصَّوَابِ بِلَفْظِ : وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ ، إِنَّمَا عَدُّوا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ .

وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَخْطَأَ النَّاسُ الْعَدَدَ أَيْ : أَغْفَلُوهُ وَتَرَكُوهُ ثُمَّ اسْتَدْرَكُوهُ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الصَّوَابَ خِلَافُ مَا عَمِلُوا . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَهُ ، وَكَانَ يَرَى أَنَّ الْبُدَاءَةَ مِنَ الْمَبْعَثِ أَوِ الْوَفَاةِ أَوْلَى ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ لَكِنَّ الرَّاجِحَ خِلَافُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( مَقْدَمِهِ ) أَيْ زَمَنِ قُدُومِهِ ، وَلَمْ يُرِدْ شَهْرَ قُدُومِهِ ؛ لِأَنَّ التَّارِيخَ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ . وَقَدْ أَبْدَى بَعْضُهُمْ لِلْبُدَاءَةِ بِالْهِجْرَةِ مُنَاسَبَةً فَقَالَ : كَانَتِ الْقَضَايَا الَّتِي اتُّفِقَتْ لَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤَرَّخَ بِهَا أَرْبَعَةً : مَوْلِدُهُ ، وَمَبْعَثُهُ ، وَهِجْرَتُهُ ، وَوَفَاتُهُ ، فَرَجَحَ عِنْدَهُمْ جَعْلُهَا مِنَ الْهِجْرَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَوْلِدَ وَالْمَبْعَثَ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنَ النِّزَاعِ فِي تَعْيِينِ السَّنَةِ ، وَأَمَّا وَقْتُ الْوَفَاةِ فَأَعْرَضُوا عَنْهُ لِمَا تُوُقِّعَ بِذِكْرِهِ مِنَ الْأَسَفِ عَلَيْهِ ، فَانْحَصَرَ فِي الْهِجْرَةِ ، وَإِنَّمَا أَخَّرُوهُ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ إِلَى الْمُحَرَّمِ ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْعَزْمِ عَلَى الْهِجْرَةِ كَانَ فِي الْمُحَرَّمِ ؛ إِذِ الْبَيْعَةُ وَقَعَتْ فِي أَثْنَاءِ ذِي الْحِجَّةِ وَهِيَ مُقَدِّمَةُ الْهِجْرَةِ ، فَكَانَ أَوَّلُ هِلَالٍ اسْتَهَلَّ بَعْدَ الْبَيْعَةِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْهِجْرَةِ هِلَالُ الْمُحَرَّمِ فَنَاسَبَ أَنْ يُجْعَلَ مُبْتَدَأً ، وَهَذَا أَقْوَى مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ مُنَاسَبَةِ الِابْتِدَاءِ بِالْمُحَرَّمِ . وَذَكَرُوا فِي سَبَبِ عَمَلِ عُمَرَ التَّارِيخَ أَشْيَاءَ : مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ فِي تَارِيخِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ أَبَا مُوسَى كَتَبَ إِلَى عُمَرَ : إِنَّهُ يَأْتِينَا مِنْكَ كُتُبٌ لَيْسَ لَهَا تَارِيخٌ ، فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَرِّخْ بِالْمَبْعَثِ ، وَبَعْضُهُمْ أَرِّخْ بِالْهِجْرَةِ ، فَقَالَ عُمَرُ : الْهِجْرَةُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَأَرِّخُوا بِهَا ، وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ .

فَلَمَّا اتَّفَقُوا قَالَ بَعْضُهُمْ : ابْدَءُوا بِرَمَضَانَ . فَقَالَ عُمَرُ : بَلْ بِالْمُحَرَّمِ فَإِنَّهُ مُنْصَرَفُ النَّاسِ مِنْ حَجِّهِمْ ، فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَقِيلَ : أَوَّلُ مَنْ أَرَّخَ التَّارِيخَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ حَيْثُ كَانَ بِالْيَمَنِ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، لَكِنْ فِيهِ انْقِطَاعٌ بَيْنَ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَيَعْلَى ، وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَأَبُو عَرُوبَةَ فِي الْأَوَائِلِ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ : رُفِعَ لِعُمَرَ صَكٌّ مَحَلُّهُ شَعْبَانُ فَقَالَ : أَيُّ شَعْبَانَ ; الْمَاضِي أَوِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ ، أَوِ الْآتِي ؟ ضَعُوا لِلنَّاسِ شَيْئًا يَعْرِفُونَهُ ، فَذَكَرَ نَحْوَ الْأَوَّلِ .

وَرَوَى الْحَاكِمُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يَكْتُبُ التَّارِيخَ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : مِنْ يَوْمِ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَرَكَ أَرْضَ الشِّرْكِ ، فَفَعَلَهُ عُمَرُ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثمَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : قَدِمَ رَجُلٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ : رَأَيْتُ بِالْيَمَنِ شَيْئًا يُسَمُّونَهُ التَّارِيخَ يَكْتُبُونَهُ مِنْ عَامِ كَذَا وَشَهْرِ كَذَا ، فَقَالَ عُمَرُ : هَذَا حَسَنٌ فَأَرِّخُوا ، فَلَمَّا جَمَعَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ قَوْمٌ : أَرِّخُوا لِلْمَوْلِدِ . وَقَالَ قَائِلٌ : لِلْمَبْعَثِ ، وَقَالَ قَائِلٌ : مِنْ حِينِ خَرَجَ مُهَاجِرًا ، وَقَالَ قَائِلٌ : مِنْ حِينِ تُوُفِّيَ .

فَقَالَ عُمَرُ : أَرِّخُوا مِنْ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ . ثُمَّ قَالَ : بِأَيِّ شَهْرٍ نَبْدَأُ ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : مِنْ رَجَبٍ . وَقَالَ قَائِلٌ : مِنْ رَمَضَانَ .

فَقَالَ عُثْمَانُ : أَرِّخُوا الْمُحَرَّمَ فَإِنَّهُ شَهْرٌ حَرَامٌ وَهُوَ أَوَّلُ السَّنَةِ وَمُنْصَرَفُ النَّاسِ مِنَ الْحَجِّ . قَالَ : وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ - وَقِيلَ : سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ - فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ . فَاسْتَفَدْنَا مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْآثَارِ أَنَّ الَّذِي أَشَارَ بِالْمُحَرَّمِ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث