حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قَتْلِ أَبِي رَافِعٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ

حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعِينُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ وَقَدْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ : اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ . فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنْ الْبَابِ ، ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً ، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ يَا عَبْدَ اللَّهِ ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلْ ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ . فَدَخَلْتُ فَكَمَنْتُ ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ الْبَابَ ثُمَّ عَلَّقَ الْأَغَالِيقَ عَلَى وَتَدٍ .

قَالَ : فَقُمْتُ إِلَى الْأَقَالِيدِ فَأَخَذْتُهَا فَفَتَحْتُ الْبَابَ ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ عِنْدَهُ ، وَكَانَ فِي عَلَالِيَّ لَهُ ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إِلَيْهِ فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا ، أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ . قُلْتُ : إِنْ الْقَوْمُ نَذِرُوا بِي لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ . فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَسْطَ عِيَالِهِ ، لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنْ الْبَيْتِ ، فَقُلْتُ : أَبَا رَافِعٍ .

قَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا ، وَصَاحَ فَخَرَجْتُ مِنْ الْبَيْتِ فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ ، ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ : مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ ؟ فَقَالَ : لِأُمِّكَ الْوَيْلُ ، إِنَّ رَجُلًا فِي الْبَيْتِ ضَرَبَنِي قَبْلُ بِالسَّيْفِ ، قَالَ : فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ وَلَمْ أَقْتُلْهُ ، ثُمَّ وَضَعْتُ ضبيب السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ ، فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ ، فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الْأَبْوَابَ بَابًا بَابًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ فَوَضَعْتُ رِجْلِي وَأَنَا أُرَى أَنِّي قَدْ انْتَهَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ ، فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فَانْكَسَرَتْ سَاقِي ، فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى الْبَابِ ، فَقُلْتُ : لَا أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ أَقَتَلْتُهُ . فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ ، فَقَالَ : أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ : النَّجَاءَ ، فَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعٍ ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتُهُ ، فَقَالَ لي : ابْسُطْ رِجْلَكَ ، فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا ، فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ) ، هُوَ الْقَطَّانُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى هُوَ الْعَبْسِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ .

قَوْلُهُ : ( بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ ) . فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْآتِيَةِ بَعْدَ هَذِهِ : بَعَثَ إِلَى أَبِي رَافِعٍ ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ فِي أُنَاسٍ مَعَهُمْ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ بَعَثَ ، وَهُوَ الْمَبْعُوثُ إِلَى أَبِي رَافِعٍ ، وَلَيْسَ هُوَ اسْمَ أَبِي رَافِعٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ لَمْ يُذْكَرْ إِلَّا فِي هَذَا الطَّرِيقِ ، وَزَعَمَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ أَنَّهُ ابْنُ عِنَبَةَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ النُّونِ ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ خَوْلَانِيٌّ لَا أَنْصَارِيٌّ ، وَمُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ ، وَالرِّوَايَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ لَا بِالنُّونِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ ) ، قَدْ سُمِّيَ مِنْهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ وَمَسْعُودُ بْنُ سِنَانٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ وَأَبُو قَتَادَةَ وَخُزَاعِيُّ بْنُ أَسْوَدَ ، فَإِنْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ مَحْفُوظًا فَقَدْ كَانُوا سِتَّةً ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ ابْنُ عَتِيكٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ ابْنِ قَيْسِ بْنِ الْأَسْوَدِ مِنْ بَنِي سِلْمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ فَقَدْ شَرَحْتُ مَا فِيهِ ، وَأَمَّا مَسْعُودُ فَهُوَ ابْنُ سِنَانٍ الْأَسْلَمِيُّ حَلِيفُ بَنِي سِلْمَةَ ، شَهِدَ أُحُدًا وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ فَهُوَ الْجُهَنِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ ، وَقَدْ فَرَّقَ الْمُنْذِرِيُّ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَجَزَمَ بِأَنَّ الْأَنْصَارِيَّ هُوَ الَّذِي كَانَ فِي قَتْلِ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ ، وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ الْمَدِينِيِّ ، وَجَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّهُمَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ جُهَنِيٌّ حَالَفَ الْأَنْصَارَ ، وَأَمَّا أَبُو قَتَادَةَ فَمَشْهُورٌ ، وَأَمَّا خُزَاعِيُّ بْنُ أَسْوَدَ فَقَدْ قَلَبَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : أَسْوَدُ بْنُ خُزَاعِيٍّ ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِي الْإِكْلِيلِ أَسْوَدُ بْنُ حَرَامٍ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْ ذُكِرَ وَإِلَّا فَهُوَ تَصْحِيفٌ وَجَدْتُهُ فِي دَلَائِلِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَلَى الشَّكِّ ، هَلْ هُوَ أَسْوَدُ بْنُ خُزَاعِيٍّ أَوْ أَسْوَدُ بْنُ حَرَامٍ .

