بَاب غَزْوَةِ ذِي قَرَدَ
بَاب غَزْوَةِ ذات القَرَدَ وَهِيَ الْغَزْوَةُ الَّتِي أَغَارُوا عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ خَيْبَرَ بِثَلَاثٍ 4194 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ يَقُولُ : خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالْأُولَى ، وَكَانَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْعَى بِذِي قَرَدَ . قَالَ : فَلَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَالَ : أُخِذَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قُلْتُ : مَنْ أَخَذَهَا ؟ قَالَ : غَطَفَانُ .
قَالَ : فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ : يَا صَبَاحَاهْ ! قَالَ : فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ ، ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ وَقَدْ أَخَذُوا يَسْتَقُونَ مِنْ الْمَاءِ ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ بِنَبْلِي - وَكُنْتُ رَامِيًا - وَأَقُولُ : أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعْ ، الْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ . وَأَرْتَجِزُ ، حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ ، وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً . قَالَ : وَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ ، فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ وَهُمْ عِطَاشٌ ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ السَّاعَةَ .
فَقَالَ : يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ ، مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ . قَالَ : ثُمَّ رَجَعْنَا ، وَيُرْدِفُنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَاقَتِهِ حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ . قوله : ( باب غزوة ذي قرد ) بفتح القاف والراء ، وحكي الضم فيها ، وحكي ضم أوله وفتح ثانيه ، قال الحازمي : الأول ضبط أصحاب الحديث ، والضم عن أهل اللغة .
وقال البلاذري : الصواب الأول . وهو ماء على نحو بريد مما يلي بلاد غطفان ، وقيل : على مسافة يوم . قَوْلُهُ : ( وَهِيَ الْغَزْوَةُ الَّتِي أَغَارُوا فِيهَا عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ خَيْبَرَ بِثَلَاثٍ ) كَذَا جَزَمَ بِهِ ، وَمُسْتَنَدُهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِهِ : قَالَ : فَرَجَعْنَا - أَيْ مِنَ الْغَزْوَةِ - إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثْنَا بِالْمَدِينَةِ إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ .
وَأَمَّا ابْنُ سَعْدٍ فَقَالَ : كَانَتْ غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سِتٍّ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَقِيلَ : فِي جُمَادَى الْأُولَى . وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : فِي شَعْبَانَ مِنْهَا ، فَإِنَّهُ قَالَ : كَانَتْ بَنُو لِحْيَانَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ ، فَلَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ يُقِمْ بِهَا إِلَّا لَيَالِيَ حَتَّى أَغَارَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ عَلَى لِقَاحِهِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ شَارِحُ مُسْلِمٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ : لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ غَزْوَةَ ذِي قَرَدٍ كَانَتْ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَيَكُونُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ مِنْ وَهَمِ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْمَعَ بِأَنْ يُقَالَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَغْزَى سَرِيَّةً فِيهِمْ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ إِلَى خَيْبَرَ قَبْلَ فَتْحِهَا ، فَأَخْبَرَ سَلَمَةُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ ، يَعْنِي حَيْثُ قَالَ : خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ .
قَالَ : وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَغْزَى إِلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ قَبْلَ فَتْحِهَا مَرَّتَيْنِ ، انْتَهَى . وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَأْتي هَذَا الْجَمْعَ ، فَإِنَّ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ : حِينَ خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْلِ ، وَفِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنِ السَّائِقُ ، وَفِيهِ مُبَارَزَةُ عَلِيٍّ ، لِمَرْحَبٍ وَقَتْلُ عَامِرٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ حِينَ خَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَى هَذَا مَا فِي الصَّحِيحِ مِنَ التَّارِيخِ لِغَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ أَصَحُّ مِمَّا ذَكَرَهُ أَهْلُ السِّيَرِ ، وَيُحْتَمَلُ فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ أَنْ تَكُونَ إِغَارَةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ عَلَى اللِّقَاحِ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ ؛ الْأُولَى الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ وَهِيَ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَالثَّانِيَةُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَى خَيْبَرَ ، وَكَانَ رَأْسُ الَّذِينَ أَغَارُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُيَيْنَةَ كَمَا فِي سِيَاقِ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ ذَكَرَ فِي الْإِكْلِيلِ أَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى ذِي قَرَدٍ تَكَرَّرَ ، فَفِي الْأَوَّلِ خَرَجَ إِلَيْهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ قَبْلَ أُحُدٍ ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَبِيعٍ الْآخَرَ سَنَةَ خَمْسٍ ، وَالثَّالِثَةُ هَذِهِ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا ، انْتَهَى . فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قَوِيَ هَذَا الْجَمْعُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حَاتِمٌ ) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ هُوَ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَالِيًا فِي الْجِهَادِ عَنْ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ يَزِيدَ وَهُوَ أَحَدُ ثُلَاثِيَّاتِهِ . قَوْلُهُ : ( خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالْأُولَى ) يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قوله فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ تَبِعَهُمْ مِنَ الْغَلَسِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَفِي رِوَايَةِ مَكِّيٍّ : خَرَجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ ذَاهِبًا نَحْوَ الْغَابَةِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ ) اللِّقَاحُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ : ذَوَاتُ الدَّرِّ مِنَ الْإِبِلِ ، وَاحِدُهَا لِقْحَةٌ بِالْكَسْرِ وَبِالْفَتْحِ أَيْضًا ، وَاللَّقُوحُ الْحَلُوبُ .
وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهَا كَانَتْ عِشْرِينَ لِقْحَةً ، قَالَ : وَكَانَ فِيهِمِ ابْنُ أَبِي ذَرٍّ وَامْرَأَتُهُ ، فَأَغَارَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوا الرَّجُلَ وَأَسَرُوا الْمَرْأَةَ . قَوْلُهُ : ( فَلَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ رَبَاحَ غُلَامَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَكَأَنَّهُ كَانَ مِلْكَ أَحَدِهِمَا وَكَانَ يَخْدُمُ الْآخَرَ ، فَنُسِبَ تَارَةً إِلَى هَذَا وَتَارَةً إِلَى هَذَا . قَوْلُهُ : ( غَطَفَانَ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالطَّاءِ الْمُشَالَةِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ ، تَقَدَّمَ بَيَانُ نَسَبِهِمْ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ ، وَفِي رِوَايَةِ مَكِّيٍّ : غَطَفَانَ وَفَزَارَةَ ، وَهُوَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ ؛ لِأَنَّ فَزَارَةَ مِنْ غَطَفَانَ .
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ : قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِهِ وَأَنَا مَعَهُ ، وَخَرَجْتُ بِفَرَسٍ لِطَلْحَةَ أَنْدُبُهُ ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ . وَلِأَحْمَدَ ، وَابْنِ سَعْدٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ وَقَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ وَقَتَلَ رَاعِيَهُ ، قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رَبَاحُ ، خُذْ هَذَا الْفَرَسَ وَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ ، وَأَبْلِغْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَبَرَ . وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلَمَةَ : خَرَجْتُ بِقَوْسِي وَنَبْلِي ، وَكُنْتُ أَرْمِي الصَّيْدَ ، فَإِذَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ قَدْ أَغَارَ عَلَى لِقَاحِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَاقَهَا .
وَلَا مُنَافاة ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عُيَيْنَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُيَيْنَةَ كَانَ فِي الْقَوْمِ . وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ مَسْعَدَةَ الْفَزَارِيَّ كَانَ أَيْضًا رَئِيسًا فِي فَزَارَةَ فِي هَذِهِ الْغُزَاةِ . قَوْلُهُ : ( فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي : بِثَلَاثِ بِزِيَادَةِ الْمُوَحَّدَةِ ؛ وَهِيَ لِلِاسْتِغَاثَةِ .
قَوْلُهُ : ( فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ وَاسِعَ الصَّوْتِ جِدًّا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ . وَلِمُسْلِمٍ : فَعَلَوْتُ أَكْمَةً فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا . وَلِلطَّبَرَانِيِّ : فَصَعِدْتُ فِي سَلَعٍ ثُمَّ صِحْتُ : يَا صَبَاحَاهُ ، فَانْتَهَى صِيَاحِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنُودِيَ فِي النَّاسِ : الْفَزَعَ الْفَزَعَ ، وَهُوَ عِنْدَ إِسْحَاقَ بِمَعْنَاهُ .
