بَاب لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ
باب : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾قَالَ حُمَيْدٌ وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ : شُجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَقَالَ : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ ؟ فَنَزَلَتْ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ 4069 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ الْفَجْرِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا ، بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ - إِلَى قَوْلِهِ - فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ 4070 - وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، فَنَزَلَتْ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ - إِلَى قَوْلِهِ - فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ أَيْ بَيَانُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَابِ سَبَبَيْنِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا ؛ فَإِنَّهُمَا كَانَا فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَسَأَذْكُرُ فِي آخِرِ الْبَابِ سَبَبًا آخَرَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ حُمَيْدٌ ، وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ : شُجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ ، فَقَالَ : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ ؟ فَنَزَلَتْ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ . أَمَّا حَدِيثُ حُمَيْدٍ فَوَصَلَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي : حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ وَشُجَّ وَجْهُهُ ، فَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ .
وَأَمَّا حَدِيثُ ثَابِتٍ فَوَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ وَأَدْمَوْا وَجْهَهُ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ الْآيَةَ . وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ هُوَ الَّذِي كَسَرَ رَبَاعِيَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّفْلَى وَجَرَحَ شَفَتَهُ السُّفْلَى ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شهاب الزهري هو الذي شَجَّهُ فِي جَبْهَتِهِ ، وأن عبد الله بن قمئة جَرَحَهُ فِي وَجْنَتِهِ فَدَخَلَتْ حَلْقَتَانِ مِنْ حِلَقِ الْمِغْفَرِ فِي وَجْنَتِهِ ، وَأَنَّ مَالِكَ بْنَ سِنَانٍ مَصَّ الدَّمَ مِنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ازْدَرَدَهُ فَقَالَ : لَنْ تَمَسَّكَ النَّارُ . وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : فَمَا حَرَصْتُ عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ قَطُّ حِرْصِي عَلَى قَتْلِ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لِمَا صَنَعَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : رَمَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَمِئَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ فَشَجَّ وَجْهَهُ وَكَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ ، فَقَالَ : خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ قَمِئَةَ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ - : مَا لَكَ أَقَمْأَكَ اللَّهُ . فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ تَيْسَ جَبَلٍ فَلَمْ يَزَلْ يَنْطَحُهُ حَتَّى قَطَّعَهُ قِطْعَةً قِطْعَةً ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَائِذٍ فِي الْمَغَازِي عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ جَابِرٍ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ مُنْقَطِعًا ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ شَوَاهِدُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ . وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ ، قَالَ : فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ وَفَرُّوا ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُشِّمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ وَسَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا الْآيَةَ ، وَالْمُرَادُ بِكَسْرِ الرَّبَاعِيَةِ وَهِيَ السِّنُّ الَّتِي بَيْنَ الثَّنِيَّةِ وَالنَّابِ أَنَّهَا كُسِرَتْ فَذَهَبَ مِنْهَا فَلَقَةٌ وَلَمْ تُقْلَعْ مِنْ أَصْلِهَا . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ . قَوْلُهُ : ( الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا ) سَمَّاهُمْ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا .
قَوْلُهُ : ( وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ إِلَخْ ، وَالرَّاوِي لَهُ عَنْ حَنْظَلَةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ . وَقَوْلُهُ : سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو إِلَخْ وَهُوَ مُرْسَلٌ ، وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، لَكِنْ فِيهِ : اللَّهُمَّ الْعَنْ لِحْيَانَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ ، قَالَ : ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا نَزَلَتْ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ . قُلْتُ : وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نُزُولُ الْآيَةِ تَرَاخَى عَنْ قِصَّةِ أُحُدٍ ؛ لِأَنَّ قِصَّةَ رِعْلٍ ، وَذَكْوَانَ كَانَتْ بَعْدَهَا كَمَا سَيَأْتِي تِلْوَ هَذِهِ الْغَزْوَةِ ، وَفِيهِ بُعْدٌ ، وَالصَّوَابُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الَّذِينَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ قِصَّةِ أُحُدٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي صَدْرِ الْآيَةِ : لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَيْ : يَقْتُلَهُمْ . أَوْ يَكْبِتَهُمْ أَيْ : يُخْزِيَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَيْ : فَيُسْلِمُوا . أَوْ يُعَذِّبَهُمْ أَيْ : إِنْ مَاتُوا كُفَّارًا .