قَوْلُهُ : ( وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُعِينُ عَلَيْهِ ) ذَكَرَ ابْنُ عَائِذٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ أَعَانَ غَطَفَانَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ بِالْمَالِ الْكَثِيرِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ ) ذَكَرَ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ سَبَبًا لِتَأْخِيرِ غَلْقِ الْبَابِ ، فَقَالَ : فَفَقَدُوا حِمَارًا لَهُمْ فَخَرَجُوا بِقَبَسٍ - أَيْ شُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ - يَطْلُبُونَهُ ، قَالَ : فَخَشِيتُ أَنْ أُعْرَفَ فَغَطَّيْتُ رَأْسِي . قَوْلُهُ : ( وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ ) أَيْ رَجَعُوا بِمَوَاشِيهِمُ الَّتِي تَرْعَى ، وَسَرْحٌ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ هِيَ السَّائِمَةُ مِنْ إِبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ .

قَوْلُهُ : ( يا عبد الله ) لم يرد اسمه العلم ؛ لأنه لو كان كذلك لكان قد عرفه ، والواقع أنه كان مستخفيا منه ، فالذي يظهر أنه أراد معناه الحقيقي ؛ لأن الجميع عبيد الله قَوْلُهُ : ( تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ ) أَيْ تَغَطَّى بِهِ لِيُخْفِيَ شَخْصَهُ لِئَلَّا يُعْرَفَ . قَوْلُهُ : ( فَهَتَفَ بِهِ ) أَيْ نَادَاهُ ، وَفِي رِوَايَةِ يُوسُفَ : ثُمَّ نَادَى صَاحِبُ الْبَابِ أَيِ الْبَوَّابُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ . قَوْلُهُ : ( فَكَمَنْتُ ) أَيِ اخْتَبَأْتُ ، وَفِي رِوَايَةِ يُوسُفَ ثُمَّ اخْتَبَأْتُ فِي مَرْبِطِ حِمَارٍ عِنْدَ بَابِ الْحِصْنِ .

قَوْلُهُ : ( ثُمَّ عَلَّقَ الْأَغَالِيقَ عَلَى وَدٍّ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ هُوَ الْوَتَدُ ، وَفِي رِوَايَةِ يُوسُفَ : وَضَعَ مِفْتَاحَ الْحِصْنِ فِي كُوَّةٍ وَالْأَغَالِيقُ بِالْمُعْجَمَةِ جَمْعُ غَلَقٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَا يُغْلَقُ بِهِ الْبَابُ وَالْمُرَادُ بِهَا الْمَفَاتِيحُ ، كَأَنَّهُ كَانَ يَغْلِقُ بِهَا وَيَفْتَحُ بِهَا ، كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْمِفْتَاحُ بِلَا إِشْكَالٍ ، وَالْكَوَّةُ بِالْفَتْحِ ، وَقَدْ تُضَمُّ ، وَقِيلَ : بِالْفَتْحِ غَيْرُ النَّافِذَةِ ، وَبِالضَّمِّ النَّافِذَةُ . قَوْلُهُ : ( فَقُمْتُ إِلَى الْأَقَالِيدِ ) هِيَ جَمْعُ إِقْلِيدٍ وَهُوَ الْمِفْتَاحُ ، وَفِي رِوَايَةِ يُوسُفَ : فَفَتَحْتُ بَابَ الْحِصْنِ . قَوْلُهُ : ( يُسْمَرُ عِنْدَهُ ) أَيْ يَتَحَدَّثُونَ لَيْلًا ، وَفِي رِوَايَةِ يُوسُفَ : فَتَعَشَّوْا عِنْدَ أَبِي رَافِعٍ وَتَحَدَّثُوا حَتَّى ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ .

قَوْلُهُ : ( فِي عَلَالِيٍّ لَهُ ) بِالْمُهْمَلَةِ جَمْعُ عَلِّيَّةٍ بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهِيَ الْغُرْفَةُ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ : وَكَانَ فِي عَلِيَّةٍ لَهُ إِلَيْهَا عَجَلَةٌ ، وَالْعَجَلَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ السُّلَّمُ مِنَ الْخَشَبِ ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِخَشَبِ النَّخْلِ . قَوْلُهُ : ( فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ ) فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَلَمْ يَدَعُوا بَابًا إِلَّا أَغْلَقُوهُ . قَوْلُهُ : ( نَذِرُوا بِي ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ عَلِمُوا ، وأَصْلُهُ مِنَ الْإِنْذَارِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُحْذَرُ مِنْهُ ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ كَانَ يَرْطُنُ بِالْيَهُودِيَّةِ ، فَاسْتَفْتَحَ ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةُ أَبِي رَافِعٍ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِئْتُ أَبَا رَافِعٍ بِهَدِيَّةٍ .

فَفَتَحَتْ لَهُ . وَفِي رِوَايَةِ يُوسُفَ : فَلَمَّا هَدَأَتِ الْأَصْوَاتُ أَيْ سَكَنَتْ ، وَعِنْدَهُ : ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ ، فَأَغْلَقْتُهَا عَلَيْهِمْ مِنْ ظَاهِرٍ . ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى أَبِي رَافِعٍ فِي مسُلَّمٍ .

قَوْلُهُ : ( فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ ) ، أَيْ : قَصَدْتُ نَحْوَ صَاحِبِ الصَّوْتِ ، وَفِي رِوَايَةِ يُوسُفَ : فَعَمَدْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَا دَهِشٌ ) بِكَسْرِ الْهَاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ . قَوْلُهُ : ( فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا ) ، أَيْ : لَمْ أَقْتُلْهُ .

قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ : مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ ) فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ : يَا أَبَا رَافِعٍ هَذَا صَوْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ . فَقَالَ : ثَكِلَتْكِ أُمُّكِ ، وَأَيْنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ . قَوْلُهُ : ( هَدَأَتِ الْأَصْوَاتُ ) بِهَمْزَةٍ أَيْ سَكَنَتْ ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ : هَدَتْ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَأَنَّ الصَّوَابَ بِالْهَمْزِ .

قَوْلُهُ : ( فَأَضْرِبُهُ ) ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مُبَالَغَةً لِاسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ مَضَى . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يُغْنِ ) ، أَيْ : لَمْ يَنْفَعْ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ ) ، فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ : ثُمَّ جِئْتُ كَأَنِّي أُغِيثُهُ فَقُلْتُ : مَا لَكَ ؟ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي .

قَوْلُهُ : ( لِأُمِّكَ الْوَيْلُ ) فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ : زَادَ وَقَالَ : أَلَا أَعْجَلْتُكَ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ : قَالَ : فَعَمَدْتُ لَهُ أَيْضًا فَأَضْرِبُهُ أُخْرَى ، فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا فَصَاحَ وَقَامَ أَهْلُهُ . ثُمَّ جِئْتُ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي كَهَيْئَةِ الْمُسْتَغِيثِ ، فَإِذَا هُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ : فَصَاحَتِ امْرَأَتُهُ فَنَوَّهَتْ بِنَا ، فَجَعَلْنَا نَرْفَعُ السَّيْفَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ نَذْكُرُ نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ ، فَنَكُفُّ عَنْهَا .

قَوْلُهُ : ( ضَبِيبَ السَّيْفِ ) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ وَزْنَ رَغِيفٍ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَكَذَا يُرْوَى ، وَمَا أَرَاهُ مَحْفُوظًا وَإِنَّمَا هُوَ ظُبَّةُ السَّيْفِ ، وَهُوَ حَرْفُ حد السَّيْفِ ، وَيُجْمَعُ عَلَى ظُبَّاتٍ ، قَالَ : وَالضَّبِيبُ لَا مَعْنَى لَهُ هُنَا ؛ لِأَنَّهُ سَيَلَانُ الدَّمِ مِنَ الْفَمِ ، قَالَ عِيَاضٌ : هُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحَرْبِيُّ وَقَالَ : أَظُنُّهُ طَرَفَهُ . وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بِالْمُعْجَمَةِ وَهُوَ طَرَفُ السَّيْفِ ، وَفِي رِوَايَةِ يُوسُفَ : فَأَضَعُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ ثُمَّ أَتَّكِئُ عَلَيْهِ حَتَّى سَمِعْتُ صَوْتَ الْعَظْمِ . قَوْلُهُ : ( فَوَضَعْتُ رِجْلِي وَأَنَا أُرَى ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ، أَيْ : أَظُنُّ ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ كَانَ سَيِّئَ الْبَصَرِ .