قَوْلُهُ : ( يَا صَبَاحَاهُ ) هِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ اسْتِنْفَارِ مَنْ كَانَ غَافِلًا عَنْ عَدُوِّهِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي ) ؛ أَيْ : لَمْ أَلْتَفِتْ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا ، بَلْ أَسْرَعْتُ الْجَرْيَ . وَكَانَ شَدِيدَ الْعَدْوِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ ) فِي رِوَايَةِ مَكِّيٍّ : حَتَّى أَلْقَاهُمْ وَقَدْ أَخَذُوهَا يَعْنِي اللِّقَاحَ ، ذَكَرَهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مُبَالَغَةً فِي اسْتِحْضَارِ الْحَالِ . قَوْلُهُ : ( فَأَقْبَلْتُ أَرْمِيهِمْ ) ؛ أَيْ : أَقْبَلْتُ عَلَيْهِمْ أَرْمِيهِمْ ، أَيْ بِالسِّهَامِ . قَوْلُهُ : ( وَأَقُولُ : أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ رَاضِعٍ وَهُوَ اللَّئِيمُ ، فَمَعْنَاهُ : الْيَوْمَ يَوْمُ اللِّئَامِ ؛ أَيِ : الْيَوْمُ يَوْمُ هَلَاكِ اللِّئَامِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ شَخْصًا كَانَ شَدِيدَ الْبُخْلِ ، فَكَانَ إِذَا أَرَادَ حَلْبَ نَاقَتِهِ ارْتَضَعَ مِنْ ثَدْيِهَا لِئَلَّا يَحْلُبَهَا فَيَسْمَعَ جِيرَانُهُ أَوْ مَنْ يَمُرُّ بِهِ صَوْتَ الْحَلْبِ فَيَطْلُبُونَ مِنْهُ اللَّبَنَ ، وَقِيلَ : بَلْ صَنَعَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَبَدَّدَ مِنَ اللَّبَنِ شَيْءٌ إِذَا حَلَبَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ يَبْقَى فِي الْإِنَاءِ شَيْءٌ إِذَا شَرِبَهُ مِنْهُ ، فَقَالُوا فِي الْمَثَلِ : أَلْأَمُ مِنْ رَاضِعٍ ، وَقِيلَ : بَلْ مَعْنَى الْمَثَلِ ارْتَضَعَ اللُّؤْمَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ ، وَقِيلَ : كُلُّ مَنْ كَانَ يُوصَفُ بِاللُّؤْمِ يُوصَفُ بِالْمَصِّ وَالرَّضَاعِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ مَنْ يَمُصُّ طَرَفَ الْخِلَالِ إِذَا خَلَّ أَسْنَانَهُ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى شِدَّةِ الْحِرْصِ .
وَقِيلَ : هُوَ الرَّاعِي الَّذِي لَا يَسْتَصْحِبُ مِحْلَبًا ، فَإِذَا جَاءَهُ الضَّيْفُ اعْتَذَرَ بِأَنْ لَا مِحْلَبَ مَعَهُ ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ ارْتَضَعَ ثَدْيَهَا . وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ : هُوَ الَّذِي يَرْتَضِعُ الشَّاةَ أَوِ النَّاقَةَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْحَلْبِ مِنْ شِدَّةِ الشَّرَهِ . وَقِيلَ : أَصْلُهُ الشَّاةُ تَرْضَعُ لَبَنَ شَاتَيْنِ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ .
وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْيَوْمَ يُعْرَفُ مَنِ ارْتَضَعَ كَرِيمَةً فَأَنْجَبَتْهُ وَلَئِيمَةً فَهَجَّنَتْهُ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْيَوْمَ يُعْرَفُ مَنْ أَرْضَعَتْهُ الْحَرْبُ مِنْ صِغَرِهِ وَتَدَرَّبَ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ هَذَا يَوْمٌ شَدِيدٌ عَلَيْكُمْ تُفَارِقُ فِيهِ الْمُرْضِعَةُ مَنْ أَرْضَعَتْهُ فَلَا تَجِدُ مَنْ تُرْضِعُهُ .
قَالَ السُّهَيْلِيُّ : قَوْلُهُ : الْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ ، يَجُوزُ الرَّفْعُ فِيهِمَا وَنَصْبُ الْأَوَّلِ وَرَفْعُ الثَّانِي عَلَى جَعْلِ الْأَوَّلِ ظَرْفًا ، قَالَ : وَهُوَ جَائِزٌ إِذَا كَانَ الظَّرْفُ وَاسِعًا وَلَا يُضَيِّقُ عَلَى الثَّانِي . قَالَ : وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ فِي اللُّؤْمِ : رَضَعَ بِالْفَتْحِ يُرْضِعُ بِالضَّمِّ رَضَاعَةً لَا غَيْرُ ، وَرَضِعَ الصَّبِيُّ - بِالْكَسْرِ - ثَدْيَ أُمِّهِ يَرْضَعُ - بِالْفَتْحِ - رَضَاعًا مِثْلَ سَمِعَ يَسْمَعُ سَمَاعًا . وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : فَأَقْبَلْتُ أَرْمِيهُمْ بِالنَّبْلِ وَأَرْتَجِزُ ، وَفِيهِ : فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي رِجْلِهِ فَخَلَصَ السَّهْمُ إِلَى كَعْبِهِ ، فَمَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُهُمْ ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ مِنْهُمْ أَتَيْتُ شَجَرَةً فَجَلَسْتُ فِي أَصْلِهَا ثُمَّ رَمَيْتُهُ فَعَقَرْتُ بِهِ ، فَإِذَا تَضَايَقَ الْخَيْلُ فَدَخَلُوا فِي مُضَايَقَةٍ عَلَوْتُ الْجَبَلَ فَرَمَيْتُهُمْ بِالْحِجَارَةِ ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ : وَكَانَ سَلَمَةُ مِثْلَ الْأَسَدِ ، فَإِذَا حَمَلَتْ عَلَيْهِ الْخَيْلُ فَرَّ ثُمَّ عَارَضَهُمْ فَنَضَجهَا عَنْهُ بِالنَّبْلِ .
قَوْلُهُ : ( اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَعِيرٍ إِلَّا خَلَفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي ، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً وَثَلَاثِينَ رُمْحًا يَتَخَفَّفُونَ بِهَا ، قَالَ : فَأَتَوْا مَضِيقًا ، فَأَتَاهُمْ رَجُلٌ فَجَلَسُوا يَتَغَدَّوْنَ ، فَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ ، فَقَالَ لَهُمْ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا : لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبُرْجِ . قَالَ : فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ ، فَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ فَتَهَدَّدَهُمْ فَرَجَعُوا ، قَالَ : فَمَا بَرَحْتُ مَكَانِي حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلُهُمِ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ ، فَقُلْتُ لَهُ : احْذُوهُمْ ، فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عُيَيْنَةَ فَقَتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِهِ ، فَلَحِقَهُ أَبُو قَتَادَةَ فَقَتَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَتَحَوَّلَ عَلَى الْفَرَسِ ، قَالَ : وَاتَّبَعْتُهُمْ عَلَى رِجْلَيَّ حَتَّى مَا أَرَى أَحَدًا ، فَعَدَلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ : ذِي قَرَدٍ ، فَشَرِبُوا مِنْهُ وَهُمْ عِطَاشٌ ، قَالَ : فَجَلَاهُمْ عَنْهُ حَتَّى طَرَدَهُمْ ، وَتَرَكُوا فَرَسَيْنِ عَلَى ثَنِيَّةٍ فجئت بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةَ ، وَقَالَ : إِنَّ الْأَخْرَمَ لَقَبٌ ، وَاسْمُهُ مُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَهُ : حَبِيبُ بْنُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ بَدَلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ لَهُ اسْمَانِ .
قَوْلُهُ : ( وَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَأَتَانِي عَمِّي عَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ وَسَطِيحَةٍ فِيهَا لَبَنٌ ، فَتَوَضَّأْتُ وَشَرِبْتُ ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ ، فَإِذَا هُوَ قَدْ أَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ اسْتَنْقَذْتُهُ مِنْهُمْ ، وَنَحَرَ لَهُ بِلَالٌ نَاقَتَهُ . قَوْلُهُ : ( قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ ) ؛ أَيْ : مَنَعْتُهُمْ مِنَ الشُّرْبِ . قَوْلُهُ : ( فَابْعَثْ إِلَيْهِمُ السَّاعَةَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، خَلِّنِي أَنْتَخِبُ مِنَ الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ فَأَتَّبِعُهُمْ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ ، قَالَ : فَضَحِكَ ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ سَرَّحْتَنِي فِي مِائَةِ رَجُلٍ لَأَخَذْتُ بِأَعْنَاقِ الْقَوْمِ .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ ، مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَجِيمٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ؛ أَيْ سَهِّلْ . وَالْمَعْنَى : قَدَرْتَ فَاعْفُ . وَالسَّجَاحَةُ السُّهُولَةُ .
زَادَ مَكِّيٌّ فِي رِوَايَتِهِ : إنَّ الْقَوْمَ لَيُقْرَوْنَ فِي قَوْمِهِمْ . وَعِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ : مِنْ قَوْمِهِمْ . وَلِمُسْلِمٍ : إنَّهُمْ لَيُقْرَوْنَ فِي أَرْضِ غَطَفَانَ وَيُقْرَوْنَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ مِنَ الْقِرَى وَهِيَ الضِّيَافَةُ ، وَلِابْنِ إِسْحَاقَ : فَقَالَ : إِنَّهُمُ الْآنَ لِيَغْبِقُونِ فِي غَطَفَانَ ، وَهُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ السَّاكِنَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْقَافِ ، مِنَ الْغَبُوقِ وَهُوَ شُرْبُ أَوَّلِ اللَّيْلِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ فَاتُوا وَأَنَّهُمْ وَصَلُوا إِلَى بِلَادِ قَوْمِهِمْ وَنَزَلُوا عَلَيْهِمْ فَهُمُ الْآنَ يَذْبَحُونَ لَهُمْ وَيُطْعِمُونَهُمْ .
وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : نَحَرَ لَهُمْ فُلَانٌ جَزُورًا ، فَلَمَّا كَشَطُوا جِلْدَهَا إِذَا هُمْ بِغَبَرَةٍ ، فَقَالُوا : أَتَاكُمُ الْقَوْمُ ، فَخَرَجُوا هَارِبِينَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ رَجَعْنَا ) إِلَى الْمَدِينَةِ ( وَيُرْدِفُنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نَاقَتِهِ حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ ، وَذَكَرَ قِصَّةَ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي سَابَقَهُ فَسَبَقَهُ سَلَمَةُ ، قَالَ : فَسَبَقْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثْنَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ - وَفِيهِ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ ، وَخَيْرُ رِجَالَتِنَا الْيَوْمَ سَلَمَةُ . قَالَ سَلَمَةُ : ثُمَّ أَعْطَانِي سَهْمَ الرَّاجِلِ وَالْفَارِسِ جَمِيعًا .
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ اشْتَرَى فَرَسَهُ ، فَلَقِيَهُ مُسْعَدَةُ الْفَزَارِيُّ فَتَقَاوَلَا ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ : أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُلْقِنِيكَ وَأَنَا عَلَيْهَا . قَالَ : آمِينَ . قَالَ : فَبَيْنَمَا هُوَ يَعْلِفُهَا إِذْ قِيلَ : أُخِذَتِ اللِّقَاحُ ، فَرَكِبَهَا حَتَّى هَجَمَ عَلَى الْعَسْكَرِ ، قَالَ : فَطَلَعَ عَلَيَّ فَارِسٌ فَقَالَ : لَقَدْ أَلْقَانِيكَ اللَّهُ يَا أَبَا قَتَادَةَ ، فَذَكَرَ مُصَارَعَتَهُ لَهُ وَظَفَرَهُ بِهِ وَقَتَلَهُ وَهَزَمَ الْمُشْرِكِينَ ، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبِ الْمُسْلِمُونَ أَنْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ أَبُو قَتَادَةَ يَحُوشُ اللِّقَاحَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبُو قَتَادَةَ سَيِّدُ الْفُرْسَانِ .
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْعَدْوِ الشَّدِيدِ فِي الْغَزْوِ ، وَالْإِنْذَارُ بِالصِّيَاحِ الْعَالِي ، وَتَعْرِيفُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ إِذَا كَانَ شُجَاعًا لِيُرْعِبَ خَصْمَهُ ، وَاسْتِحْبَابُ الثَّنَاءِ عَلَى الشُّجَاعِ وَمَنْ فِيهِ فَضِيلَةٌ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الصُّنْعِ الْجَمِيلِ لِيَسْتَزِيدَ مِنْ ذَلِكَ وَمَحَلُّهُ حَيْثُ يُؤْمَنُ الِافْتِتَانُ ، وَفِيهِ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الْأَقْدَامِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ بِغَيْرِ عِوضٍ ، وَأَمَّا بِالْعِوَضِ فَالصَّحِيحُ لَا يَصِحُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .