بَاب غَزْوَةِ الرَّجِيعِ وَرِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبِئْرِ مَعُونَةَ
بَاب غَزْوَةِ الرَّجِيعِ وَرِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبِئْرِ مَعُونَةَ وَحَدِيثِ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ وَعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَخُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ أَنَّهَا بَعْدَ أُحُدٍ 4086 - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً عَيْنًا ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَهُوَ جَدُّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ ، يُقَالُ لَهُمْ : بَنُو لَحْيَانَ ، فَتَبِعُوهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَامٍ فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ ، حَتَّى أَتَوْا مَنْزِلًا نَزَلُوهُ ، فَوَجَدُوا فِيهِ نَوَى تَمْرٍ تَزَوَّدُوهُ مِنْ الْمَدِينَةِ ، فَقَالُوا : هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ ، فَتَبِعُوا آثَارَهُمْ حَتَّى لَحِقُوهُمْ ، فَلَمَّا انْتَهَى عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ وَجَاءَ الْقَوْمُ فَأَحَاطُوا بِهِمْ ، فَقَالُوا : لَكُمْ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ إِنْ نَزَلْتُمْ إِلَيْنَا أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ رَجُلًا ، فَقَالَ عَاصِمٌ : أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ بِالنَّبْلِ ، وَبَقِيَ خُبَيْبٌ ، وَزَيْدٌ وَرَجُلٌ آخَرُ فَأَعْطَوْهُمْ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ ، فَلَمَّا أَعْطَوْهُمْ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ نَزَلُوا إِلَيْهِمْ ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ حَلُّوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا ، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ مَعَهُمَا : هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ ، فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَلَمْ يَفْعَلْ ، فَقَتَلُوهُ وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ ، وَزَيْدٍ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ ، فَاشْتَرَى خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَمَكَثَ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا ، حَتَّى إِذَا أَجْمَعُوا قَتْلَهُ اسْتَعَارَ مُوسًى مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْحَارِثِ لِيَسْتَحِدَّ بِهَا ، فَأَعَارَتْهُ ، قَالَتْ : فَغَفَلْتُ عَنْ صَبِيٍّ لِي ، فَدَرَجَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَاهُ فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ فَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَ ذَاكَ مِنِّي ، وَفِي يَدِهِ الْمُوسَى ، فَقَالَ : أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَاكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَكَانَتْ تَقُولُ : مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ وَمَا بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ ثَمَرَةٌ ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ ، وَمَا كَانَ إِلَّا رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ ، فَخَرَجُوا بِهِ مِنْ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ ، فَقَالَ : دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ : لَوْلَا أَنْ تَرَوْا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ مِنْ الْمَوْتِ لَزِدْتُ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ هُوَ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا ، ثُمَّ قَالَ : مَا أن أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ عُقبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ . وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى عَاصِمٍ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ ، وَكَانَ عَاصِمٌ قَتَلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنْ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ غَزْوَةِ الرَّجِيعِ ) سَقَطَ لَفْظُ : بَابُ لِأَبِي ذَرٍّ .
وَالرَّجِيعُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ هُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلرَّوْثِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِحَالَتِهِ . وَالْمُرَادُ هُنَا اسْمُ مَوْضِعٍ مِنْ بِلَادِ هُذَيْلٍ كَانَتِ الْوَقْعَةُ بِقُرْبٍ مِنْهُ فَسُمِّيَتْ بِهِ . قَوْلُهُ : ( وَرِعْلٍ وَذَكْوَانَ ) أَيْ غَزْوَةُ رِعْلٍ ، وَذَكْوَانَ ، فَأَمَّا رِعْلٌ فَبِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَطْنٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ، يُنْسَبُونَ إِلَى رِعْلِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ لَهِيعَةَ بْنِ سُلَيْمٍ ، وَأَمَّا ذَكْوَانُ فَبَطْنٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَيْضًا ، يُنْسَبُونَ إِلَى ذَكْوَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ ابْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمٍ ، فَنُسِبَتِ الْغَزْوَةُ إِلَيْهِمَا .
قَوْلُهُ : ( وَبِئْرُ مَعُونَةَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا نُونٌ : مَوْضِعٌ فِي بِلَادِ هُذَيْلٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ ، وَهَذِهِ الْوَقْعَةُ تُعْرَفُ بِسَرِيَّةِ الْقُرَّاءِ ، وَكَانَتْ مَعَ بَنِي رِعْلٍ وَذَكْوَانَ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَسَيُذْكَرُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( وَحَدِيثُ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ ) أَمَّا عَضَلٌ فَبِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ، ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا لَامٌ : بَطْنٌ مِنْ بَنِي الْهَوْلِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ يُنْسَبُونَ إِلَى عَضَلِ بْنِ الدِّيشِ بْنِ مُحَكِّمٍ ، وَأَمَّا الْقَارَةُ فَبِالْقَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ بَطْنٌ مِنَ الْهَوْلِ أَيْضًا يُنْسَبُونَ إِلَى الدِّيشِ الْمَذْكُورِ ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : الْقَارَةُ أَكَمَةٌ سَوْدَاءُ فِيهَا حِجَارَةٌ كَأَنَّهُمْ نَزَلُوا عِنْدَهَا فَسُمُّوا بِهَا ، وَيُضْرَبُ بِهِمُ الْمَثَلُ فِي إِصَابَةِ الرَّمْيِ ، وَقَالَ الشَّاعِرُ : قَدْ أَنْصَفَ الْقَارَةَ مَنْ رَامَاهَا وَقِصَّةُ الْعَضَلِ وَالْقَارَةِ كَانَتْ فِي غَزْوَةِ الرَّجِيعِ لَا فِي سَرِيَّةِ بِئْرِ مَعُونَةَ ، وَقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا ابْنُ إِسْحَاقَ ، فَذَكَرَ غَزْوَةَ الرَّجِيعِ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ ثَلَاثٍ ، وَبِئْرُ مَعُونَةَ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ أَرْبَعٍ ، وَلَمْ يَقَعْ ذِكْرُ عَضَلَ وَالْقَارَةِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ صَرِيحًا ، وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَوْفَى قِصَّةَ أُحُدٍ قَالَ : ذِكْرُ يَوْمِ الرَّجِيعِ . حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ : قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ أُحُدٍ رَهْطٌ مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فِينَا إِسْلَامًا ، فَابْعَثْ مَعَنَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِكَ يُفَقِّهُونَنَا فَبَعَثَ مَعَهُمْ سِتَّةً مِنْ أَصْحَابِهِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَعَرَّفَ بِهَا .
بَيَانُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ أَنَّهَا بَعْدَ أُحُدٍ وَأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى غَزْوَةِ الرَّجِيعِ لَا عَلَى غَزْوَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ ، وَسَأَذْكُرُ مَا عِنْدَهُ فِيهِمَا مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ ) أَيِ ابْنُ أَبِي الْأَقْلَحِ بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ الْأَنْصَارِيُّ ، وَخُبَيْبٌ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ . قَوْلُهُ : ( وَأَصْحَابُهُ ) يَعْنِي الْعَشَرَةَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ .
( تَنْبِيهٌ ) سِيَاقُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ يُوهِمُ أَنَّ غَزْوَةَ الرَّجِيعِ وَبِئْرِ مَعُونَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا أَوْضَحْتُهُ ، فَغَزْوَةُ الرَّجِيعِ كَانَتْ سَرِيَّةَ عَاصِمٍ ، وَخُبَيْبٍ فِي عَشَرَةِ أَنْفُسٍ وَهِيَ مَعَ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ ، وَبِئْرُ مَعُونَةَ كَانَتْ سَرِيَّةَ الْقُرَّاءِ السَّبْعِينَ ، وَهِيَ مَعَ رِعْلٍ وَذَكْوَانَ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَدْرَجَهَا مَعَهَا لِقُرْبِهَا مِنْهَا ، وَيَدُلُّ عَلَى قُرْبِهَا مِنْهَا مَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ تَشْرِيكِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ بَنِي لِحْيَانَ وَبَنِي عُصَيَّةَ وَغَيْرِهِمْ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ . وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ خَبَرَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَخَبَرَ أَصْحَابِ الرَّجِيعِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَرَجَّحَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عَاصِمَ كَانَ أَمِيرَهُمْ أَرْجَحُ ، وَجَمَعَ غَيْرُهُ بِأَنَّ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ مَرْثَدٌ ، وَأَنَّ أَمِيرَ الْعَشَرَةِ عَاصِمٌ بِنَاءً عَلَى التَّعَدُّدِ . وَلَمْ يُرِدِ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُمَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ ) هَكَذَا يَقُولُ مَعْمَرٌ وَوَافَقَهُ شُعَيْبٌ وَآخَرُونَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى فِي الْجِهَادِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ يَقُولُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بِضَمِّ الْعَيْنِ ، كَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى عَنْهُ ، وَكَذَا قَالَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ ، لَكِنْ وَقَعَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بن إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَمْرٌو بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مُوسَى الْمَذْكُورِ ، فَقَالَ : عُمَرُ . كَذَا قَالَ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، وَيُونُسُ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُمَرَ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَمْرٌو أَصَحُّ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِيهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ . قَوْلُهُ : ( بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَرِيَّةً ) ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : بِسَرِيَّةٍ بِزِيَادَةِ مُوَحَّدَةٍ فِي أَوَّلِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ الَّتِي مَضَتْ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ : بَعَثَ عَشَرَةً عَيْنًا يَتَجَسَّسُونَ لَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ : بَعَثَهُمْ عُيُونًا إِلَى مَكَّةَ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ قُرَيْشٍ ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ سَبَبَ خُرُوجِ بَنِي لِحْيَانَ عَلَيْهِمْ قَتْلُ سُفْيَانَ بْنِ نُبِيحٍ الْهُذَلِيِّ ، قُلْتُ : وَكَانَ قَتْلُ سُفْيَانَ الْمَذْكُورِ عَلَى يَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ، وَقِصَّتُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُمْ كَانُوا سِتَّةً وَسَمَّاهُمْ ، وَهُمْ : عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ الْمَذْكُورُ ، وَمَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ ، وَخُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ ، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَّةِ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا نُونٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ .
وَجَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ بِأَنَّهُمْ كَانُوا عَشَرَةً وَسَاقَ أَسْمَاءَ السِّتَّةِ الْمَذْكُورِينَ ، وَزَادَ : مُعَتِّبَ بْنَ عُبَيْدٍ ، قَالَ : وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَارِقٍ لِأُمِّهِ ، وَكَذَا سَمَّى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ السَّبْعَةَ الْمَذْكُورِينَ لَكِنْ قَالَ : مُعَتِّبُ بْنُ عَوْفٍ . قُلْتُ : فَلَعَلَّ الثَّلَاثَةَ الْآخَرِينَ كَانُوا أَتْبَاعًا لَهُمْ فَلَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِنَاءُ بِتَسْمِيَتِهِمْ . قَوْلُهُ : ( وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ ) كَذَا فِي الصَّحِيحِ ، وَفِي السِّيرَةِ أَنَّ الْأَمِيرَ عَلَيْهِمْ كَانَ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ ، وَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا كَانُوا بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ) تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدْأَةِ ، وَهِيَ لِلْأَكْثَرِ بِسُكُونِ الدَّالِ ، بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ الدَّالِ وَتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ الْهَدَّةُ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ بِغَيْرِ أَلِفٍ قَالَ : وَهِيَ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ عُسْفَانَ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ جَدُّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ خَالُ عَاصِمٍ لَا جَدُّهُ ، وَأَنَّ الرِّوَايَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ يُمْكِنُ رَدُّهَا إِلَى الصَّوَابِ بِأَنْ يُقْرَأَ جِدُّ بِالْكَسْرِ ، وَأَمَّا هَذِهِ فَلَا حِيلَةَ فِيهَا . وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ : تَزَوَّجَ عُمَرُ جَمِيلَةَ بِنْتَ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَاصِمًا .
قَوْلُهُ : ( يُقَالُ لَهُمْ : بَنُو لِحْيَانَ ) بِكَسْرِ اللَّامِ ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ، وَلِحْيَانُ هُوَ ابْنُ هُذَيْلٍ نَفْسِهِ ، وَهُذَيْلٌ هُوَ ابْنُ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ . وَزَعَمَ الْهَمْدَانِيُّ النَّسَّابَةُ أَنَّ أَصْلَ بَنِي لِحْيَانَ مِنْ بَقَايَا جُرْهُمَ دَخَلُوا فِي هُذَيْلٍ فَنُسِبُوا إِلَيْهِمْ . قَوْلُهُ : ( فَتَبِعُوهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَامٍ ) ، فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فِي الْجِهَادِ : فَنَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَتَيْ رَجُلٍ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ بِأَنْ تَكُونَ الْمِائَةُ الْأُخْرَى غَيْرَ رُمَاةٍ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِنْهُمْ .
قَوْلُهُ : ( فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى أَتَوْا مَنْزِلًا نَزَلُوهُ فَوَجَدُوا فِيهِ نَوَى تَمْرٍ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مَعْشَرٍ فِي مَغَازِيهِ : فَنَزَلُوا بِالرَّجِيعِ سَحَرًا ، فَأَكَلُوا تَمْرَ عَجْوَةٍ فَسَقَطَتْ نَوَاةٌ بِالْأَرْضِ ، وَكَانُوا يَسِيرُونَ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُونَ النَّهَارَ ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ هُذَيْلٍ تَرْعَى غَنَمًا ، فَرَأَتِ النَّوَاةَ فَأَنْكَرَتْ صِغَرَهَا ، وَقَالَتْ : هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ ، فَصَاحَتْ فِي قَوْمِهَا : أُتِيتُمْ ، فَجَاءُوا فِي طَلَبِهِمْ فَوَجَدُوهُمْ قَدْ كَمَنُوا فِي الْجَبَلِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى لَحِقُوهُمْ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ : فَلَمْ يُرَعِ الْقَوْمُ إِلَّا بِالرِّجَالِ بِأَيْدِيهِمُ السُّيُوفُ قَدْ غَشَوْهُمْ . قَوْلُهُ : ( لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدَ ) بِفَاءَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَمُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى سَاكِنَةٌ وَهِيَ الرَّابِيَةُ الْمُشْرِفَةُ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ إِلَى قَرْدَدَ بِقَافٍ وَرَاءٍ وَدَالَيْنِ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هُوَ الْمَوْضِعُ الْمُرْتَفِعُ ، وَيُقَالُ : الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . قَوْلُهُ : ( فَقَالُوا : لَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ إِنْ نَزَلْتُمْ إِلَيْنَا أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ رَجُلًا ) ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ : فَقَالُوا لَهُمْ : إنا وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ قِتَالَكُمْ ، إِنَّمَا نُرِيدُ أَنْ نُصِيبَ مِنْكُمْ شَيْئًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ عَاصِمٌ : أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ ) فِي مُرْسَلِ بُرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ : فَقَالَ عَاصِمٌ : الْيَوْمَ لَا أَقْبَلُ عَهْدًا مِنْ مُشْرِكٍ .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا رَسُولَكَ ) فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ : فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لِعَاصِمٍ ، فَأَخْبَرَ رَسُولَهُ خَبَرَهُ ، فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ يَوْمَ أُصِيبُوا ، وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ : فَقَالَ عَاصِمٌ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْمِي لَكَ اليوم دِينَكَ ، فَاحْمِ لِي لَحْمِي ، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( فِي سَبْعَةٍ ) ، أَيْ : فِي جُمْلَةِ سَبْعَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَبَقِيَ خُبَيْبٌ ، وَزَيْدٌ وَرَجُلٌ آخَرُ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَأَمَّا خُبَيْبُ بْنُ عَدِيِّ ، وزيد بن الدَّثِنَّةِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ فَاسْتَأْسَرُوا ، وَعُرِفَ مِنْهُ تَسْمِيَةُ الرَّجُلِ الثَّالِثِ ، وَأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، أَنَّهُمْ صَعِدُوا فِي الْجَبَلِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى أَعْطَوْهُمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ .
قَوْلُهُ : ( فَرَبَطُوهُمْ بِهَا ، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ الَّذِي مَعَهُمَا : هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ إِلَخْ ) ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ أَوَّلَ مَا أَسَرُوهُمْ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ : فَخَرَجُوا بِالنَّفَرِ الثَّلَاثَةِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ انْتَزَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ يَدَهُ وَأَخَذَ سَيْفَهُ ، فَذَكَرَ قِصَّةَ قَتْلِهِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا رَبَطُوا بَعْدَ أَنْ وَصَلُوا إِلَى مَرِّ الظَّهْرَانِ ، وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَابْنِ سَعْدٍ : فَأَمَّا زَيْدٌ فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فَقَتَلَهُ بِأَبِيهِ ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى قَتْلَهُ نَسْطَاسُ مَوْلَى صَفْوَانَ . قَوْلُهُ : ( فَاشْتَرَى خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ ) بَيَّنَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى شِرَاءَهُ هُوَ حُجَيْنُ بْنُ أَبِي إِهَابِ التَّمِيمِيُّ حَلِيفُ بَنِي نَوْفَلٍ ، وَكَانَ أَخَا الْحَارِثِ بْنِ عَامِرٍ لِأُمِّهِ ، وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّهُمُ اشْتَرَوْا خُبَيْبًا بِأَمَةٍ سَوْدَاءَ ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ بَاعُوهُمَا بِأَسِيرَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ كَانَا بِمَكَّةَ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ .
قَوْلُهُ : ( وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ ) ، كَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَاعْتَمَدَ الْبُخَارِيُّ عَلَى ذَلِكَ ، فَذَكَرَ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ فِيمَنْ شَهِدَ بَدْرًا ، وَهُوَ اعْتِمَادٌ مُتَّجَهٌ ، لَكِنْ تَعَقَّبَهُ الدِّمْيَاطِيُّ بِأَنَّ أَهْلَ الْمَغَازِي لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ شَهِدَ بَدْرًا وَلَا قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا أَنَّ الَّذِي قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ بِبَدْرٍ خُبَيْبُ بْنُ أَسَافٍ ، وَهُوَ غَيْرُ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ ، وَهُوَ خَزْرَجِيٌّ ، وَخُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ أَوْسِيٌّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قُلْتُ : يَلْزَمُ مِنَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ رَدُّ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، فَلَوْ لَمْ يَقْتُلْ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ ، الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ مَا كَانَ لِاعْتِنَاءِ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرٍ بِأَسْرِ خُبَيْبٍ مَعْنًى وَلَا بِقَتْلِهِ ، مَعَ التَّصْرِيحِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ بِهِ ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَتَلُوهُ بِخُبَيْبِ بْنِ عدي لِكَوْنِ خُبَيْبِ بْنِ أَسَافٍ قَتَلَ الْحَارِثَ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِقَتْلِ بَعْضِ الْقَبِيلَةِ عَنْ بَعْضٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ شَرَكَ فِي قَتْلِ الْحَارِثِ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( فَمَكَثَ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى إِذَا أَجْمَعُوا قَتْلَهُ ) ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ : فَحَبَسُوهُمَا حَتَّى خَرَجَتِ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ، ثُمَّ أَخْرَجُوهُمَا إِلَى التَّنْعِيمِ فَقَتَلُوهُمَا ، وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ : فَأَسَاءُوا إِلَيْهِ فِي أسَارِهِ ، فَقَالَ لَهُمْ : مَا تَصْنَعُ الْقَوْمُ الْكِرَامُ هَذَا بِأَسِيرِهِمْ ، قَالَ : فَأَحْسَنُوا إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَجَعَلُوهُ عِنْدَ امْرَأَةٍ تَحْرُسُهُ .
وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ مَوْهِبٍ مَوْلَى آلِ نَوْفَلٍ قَالَ : قَالَ لِي خُبَيْبٌ وَكَانُوا جَعَلُوهُ عِنْدِي : يَا مَوْهِبُ أَطْلُبُ إِلَيْكَ ثَلَاثًا ؛ أَنْ تَسْقِيَنِي الْعَذْبَ ، وَأَنْ تُجَنِّبَنِي مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ، وَأَنْ تُعْلِمَنِي إِذَا أَرَادُوا قَتْلِي . قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ اسْتَعَارَ مُوسَى ) ، هَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُدْرَجَةً فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، وَكَذَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ ، وَقَدْ وَصَلَهَا شُعَيْبٌ فِي رِوَايَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ : قَالَ : فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا ، فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ أَنَّ بِنْتَ الْحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى ، وَوَقَعَ فِي الْأَطْرَافِ لِخَلَفٍ أَنَّ اسْمَهَا زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ ، وَهِيَ أُخْتُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ الَّذِي قَتَلَ خُبَيْبًا ، وَقِيلَ : امْرَأَتُهُ . وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ الْمَذْكُورُ ، قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ : أَغْفَلَهُ مَنْ صَنَّفَ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ ، قُلْتُ : لَكِنْ تَرْجَمَ لَهُ الْمِزِّيُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ تَابِعِيٌّ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا ، وَرَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَالْقَائِلُ فَأَخْبَرَنِي هُوَ الزُّهْرِيُّ ، وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ : حَدَّثَتْ مَارِيَةُ مَوْلَاةُ حُجَيْنِ بْنِ أَبِي إِهَابٍ ، وَكَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ قَالَتْ : حُبِسَ خُبَيْبٌ فِي بَيْتِي ، وَلَقَدِ اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَقِطْفًا مِنْ عِنَبٍ مِثْلَ رَأْسِ الرَّجُلِ يَأْكُلُ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ مَارِيَةَ وَزَيْنَبَ رَأَتِ الْقِطْفَ فِي يَدِهِ يَأْكُلُهُ ، وَأَنَّ الَّتِي حُبِسَ فِي بَيْتِهَا مَارِيَةُ ، وَالَّتِي كَانَتْ تَحْرُسُهُ زَيْنَبُ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَارِثُ أَبًا لِمَارِيَةَ مِنَ الرَّضَاعِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ اسْمَ الْمَرْأَةِ جُوَيْرِيَةُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا رَأَى قَوْلَ ابْنِ إِسْحَاقَ : إِنَّهَا مَوْلَاةُ حُجَيْنِ بْنِ أَبِي إِهَابٍ أَطْلَقَ عَلَيْهَا جُوَيْرِيَةَ لِكَوْنِهَا أَمَةً ، أَوْ يَكُونُ وَقَعَ لَهُ رِوَايَةٌ فِيهَا أَنَّ اسْمَهَا جُوَيْرِيَةُ .
وَقَوْلُهُ : مُوسَى يَجُوزُ فِيهِ الصَّرْفُ وَعَدَمُهُ ، وَقَوْلُهُ : لِيَسْتَحِدَّ بِهَا فِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ : لِيَسْتَطِيبَ بِهَا ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْلِقُ عَانَتَهُ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ : فَغَفَلْتُ عَنْ صَبِيٍّ لِي ) ، ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ هَذَا الصَّبِيَّ هُوَ أَبُو حُسَيْنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيِّ الْمُحَدِّثِ ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الزُّهْرِيِّ . وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ : وَكَانَ لَهَا ابْنٌ صَغِيرٌ ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ فَأَخَذَهُ فَأَجْلَسَهُ عِنْدَهُ ، فَخَشِيَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَنَاشَدَتْهُ ، وَعِنْدَ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ : فَأَخَذَ خُبَيْبٌ بِيَدِ الْغُلَامِ فَقَالَ : هَلْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْكُمْ ؟ فَقَالَتْ : مَا كَانَ هَذَا ظَنِّي بِكَ .
فَرَمَى لَهَا الْمُوسَى وَقَالَ : إِنَّمَا كُنْتُ مَازِحًا ، وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ : مَا كُنْتُ لِأَغْدِرَ ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ جَمِيعًا ، أَنَّ مَارِيَةَ قَالَتْ : قَالَ لِي خُبَيْبٌ حِينَ حَضَرَهُ الْقَتْلُ : ابْعَثِي لِي بِحَدِيدَةٍ أَتَطَهَّرُ بِهَا ، قَالَتْ : فَأَعْطَيْتُهُ غُلَامًا مِنَ الْحَيِّ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : يُقَالُ : إِنَّ الْغُلَامَ ابْنُهَا . وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ طَلَبَ الْمُوسَى مِنْ كُلٍّ مِنَ الْمَرْأَتَيْنِ ، وَكَانَ الَّذِي أَوْصَلَهُ إِلَيْهِ ابْنُ إِحْدَاهُمَا ، وَأَمَّا الِابْنُ الَّذِي خَشِيَتْ عَلَيْهِ ، فَفِي رِوَايَةِ هَذَا الْبَابِ : فَغَفَلْتُ عَنْ صَبِيٍّ لِي فَدَرَجَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَاهُ فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ فَهَذَا الَّذِي أَحْضَرَ إِلَيْهِ الْحَدِيدَةَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ ، وَمَا بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ ثَمَرَةٌ ) الْقِطْفُ بِكَسْرِ الْقَافِ الْعُنْقُودُ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ كَمَا تَقَدَّمَ : وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَقِطْفًا مِنْ عِنَبٍ مِثْلَ رَأْسِ الرَّجُلِ . قَوْلُهُ : ( وَمَا كَانَ إِلَّا رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ : رَزَقَهُ اللَّهُ خُبَيْبًا ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، وَثَابِتٍ : تَقُولُ : إِنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ اللَّهِ رَزَقَهُ خُبَيْبًا . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَعَلَهُ آيَةً عَلَى الْكُفَّارِ وَبُرْهَانًا لِنَبِيِّهِ لِتَصْحِيحِ رِسَالَتِهِ قَالَ : فَأَمَّا مَنْ يَدَّعِي وُقُوعَ ذَلِكَ لَهُ الْيَوْمَ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا وَجْهَ لَهُ ؛ إِذِ الْمُسْلِمُونَ قَدْ دَخَلُوا فِي الدِّينِ وَأَيْقَنُوا بِالنُّبُوَّةِ ، فَأَيُّ مَعْنًى لِإِظْهَارِ الْآيَةِ عِنْدَهُمْ ؟ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي تَجْوِيزِ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَقُولَ جَاهِلٌ : إِذَا جَازَ ظُهُورُ هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى يَدِ غَيْرِ نَبِيٍّ فَكَيْفَ نُصَدِّقُهَا مِنْ نَبِيٍّ وَالْفَرْضُ أَنَّ غَيْرَهُ يَأْتِي بِهَا لَكَانَ فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ ، إِلَى أَنْ قَالَ : إِلَّا أَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْرِقُ عَادَةً وَلَا يَقْلِبُ عَيْنًا ، مِثْلَ أَنْ يُكَرِمَ اللَّهُ عَبْدًا بِإِجَابَةِ دَعْوَةٍ فِي الْحِينِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَظْهَرُ فِيهِ فَضْلُ الْفَاضِلِ وَكَرَامَةُ الْوَلِيِّ ، وَمِنْ ذَلِكَ حِمَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَاصِمًا لِئَلَّا يَنْتَهِكَ عَدُوُّهُ حُرْمَتَهُ .
انْتَهَى . وَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ بَطَّالٍ تَوَسَّطَ بَيْنَ مَنْ يُثْبِتُ الْكَرَامَةَ وَمَنْ يَنْفِيهَا ، فَجَعَلَ الَّذِي يُثْبِتُ مَا قَدْ تَجْرِي بِهِ الْعَادَةُ لِآحَادِ النَّاسِ أَحْيَانًا ، وَالْمُمْتَنِعُ مَا يَقْلِبُ الْأَعْيَانَ مَثَلًا ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إِثْبَاتُ الْكَرَامَاتِ مُطْلَقًا ، لَكِنِ اسْتَثْنَى بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ كَأَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ مَا وَقَعَ بِهِ التَّحَدِّي لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ ، فَقَالَ : وَلَا يَصِلُونَ إِلَى مِثْلِ إِيجَادِ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَهَذَا أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ فِي الْحَالِ وَتَكْثِيرَ الطَّعَامِ وَالْمَاءِ وَالْمُكَشَفَةِ بِمَا يَغِيبُ عَنِ الْعَيْنِ وَالْإِخْبَارُ بِمَا سَيَأْتِي وَنَحْوَ ذَلِكَ قَدْ كَثُرَ جِدًّا حَتَّى صَارَ وُقُوعُ ذَلِكَ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى الصَّلَاحِ كَالْعَادَةِ ، فَانْحَصَرَ الْخَارِقُ الْآنَ فِيمَا قَالَهُ الْقُشَيْرِيُّ ، وَتَعَيَّنَ تَقْيِيدُ قَوْلِ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ كُلَّ مُعْجِزَةٍ وُجِدَتْ لِنَبِيٍّ يَجُوزُ أَنْ تَقَعَ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ خَرْقَ الْعَادَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ غَلَطٌ مِمَّنْ يَقُولُهُ ، فَإِنَّ الْخَارِقَ قَدْ يَظْهَرُ عَلَى يَدِ الْمُبْطِلِ مِنْ سَاحِرٍ وَكَاهِنٍ وَرَاهِبٍ ، فَيَحْتَاجُ مَنْ يَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلَى وِلَايَةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى فَارِقٍ ، وَأَوْلَى مَا ذَكَرُوهُ أَنْ يُخْتَبَرَ حَالُ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِالْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ وَالنَّوَاهِي كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ وِلَايَتِهِ وَمَنْ لَا فَلَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنَ الْحَرَمِ ) بَيَّنَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ إِلَى التَّنْعِيمِ .
قَوْلُهُ : ( دَعُونِي أُصَلِّ ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِغَيْرِ يَاءٍ ، وَلِغَيْرِهِ بِثُبُوتِ الْيَاءِ وَلِكُلٍّ وَجْهٌ ، وَلِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي مَوْضِعِ مَسْجِدِ التَّنْعِيمِ . قَوْلُهُ : ( لَزِدْتُ ) فِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ : لَزِدْتُ سَجْدَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ : وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا أَيْ مُتَفَرِّقِينَ ، وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا ، وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ : فَقَالَ خُبَيْبٌ : اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَجِدُ مَنْ يُبَلِّغُ رَسُولَكَ مِنِّي السَّلَامَ فَبَلِّغْهُ ، وَفِيهِ : فَلَمَّا رُفِعَ عَلَى الْخَشَبَةِ اسْتَقْبَلَ الدُّعَاءَ قَالَ : فَلَبَدَ رَجُلٌ بِالْأَرْضِ خَوْفًا مِنْ دُعَائِهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا قَالَ : فَلَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ وَمِنْهُمْ أَحَدٌ حَيٌّ غَيْرَ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي لَبَدَ بِالْأَرْضِ .
وَحَكَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ : كُنْتُ مَعَ أَبِي فَجَعَلَ يُلْقِينِي إِلَى الْأَرْضِ حِينَ سَمِعَ دَعْوَةَ خُبَيْبٍ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ : مِمَّنْ حَضَرَ ذَلِكَ أَبُو إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ ، وَالْأَخْنَسُ بْنُ شُرَيْقٍ ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ حَكِيمٍ السُّلَمِيُّ ، وَأُمَيَّةُ بْنُ عُتْبَةَ بْنُ هَمَّامٍ وَعِنْدَهُ أَيْضًا : فَجَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ ، فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ ، وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ : فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَهُوَ جَالِسٌ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا خُبَيْبُ ، قَتَلَتْهُ قُرَيْشٌ . قَوْلُهُ : ( مَا إِنْ أُبَالِي ) ، هَكَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : فَلَسْتُ أُبَالِي وَهُوَ أَوَزْنُ ، وَالْأَوَّلُ جَائِزٌ ، لَكِنَّهُ مَخْرُومٌ ، وَيَكْمُلُ بِزِيَادَةِ الْفَاءِ ، وَمَا نَافِيَةٌ وَإِنْ بَعْدَهَا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ نَافِيَةٌ أَيْضًا لِلتَّأْكِيدِ ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَمَا إِنْ أُبَالِي بِزِيَادَةِ وَاوٍ ، وَلِغَيْرِهِ : وَلَسْتُ أُبَالِي . وَقَوْلُهُ : وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ يأتي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَوْلُهُ : ( أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ ) ، الْأَوْصَالُ جَمْعُ وَصْلٍ وَهُوَ الْعُضْوُ ، وَالشِّلْوُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ الْجَسَدُ ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْعُضْوِ ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا الْجَسَدُ ، وَالْمُمَزَّعُ بِالزَّايِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ : الْمُقَطَّعُ ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ أَعْضَاءُ جَسَدٍ يُقَطَّعُ . وَعِنْدَ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ زِيَادَةٌ فِي هَذَا الشِّعْرِ : لَقَدْ أَجْمَعَ الْأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَلَّبُوا قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلَّ مَجْمَعِ وَفِيهِ : إِلَى اللَّهِ أَشْكُو غُرْبَتِي بَعْدَ كُرْبَتِي وَمَا أَرْصَدَ الْأَحْزَابُ لِي عِنْدَ مَصْرَعِي وَسَاقَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَيْتًا ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُهَا لِخُبَيْبٍ : قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ ) ، سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ : فَلَمَّا وَضَعُوا فِيهِ السِّلَاحَ وَهُوَ مَصْلُوبٌ نَادَوْهُ وَنَاشَدُوهُ : أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا مَكَانَكَ ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ الْعَظِيمِ ، مَا أُحِبُّ أَنْ يَفْدِيَنِي بِشَوْكَةٍ فِي قَدَمِهِ . قَوْلُهُ : ( وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى عَاصِمٍ لَيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ ، وَكَانَ عَاصِمُ قَتَلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ ) ، لَعَلَّ الْعَظِيمَ الْمَذْكُورَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ ، فَإِنَّ عَاصِمًا قَتَلَهُ صَبْرًا بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ أَنِ انْصَرَفُوا مِنَ بَدْرٍ .
وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ عَاصِمًا لَمَّا قُتِلَ أَرَادَتْ هُذَيْلٌ أَخْذَ رَأْسِهِ لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شَهِيدٍ ، وَهِيَ أُمُّ مُسَافِعٍ ، وَجُلَاسٍ ابْنَيْ طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيِّ ، وَكَانَ عَاصِمًا قَتَلَهُمَا يَوْمَ أُحُدٍ ، وَكَانَتْ نَذَرَتْ لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ فِي قَحْفِهِ ، فَمَنَعَتْهُ الدَّبْرُ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ قُرَيْشٌ لَمْ تَشْعُرْ بِمَا جَرَى لِهُذَيْلٍ مِنْ مَنْعِ الدَّبْرِ لَهَا مِنْ أَخْذِ رَأْسِ عَاصِمٍ ، فَأَرْسَلَتْ مَنْ يَأْخُذُهُ ، أَوْ عَرَفُوا بِذَلِكَ وَرَجَوْا أَنْ تَكُونَ الدَّبْرُ تَرَكَتْهُ فَيَمَكَّنُوا مِنْ أَخْذِهِ . قَوْلُهُ : ( مِثْلُ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ ) الظُّلَّةُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ السَّحَابَةُ ، وَالدَّبْرُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ الزَّنَابِيرُ ، وَقِيلَ : ذُكُورُ النَّحْلِ وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ . وَقَوْلُهُ : فَحَمَتْهُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ ، أَيْ : مَنَعَتْهُ مِنْهُمْ .
قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ : فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْطَعُوا مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ : فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّبْرُ تَطِيرُ فِي وُجُوهِهِمْ وَتَلْدَغُهُمْ ، فَحَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَقْطَعُوا ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَعْطَى اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُهُ : يَحْفَظُ اللَّهُ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَمَا حَفِظَهُ فِي حَيَاتِهِ ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ لِلْأَسِيرِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِ الْأَمَانِ ، وَلَا يُمَكِّنَ مِنْ نَفْسِهِ وَلَوْ قُتِلَ ، أَنَفَةً مِنْ أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ كَافِرٍ ، وَهَذَا إِذَا أَرَادَ الْأَخْذَ بِالشِّدَّةِ ، فَإِنْ أَرَادَ الْأَخْذَ بِالرُّخْصَةِ لَهُ أَنْ يَسْتَأْمِنَ ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : أَكْرَهُ ذَلِكَ . وَفِيهِ الْوَفَاءُ لِلْمُشْرِكِينَ بِالْعَهْدِ ، وَالتَّوَرُّعُ عَنْ قَتْلِ أَوْلَادِهِمْ ، وَالتَّلَطُّفُ بِمَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ ، وَإِثْبَاتُ كَرَامَةِ الْأَوْلِيَاءِ ، وَالدُّعَاءُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِالتَّعْمِيمِ ، وَالصَّلَاةُ عِنْدَ الْقَتْلِ ، وَفِيهِ إِنْشَاءُ الشِّعْرِ وَإِنْشَادُهُ عِنْدَ الْقَتْلِ وَدَلَالَةٌ عَلَى قُوَّةِ يَقِينِ خُبَيْبٍ وَشِدَّتِهِ فِي دِينِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ بِمَا شَاءَ كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ لِيُثِيبَهُ ، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ .
وَفِيهِ اسْتِجَابَةُ دُعَاءِ الْمُسْلِمِ وَإِكْرَامُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ مِمَّا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ . وَإِنَّمَا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فِي حِمَايَةِ لَحْمِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ قَتْلِهِ لِمَا أَرَادَ مِنْ إِكْرَامِهِ بِالشَّهَادَةِ ، وَمِنْ كَرَامَتِهِ حِمَايَتُهُ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ بِقَطْعِ لَحْمِهِ . وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ مِنْ تَعْظِيمِ الْحَرَمِ وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ .
الْحَدِيثُ الثَّانِي .