قَوْلُهُ : ( فَانْكَسَرَتْ سَاقِي فَعَصَبْتُهَا ) . فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ : ثُمَّ خَرَجْتُ دَهِشًا حَتَّى أَتَيْتُ السُّلَّمَ أُرِيدُ أَنْ أَنْزِلَ فَسَقَطْتُ مِنْهُ ، فَانْخَلَعَتْ رِجْلِي فَعَصَبْتُهَا ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا اخَلَعَتْ مِنَ الْمِفْصَلِ وَانْكَسَرَتِ السَّاقُ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : هَذَا اخْتِلَافٌ ، وَقَدْ يُتَجَوَّزُ فِي التَّعْبِيرِ بِأَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ الْخَلْعَ هُوَ زَوَالُ الْمِفْصَلِ مِنْ غَيْرِ بَيْنُونَةٍ ، أَيْ بِخِلَافِ الْكَسْرِ . قُلْتُ : وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِالْحَمْلِ عَلَى وُقُوعِهِمَا مَعًا أَوْلَى ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ : فَوَثَبَتْ يَدُهُ وَهُوَ وَهَمٌ وَالصَّوَابُ رِجْلُهُ ، وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَوَقَعَ جَمِيعُ ذَلِكَ ، وَزَادَ أَنَّهُمْ كَمَنُوا فِي نَهَرٍ ، وَأَنَّ قَوْمَهُ أَوْقَدُوا النِّيرَانَ وَذَهَبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ يَطْلُبُونَ حَتَّى أَيِسُوا رَجَعُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْضِي .

قَوْلُهُ : ( قَامَ النَّاعِي ) فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ : صَعِدَ النَّاعِيَةُ . قَوْلُهُ : ( أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ ) ، كَذَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : هِيَ لُغَةٌ وَالْمَعْرُوفُ انْعُوا ، وَالنَّعْيُ خَبَرُ الْمَوْتِ وَالِاسْمُ النَّاعِي . وَذَكَرَ الْأَصْمَعِيُّ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الْكَبِيرُ رَكِبَ رَاكِبٌ فَرَسًا وَسَارَ فَقَالَ : نَعْيُ فُلَانٍ .

قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ : النَّجَاءَ ) بِالنَّصْبِ أَيْ أَسْرِعُوا ، فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ : ثُمَّ أَتَيْتُ أَصْحَابِي أَحْجُلُ فَقُلْتُ : انْطَلِقُوا فَبَشِّرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلُهُ : أَحْجُلُ هُوَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ ، الْحَجْلُ هُوَ أَنْ يَرْفَعَ رِجْلًا وَيَقِفَ عَلَى أُخْرَى مِنَ الْعَرَجِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِالرِّجْلَيْنِ مَعًا إِلَّا أَنَّهُ حِينَئِذٍ يُسَمَّى قَفْزًا لَا مَشْيًا ، وَيُقَالُ : حَجَلَ فِي مَشَي مِثْلَ الْمُقَيَّدِ ، أَيْ : قَارَبَ خَطْوَهُ ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ : قَالَ : وَتَوَجَّهْنَا مِنْ خَيْبَرَ ، فَكُنَّا نَكْمُنُ النَّهَارَ وَنَسِيرُ اللَّيْلَ ، وَإِذَا كَمَنَّا بِالنَّهَارِ أَقْعَدْنَا مِنَّا وَاحِدًا يَحْرُسُنَا ، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَخَافُهُ أَشَارَ إِلَيْنَا ، فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَتْ نَوْبَتِي ، فَأَشَرْتُ إِلَيْهِمْ فَخَرَجُوا سِرَاعًا ، ثُمَّ لَحِقْتُهُمْ فَدَخَلْنَا الْمَدِينَةَ ، فَقَالُوا : مَاذَا رَأَيْتَ ؟ قُلْتُ : مَا رَأَيْتُ شَيْئًا ، لَكِنْ خَشِيتُ أَنْ تَكُونُوا أُعْيِيتُمْ فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَحْمِلَكُمُ الْفَزَعُ . قَوْلُهُ : ( فَمَسَحَهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ ) ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ أَنَّهُ ما سَمِعَ النَّاعِيَ قَالَ : فَقُمْتُ أَمْشِي مَا بِي قَلَبَةٌ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ عِلَّةٌ أَنْقَلِبُ بِهَا ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : أَصْلُ الْقِلَابِ بِكَسْرِ الْقَافِ دَاءٌ يُصِيبُ الْبَعِيرَ ، فَيَمُوتُ مِنْ يَوْمِهِ ، فَقِيلَ لِكُلِّ مَنْ سَلِمَ مِنْ عِلَّةٍ : مَا بِهِ قَلَبَةٌ ، أَيْ لَيْسَتْ بِهِ عِلَّةٌ تُهْلِكُهُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث