بَاب غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ عَمْرٌو : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ : أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ وَكُنَّا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ . وَلَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ الْيَوْمَ لَأَرَيْتُكُمْ مَكَانَ الشَّجَرَةِ . تَابَعَهُ الْأَعْمَشُ سَمِعَ سَالِمًا سَمِعَ جَابِرًا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ : أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ ) هَذَا صَرِيحٌ فِي فَضْلِ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ ، فَقَدْ كَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذْ ذَاكَ جَمَاعَةٌ بِمَكَّةَ وَبِالْمَدِينَةِ وَبِغَيْرِهِمَا ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : لَمَّا كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةِ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُوقِدُوا نَارًا بِلَيْلٍ . فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ : أَوْقِدُوا وَاصْطَنِعُوا فَإِنَّهُ لَا يُدْرِكُ قَوْمٌ بَعْدَكُمْ صَاعَكُمْ وَلَا مُدَّكُمْ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ مُبَشِّرٍ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الشِّيعَةِ فِي تَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مِنْ خُوطِبَ بِذَلِكَ وَمِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَكَانَ عُثْمَانُ حِينَئِذٍ غَائِبًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَايَعَ عَنْهُ فَاسْتَوَى مَعَهُمْ عُثْمَانُ فِي الْخَيْرِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَلَمْ يَقْصِدْ فِي الْحَدِيثِ إِلَى تَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْخَضِرَ لَيْسَ بِحَيٍّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا مَعَ ثُبُوتِ كَوْنِهِ نَبِيًّا لَلَزِمَ تَفْضِيلُ غَيْرِ النَّبِيِّ عَلَى النَّبِيِّ وَهُوَ بَاطِلٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيٍّ حِينَئِذٍ ، وَأَجَابَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ حَيٌّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ حَاضِرًا مَعَهُمْ وَلَمْ يَقْصِدْ إِلَى تَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَلْ كَانَ فِي الْبَحْرِ ، وَالثَّانِي جَوَابٌ سَاقِطٌ ، وَعَكَسَ ابْنُ التِّينِ فَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْخَضِرَ لَيْسَ بِنَبِيٍّ فَبَنَى الْأَمْرَ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ وَأَنَّهُ دَخَلَ فِي عُمُومِ مَنْ فَضَّلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَدِلَّةَ الْوَاضِحَةَ عَلَى ثُبُوتِ نُبُوَّةِ الْخَضِرِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَجَزَمَ أَنَّ إِلْيَاسَ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وَبَنَاهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَيْضًا حَيٌّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَعْنِي كَوْنَهُ حَيًّا ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ فَنَفْيٌ بَاطِلٌ فَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾فَكَيْفَ يَكُونُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ مُرْسَلًا وَلَيْسَ بِنَبِيٍّ ؟ قَوْلُهُ : ( وَلَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ الْيَوْمَ ) يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ عَمِيَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ .
قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ الْأَعْمَشُ سَمِعَ سَالِمًا ) يَعْنِي ابْنَ أَبِي الْجَعْدِ ( سَمِعَ جَابِرًا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ ) أَيْ فِي قَوْلِهِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ أَتَمَّ مِمَّا هُنَا ، وَبَيَّنَ فِي آخِرِهِ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى سَالِمٍ ثُمَّ عَلَى جَابِرٍ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ وَجْهَ الْجَمْعِ قَرِيبًا . وَقِيلَ : إِنَّمَا عَدَلَ الصَّحَابِيُّ عَنْ قَوْلِهِ : أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ إِلَى قَوْلِهِ : أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْجَيْشَ كَانَ مُنْقَسِمًا إِلَى الْمِئَاتِ وَكَانَتْ كُلُّ مِائَةٍ مُمْتَازَةً عَنِ الْأُخْرَى إِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقَبَائِلِ وَإِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصِّفَاتِ . قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ : الِاخْتِلَافُ فِي عَدَدِهِمْ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ قِيلَ بِالتَّخْمِينِ .
وَتُعُقِّبَ بِإِمْكَانِ الْجَمْعِ كَمَا تَقَدَّمَ . الْحَدِيثُ السَّادِسُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى .