بَاب غَزْوَةِ أُحُدٍ
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا ، فَقَالَ : قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي ، كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ . وَأُرَاهُ قَالَ : وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنْ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ - أَوْ قَالَ : أُعْطِينَا مِنْ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا - وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا . ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ) ، أَيِ : ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ . قَوْلُهُ : ( أُتِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِطَعَامٍ ) فِي رِوَايَةِ نَوْفَلِ بْنِ إِيَاسٍ أَنَّ الطَّعَامَ كَانَ خُبْزًا وَلَحْمًا ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ .
قَوْلُهُ : ( وَهُوَ صَائِمٌ ) ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ . قَوْلُهُ : ( قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ) تَقَدَّمَ نَسَبُهُ وَذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَى الْهِجْرَةِ ، وَكَانَ يُقْرِئُ النَّاسَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ قَتْلُهُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَكَانَ الَّذِي قَتَلَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ ، عَمْرَو بْنَ قَمِئَةَ اللَّيْثِيُّ ، فَظَنَّ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ ، فَقَالَ لَهُمْ : قَتَلْتُ مُحَمَّدًا . وَفِي الْجِهَادِ لِابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ مُرْسَلِ عُبَدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وَهُوَ مُتَجَعِّفٌ عَلَى وَجْهِهِ ، وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيثَ .
قَوْلُهُ : ( وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي ) لَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ مِنْ تَفْضِيلِ الْعَشَرَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ بِالنَّظَرِ إِلَى مَنْ لَمْ يُقْتَلْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَدْ وَقَعَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَظِيرُ ذَلِكَ ، فَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعِنْدَهُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَهِيَ صَغِيرَةٌ ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَ : هَذِهِ بِنْتُ رَجُلٍ خَيْرٍ مِنِّي ، سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ، كَانَ مِنْ نُقَبَاءِ الْعَقَبَةِ شَهِدَ بَدْرًا وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ ) يُشِيرُ إِلَى مَا فُتِحَ لَهُمْ مِنَ الْفُتُوحِ وَالْغَنَائِمِ وَحَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ ، وَكَانَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ ذَلِكَ الْحَظُّ الْوَافِرُ .
قَوْلُهُ : ( وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا ) فِي رِوَايَةِ الْجَنَائِزِ طَيِّبَاتُنَا ، وَفِي رِوَايَةِ نَوْفَلِ بْنِ إِيَاسٍ وَلَا أُرَانَا أُخِّرْنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَنَا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ : وَأَحْسَبُهُ لَمْ يَأْكُلْهُ . وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ الزُّهْدِ ، وَأَنَّ الْفَاضِلَ فِي الدِّينِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الدُّنْيَا لِئَلَّا تَنْقُصَ حَسَنَاتُهُ ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِقَوْلِهِ : خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا قَدْ عُجِّلَتْ .
وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي ذِكْرُ سِيَرِ الصَّالِحِينَ وَتَقَلُّلِهِمْ فِي الدُّنْيَا لِتَقِلَّ رَغْبَتُهُ فِيهَا قَالَ : وَكَانَ بُكَاءُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَفَقًا أَنْ لَا يَلْحَقَ بِمَنْ تَقَدَّمَهُ .