بَاب غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَهِيَ الْأَحْزَابُ
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَكَمُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : نُصِرْتُ بِالصَّبَا ، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ . الحديث الثامن حديث ابن عباس . قَوْلُهُ : ( نُصِرْتُ بِالصَّبَا ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الرِّيحُ الشَّرْقِيَّةُ ، وَالدَّبُورُ هِيَ الرِّيحُ الْغَرْبِيَّةُ ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قُلْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ مِنْ شَيْءٍ تَقُولُهُ ؟ قَدْ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ .
قَالَ : نَعَمْ ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا ، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا . قَالَ : فَضَرَبَ اللَّهُ وُجُوهَ أَعْدَائِنَا بِالرِّيحِ ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالرِّيحِ ، وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ : قَالَتِ الصَّبَا لِلشِّمَالِ : اذْهَبِي بِنَا نَنْصُرُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : إِنَّ الْحَرَائِرَ لَا تَهُبُّ بِاللَّيْلِ ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهَا فَجَعَلَهَا عَقِيمًا وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَكَانَتِ الرِّيحُ الَّتِي نُصِرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّبَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ذِكْرُ النُّكْتَةِ فِي تَخْصِيصِ الدَّبُورِ بِعَادٍ وَالصَّبَا بِالْمُسْلِمِينَ ، وَعُرِفَ بِهَذَا وَجْهُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا ، وَأَنَّ اللَّهَ نَصَرَ نَبِيَّهُ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ بِالرِّيحِ ، قَالَ تَعَالَى : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا قَالَ مُجَاهِدٌ : سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ فَكَفَأَتْ قُدُورَهُمْ ، وَنَزَعَتْ خِيَامَهُمْ حَتَّى أَظْعَنَتْهُمْ . وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي سَبَبِ رَحِيلِهِمْ : أَنَّ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيَّ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْلِمًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ قَوْمُهُ ، فَقَالَ لَهُ : خَذِّلْ عَنَّا .
فَمَضَى إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ - وَكَانَ نَدِيمًا لَهُمْ - فَقَالَ : قَدْ عَرَفْتُمْ مَحَبَّتِي ، قَالُوا : نَعَمْ . فَقَالَ : إِنَّ قُرَيْش وَغَطَفَانَ لَيْسَتْ هَذِهِ بِلَادَهُمْ ، وَإِنَّهُمْ إِنْ رَأَوْا فُرْصَةً انْتَهَزُوهَا وَإِلَّا رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَتَرَكُوكُمْ فِي الْبَلَاءِ مَعَ مُحَمَّدٍ ، وَلَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ . قَالُوا : فَمَا تَرَى ؟ قَالَ : لَا تُقَاتِلُوا مَعَهُمْ حَتَّى تَأْخُذُوا رَهْنًا مِنْهُمْ .
فَقَبِلُوا رَأْيَهُ . فَتَوَجَّهَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ : إِنَّ الْيَهُودَ نَدِمُوا عَلَى الْغَدْرِ بِمُحَمَّدٍ فَرَاسَلُوهُ فِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِ ، فَرَاسَلَهُمْ بِأَنَّا لَا نَرْضَى حَتَّى تَبْعَثُوا إِلَى قُرَيْشٍ فَتَأْخُذُوا مِنْهُمْ رَهْنًا فَاقْتُلُوهُمْ . ثُمَّ جَاءَ غَطَفَانَ بِنَحْوِ ذَلِكَ .
قَالَ : فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو سُفْيَانَ بَعَثَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ بِأَنَّا قَدْ ضَاقَ بِنَا الْمَنْزِلُ وَلَمْ نَجِدْ مَرْعًى ، فَاخْرُجُوا بِنَا حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا . فَأَجَابُوا : إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ وَلَا نَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا ، وَلَا بُدَّ لَنَا مِنَ الرَّهْنِ مِنْكُمْ لِئَلَّا تَغْدِرُوا بِنَا . فَقَالَتْ قُرَيْشٌ : هَذَا مَا حَذَّرَكُمْ نُعَيْمٌ ، فَرَاسَلُوهُمْ ثَانِيًا أَنْ لَا نُعْطِيَكُمْ رَهْنًا ، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا فَافْعَلُوا .
فَقَالَتْ قُرَيْظَةُ : هَذَا مَا أَخْبَرَنَا نُعَيْمٌ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ نُعَيْمًا كَانَ رَجُلًا نَمُومًا ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : إِنَّ الْيَهُودَ بَعَثَتْ إِلَيَّ : إِنْ كَانَ يُرْضِيكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ رَهْنًا نَدْفَعُهُمْ إِلَيْكَ فَتَقْتُلُهُمْ فَعَلْنَا ، فَرَجَعَ نُعَيْمٌ مُسْرِعًا إِلَى قَوْمِهِ فَأَخْبَرَهُمْ ، فَقَالُوا : وَاللَّهِ مَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِمْ ، وَإِنَّهُمْ لَأَهْلُ غَدْرٍ . وَكَذَلِكَ قَالَ لِقُرَيْشٍ . فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ خِذْلَانِهِمْ وَرَحِيلِهِمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ السَّادِسِ بَيَانُ مَا أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيحِ .
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