حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَرْجِعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَحْزَابِ وَمَخْرَجِهِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَمُحَاصَرَتِهِ إِيَّاهُمْ

حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : أصيب سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ حِبَّانُ بْنُ الْعَرِقَةِ ، رَمَاهُ فِي الْأَكْحَلِ فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ . فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْخَنْدَقِ وَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنْ الْغُبَارِ فَقَالَ : قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ ، وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُهُ ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَيْنَ ؟ فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ .

فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ ، فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَى سَعْدٍ . قَالَ : فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ ، وَأَنْ تُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ . قَالَ هِشَامٌ : فَأَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ سَعْدًا قَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ فِيكَ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ وَأَخْرَجُوهُ .

اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ، فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْءٌ فَأَبْقِنِي لَهُ حَتَّى أُجَاهِدَهُمْ فِيكَ ، وَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ فَافْجُرْهَا وَاجْعَلْ مَوْتَتِي فِيهَا . فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَّتِهِ . فَلَمْ يَرُعْهُمْ - وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ - إِلَّا الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا : يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ ، مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ ؟ فَإِذَا سَعْدٌ يَغْذُو جُرْحُهُ دَمًا ، فَمَاتَ مِنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .

قَوْلُهُ : ( أُصِيبَ سَعْدٌ ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْمَنَاقِبِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ . قَوْلُهُ : ( حِبَّانَ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ ( ابْنُ الْعَرِقَةِ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ قَافٍ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ حِبَّانُ بْنُ قَيْسٍ ) يَعْنِي أَنَّ الْعَرِقَةَ أُمُّهُ وَهِيَ بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ .

قَوْلُهُ : ( مِنْ بَنِي مَعِيصٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ ، وَهُوَ حِبَّانُ بْنُ قَيْسٍ وَيُقَالُ : ابْنُ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ . قَوْلُهُ : ( رَمَاهُ فِي الْأَكْحَلِ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الْمُهْمَلَةَ بَيْنَهُمَا كَافٌ سَاكِنَةٌ وَهُوَ عِرْقٌ فِي وَسَطِ الذِّرَاعِ ، قَالَ الْخَلِيلُ : هُوَ عِرْقُ الْحَيَاةِ وَيُقَالُ : إِنْ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ شُعْبَةً فَهُوَ فِي الْيَدِ الْأَكْحَلُ وَفِي الظَّهْرِ الْأَبْهَرُ وَفِي الْفَخِذِ النَّسَا إِذَا قُطِعَ لَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ . قَوْلُهُ : ( خَيْمَةٌ فِي الْمَسْجِدِ ) تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ ( فَلَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْخَنْدَقِ وَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ) هَذَا السِّيَاقُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْوَاوَ زَائِدَةٌ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي فِي الْجِهَادِ حَيْثُ وَقَعَ فِيهِ بِلَفْظِ لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى الْقُرْطُبِيِّ أَنَّ الْفَاءَ زَائِدَةٌ قَالَ : وَكَأَنَّهَا زِيدَتْ كَمَا زِيدَتِ الْوَاوُ فِي جَوَابِ لَمَّا ، انْتَهَى .

وَدَعْوَى زِيَادَةِ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ : وَضَعَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى زِيَادَةِ الْفَاءِ لِكَثْرَةِ مَجِيءِ الْوَاوِ زَائِدَةً ، وَوَقَعَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْغَزَاةِ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَمِنْ هُنَا ادَّعَى الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الْفَاءَ زَائِدَةٌ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سَلَّمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ وَنَحْنُ فِي الْبَيْتِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَزِعًا ، فَقُمْتُ فِي أَثَرِهِ فَإِذَا بِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ فَقَالَ : هَذَا جِبْرِيلُ وَفِي حَدِيثِ عَلْقَمَةَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَذْهَبَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَذَلِكَ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْخَنْدَقِ ، قَالَتْ : فَكَأَنِّي بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ الْغُبَارَ عَنْ وَجْهِ جِبْرِيلَ ، وَفِي حَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ وَإِنَّ عَلَى ثَنَايَاهُ لَنقَعُ الْغُبَارُ ، وَفِي مُرْسَلِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ ، وَضَعْتَ السِّلَاحَ وَلَمْ تَضَعْهُ مَلَائِكَةُ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ قَالَتْ عَائِشَةُ : لَقَدْ رَأَيْتُهُ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ قَدْ عَصَبَ التُّرَابُ رَأْسَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ فَقَالَ : قُمْ فَشُدَّ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ ، فَوَاللَّهِ لَأَدُقَّنَّهُمْ دَقَّ الْبَيْضِ عَلَى الصَّفَا . قَوْلُهُ : ( فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ فَحَاصَرَهُمْ ، وَرَوَى ابْنُ عَائِذٍ مِنْ مُرْسَلِ قَتَادَةَ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَادِيًا يُنَادِي ، فَنَادَى : يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَالْبَيْهَقِيِّ وَبَعَثَ عَلِيًّا عَلَى الْمُقَدَّمَةِ وَدَفَعَ إِلَيْهِ اللِّوَاءَ ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَثَرِهِ وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ نَحْوُهُ وَزَادَ وَحَاصَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ خَمْسَ عَشْرَةَ وَفِي حَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ الْمَذْكُورِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَمِثْلَهَا عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : حَاصَرَهُمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً حَتَّى أَجْهَدَهُمُ الْحِصَارُ وَقُذِفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبُ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ رَئِيسُهُمْ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ أَنْ يُؤْمِنُوا ، أَوْ يَقْتُلُوا نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَيَخْرُجُوا مُسْتَقْتِلِينَ ، أَوْ يُبَيِّتُوا الْمُسْلِمِينَ لَيْلَةَ السَّبْتِ . فَقَالُوا : لَا نُؤْمِنُ ، وَلَا نَسْتَحِلُّ لَيْلَةَ السَّبْتِ ، وَأَيُّ عَيْشٍ لَنَا بَعْدَ أَبْنَائِنَا وَنِسَائِنَا ؟ فَأَرْسَلُوا إِلَى أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ وَكَانُوا حُلَفَاءَهُ فَاسْتَشَارُوهُ فِي النُّزُولِ عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ - يَعْنِي الذَّبْحَ - ثُمَّ نَدِمَ ، فَتَوَجَّهَ إِلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَارْتَبَطَ بِهِ حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ .

قَوْلُهُ : ( فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ ، فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَى سَعْدٍ ) كَأَنَّهُمْ أَذْعَنُوا لِلنُّزُولِ عَلَى حُكْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمَّا سَأَلَهُ الْأَنْصَارُ فِيهِمْ رَدَّ الْحُكْمَ إِلَى سَعْدٍ . وَوَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : لَمَّا اشْتَدَّ بِهِمُ الْحِصَارُ أَذْعَنُوا إِلَى أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَوَاثَبَتِ الْأَوْسُ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ فَعَلْتَ فِي مَوَالِي الْخَزْرَجِ - أَيْ بَنِي قَيْنُقَاعَ ، مَا عَلِمْتَ . فَقَالَ : أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى .

قَالَ : فَذَلِكَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ السِّيَرِ أَنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ سَعْدٌ ، وَفِي رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ الْمَذْكُورَةِ فَلَمَّا اشْتَدَّ بِهِمُ الْبَلَاءُ قِيلَ لَهُمْ : انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمَّا اسْتَشَارُوا أَبَا لُبَابَةَ قَالَ : نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ ، فَحَصَلَ فِي سَبَبِ رَدِّ الْحُكْمِ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : سُؤَالُ الْأَوْسِ ، وَالْآخَرُ : إِشَارَةُ أَبِي لُبَابَةَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إِثْرَ تَوَقُّفِهِمْ ، ثُمَّ لَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ بِهِمْ فِي الْحِصَارِ عَرَفُوا سُؤَالَ الْأَوْسِ فَأَذْعَنُوا إِلَى النُّزُولِ عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَيْقَنُوا بِأَنَّهُ يَرُدُّ الْحُكْمَ إِلَى سَعْدٍ . وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَرَدَّ الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَى سَعْدٍ وَكَانُوا حُلَفَاءَهُ . قَوْلُهُ : ( فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ ) أَيْ فِي هَذَا الْأَمْرِ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ .

قَوْلُهُ : ( أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ ) قَدْ تَقَدَّمَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ بَيَانُ ذَلِكَ ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُمْ حُبِسُوا فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمْ جُعِلُوا فِي بَيْتَيْنِ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمْ جُعِلُوا فِي بَيْتَيْنِ ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَخَنْدَقُوا لَهُمْ خَنَادِقَ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ فَجَرَى الدَّمُ فِي الْخَنَادِقِ ، وَقَسَمَ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَأَسْهَمَ لِلْخَيْلِ فَكَانَ أَوَّلَ يَوْمٍ وَقَعَتْ فِيهِ السُّهْمَانِ لَهَا . وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ حَكَمَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ دَارُهُمْ لِلْمُهَاجِرَيْنِ دُونَ الْأَنْصَارِ ، فَلَامَهُ فَقَالَ : إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ تَسْتَغْنُوا عَنْ دُورِهِمْ وَاخْتَلَفَ فِي عِدَّتِهِمْ : فَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُمْ كَانُوا سِتَّمِائَةٍ وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَمْرٍو فِي تَرْجَمَةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ مِنْ مُرْسَلِ قَتَادَةَ كَانُوا سَبْعَمِائَةٍ وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : الْمُكْثِرُ يَقُولُ : إِنَّهُما مَا بَيْنَ الثَّمَانِمِائَةٍ إِلَى التِّسْعِمِائَةٍ .

وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ حِبَّانَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَمِائَةِ مُقَاتِلٍ ، فَيُحْتَمَلُ فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الْبَاقِينَ كَانُوا أَتْبَاعًا ، وَقَدْ حَكَى أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّهُ قِيلَ : إِنَّهُمْ كَانُوا تِسْعَمِائَةٍ . قَوْلُهُ : ( قَالَ هِشَامٌ فَأَخْبَرَنِي أَبِي ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ هِشَامٍ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ : قَالَ سَعْدٌ وَتَحَجَّرَ كَلْمُهُ لِلْبُرْءِ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ إِلَخْ أَيْ أَنَّهُ دَعَا بِذَلِكَ لَمَّا كَادَ جُرْحُهُ أَنْ يَبْرَأَ ، وَمَعْنَى تَحَجَّرَ أَيْ يَبِسَ . قَوْلُهُ : ( فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ) قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ : وَلَمْ يُصِبْ فِي هَذَا الظَّنِّ لِمَا وَقَعَ مِنَ الْحُرُوبِ فِي الْغَزَوَاتِ بَعْدَ ذَلِكَ ، قَالَ : فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ دَعَا بِذَلِكَ فَلَمْ تَقَعِ الْإِجَابَةُ وَادَّخَرَ لَهُ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي دُعَاءِ الْمُؤْمِنِ ، أَوْ أَنَّ سَعْدًا أَرَادَ بِوَضْعِ الْحَرْبِ أَيْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ الْخَاصَّةِ لَا فِيمَا بَعْدَهَا .

وَذَكَرَ ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الضَّمِيرَ لِقُرَيْظَةَ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَهُوَ بِعِيدٌ جِدًّا لِنَصِّهِ عَلَى قُرَيْشٍ . قُلْتُ : وَقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ . وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ ظَنَّ سَعْدٍ كَانَ مُصِيبًا .

وَأَنَّ دُعَاءَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ كَانَ مُجَابًا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ مِنْ بَعْدِ وَقْعَةِ الْخَنْدَقِ حَرْبٌ يَكُونُ ابْتِدَاءُ الْقَصْدِ فِيهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَجَهَّزَ إِلَى الْعُمْرَةِ فَصَدُّوهُ عَنْ دُخُولِ مَكَّةَ وَكَادَ الْحَرْبُ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يَقِعْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَقَعَتِ الْهُدْنَةُ وَاعْتَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَابِلٍ ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى أَنْ نَقَضُوا الْعَهْدَ ، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ غَازِيًا فَفُتِحَتْ مَكَّةُ . فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : أَظُنُّ أَنَّكَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ أَيْ أَنْ يَقْصِدُونَا مُحَارَبِينَ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي قَرِيبًا فِي أَوَاخِرِ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ : إِلَّا أَنْ نَغْزُوَهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا . قَوْلُهُ : ( فَأَبْقِنِي لَهُ ) أَيْ لِلْحَرْبِ ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَبْقِنِي لَهُمْ .

قَوْلُهُ : ( فَافْجُرْهَا ) أَيِ الْجِرَاحَةَ . قَوْلُهُ : ( فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَّتِهِ ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ هِيَ مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ مِنَ الصَّدْرِ ، وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ لَيْلَتِهِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ . فَقَدْ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامٍ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ فَإِذَا لَبَتُّهُ قَدِ انْفَجَرَتْ مِنْ كَلْمِهِ أَيْ مِنْ جُرْحِهِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ .

وَكَانَ مَوْضِعُ الْجُرْحِ وَرِمَ حَتَّى اتَّصَلَ الْوَرَمُ إِلَى صَدْرِهِ فَانْفَجَرَ مِنْ ثَمَّ . قَوْلُهُ : ( فَانْفَجَرَتْ ) بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ فِي مُرْسَلِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ وَلَفْظُهُ أَنَّهُ مَرَّتْ بِهِ عَنْزٌ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ فَأَصَابَ ظِلْفُهَا مَوْضِعَ الْجُرْحِ فَانْفَجَرَ حَتَّى مَاتَ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَرُعْهُمْ ) بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ، أَيْ لَمْ يَفْزَعْهُمْ .

قَوْلُهُ : ( وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ ) هِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ . قَوْلُهُ : ( خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ ) تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ ذَكَرَ أَنَّ الْخَيْمَةَ كَانَتْ لِرَفِيدَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ كَانَ لَهَا زَوْجٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ . قَوْلُهُ : ( يَغْذُو ) بِغَيْنٍ وَذَالٍ مُعْجَمَتَيْنِ أَيْ يَسِيلُ .

قَوْلُهُ : ( فَمَاتَ مِنْهَا ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي آخِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَإِذَا الدَّمُ لَهُ هَدِيرٌ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ فَانْفَجَرَ كَلْمُهُ وَكَانَ قَدْ بَرِئَ إِلَّا مِثْلَ الْخُرْصِ وَهُوَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ، وَهُوَ مِنْ حُلِيِّ الْأُذُنِ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَمَا زَالَ الدَّمُ يَسِيلُ حَتَّى مَاتَ . قَالَ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ الشَّاعِرُ : أَلَا يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنِي مُعَاذِ لِمَا فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ لَعَمْرُكَ إِنَّ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ غَدَاةَ تَحَمَّلُوا لَهُمُ الصَّبُورُ تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لَا شَيْءَ فِيهَا وَقِدْرُ الْقَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ وَقَدْ قَالَ الْكَرِيمُ أَبُو حُبَاثٍ أَقِيمُوا قَيْنُقَاعَ وَلَا تَسِيرُوا وَقَدْ كَانُوا بِبَلْدَتِهِمْ ثِفَالًا كَمَا ثَفَلَتْ بِمِيطَانَ الصُّخُورُ وَقَوْلُهُ : أَبُو حُبَاثٍ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهَا مُثَلَّثَةٌ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَئِيسُ الْخَزْرَجِ ، وَكَانَ شَفَعَ فِي بَنِي قَيْنُقَاعَ فَوَهَبَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ وَكَانُوا حُلَفَاءَهُ ، وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ حُلَفَاءَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَحَكَمَ بِقَتْلِهِمْ فَقَالَ هَذَا الشَّاعِرُ يُوَبِّخُهُ بِذَلِكَ .

وَقَوْلُهُ : تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ أَرَادَ بِهِ ضَرْبَ الْمَثَلِ ، وَمِيطَانُ مَوْضِعٌ فِي بِلَادِ مُزَيْنَةَ مِنَ الْحِجَازِ كَثِيرُ الْأَوْعَارِ ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا فِي بِلَادِهِمْ رَاسِخِينَ مِنْ كَثْرَةِ مَا لَهُمْ مِنَ الْقُوَّةِ وَالنَّجْدَةِ وَالْمَالِ ، كَمَا رَسَخَتِ الصُّخُورُ بِتِلْكَ الْبَلْدَةِ . وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِجَبَلِ بْنِ جَوَّالٍ الثَّعْلَبِيِّ وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَأَبُوهُ بِالْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَالثَّعْلَبِيُّ وَمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ، وَوَقَعَ عِنْدَهُ بَدَلَ قَوْلِهِ : وَقَدْ قَالَ الْكَرِيمُ الْبَيْتَ : وَأَمَّا الْخَزْرَجِيُّ أَبُو حُبَاثٍ فَقَالَ لِقَيْنُقَاعٍ لَا تَسِيرُوا وَزَادَ فِيهَا أَبْيَاتًا مِنْهَا : وأَقِيمُوا يَا سَرَاةَ الْأَوْسِ فِيهَا كَأَنَّكُمُ مِنَ الْمَخْزَاةِ غُورُ وَأَرَادَ بِذَلِكَ تَوْبِيخَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ؛ لِأَنَّهُ رَئِيسُ الْأَوْسِ ، وَكَانَ جَبَلُ بْنُ جَوَّالٍ حِينَئِذٍ كَافِرًا . وَلَعَلَّ قَصِيدَةَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ جَوَابًا لِجَبَلٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ قَصِيدَةً عَلَى هَذَا الْوَزْنِ وَالْقَافِيَةِ يَقُولُ فِيهَا : تَفَاقَدَ مَعْشَرٌ نَصَرُوا قُرَيْشًا وَلَيْسَ لَهُمْ بِبَلْدَتِهِمْ نَصِيرُ وَهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ فَهُمْ عُمْيٌ عَنِ التَّوْرَاةِ بُورُ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ قَصِيدَتِهِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَعْضُهَا فِي غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ ، وَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ عَنْهَا . وَفِي قِصَّةِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ وَخَبَرِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ جَوَازُ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ . وَفِيهَا تَحْكِيمُ الْأَفْضَلِ مَنْ هُوَ مَفْضُولٌ .

وَفِيهَا جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهِيَ خِلَافِيَّةٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَالْمُخْتَارُ الْجَوَازُ سَوَاءٌ كَانَ بِحُضُورِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْ لَا ، وَإِنَّمَا اسْتَبْعَدَ الْمَانِعُ وُقُوعَ الِاعْتِمَادِ عَلَى الظَّنِّ مَعَ إِمْكَانِ الْقَطْعِ ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ بِالتَّقْرِيرِ يَصِيرُ قَطْعِيًّا ، وَقَدْ ثَبَتَ وُقُوعُ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَتِيلِ أَبِي قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لَهُ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . الْحَدِيثُ السَّابِعُ حَدِيثُ الْبَرَاءِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث