بَاب غَزْوَةِ خَيْبَرَ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى خَيْبَرَ لَيْلًا - وَكَانَ إِذَا أَتَى قَوْمًا بِلَيْلٍ لَمْ يقربهمْ حَتَّى يُصْبِحَ - فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ الْيَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا : مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَرِبَتْ خَيْبَرُ ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسٍ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ : سَمِعْتُ أَنَسًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ .
قَوْلُهُ : ( أَتَى خَيْبَرَ لَيْلًا ) ؛ أَيْ قَرُبَ مِنْهَا ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ نَزَلَ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ : الرَّجِيعُ ، بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَطَفَانَ ؛ لِئَلَّا يَمُدُّوهُمْ ، وَكَانُوا حُلَفَاءَهُمْ . قَالَ : فَبَلَغَنِي أَنَّ غَطَفَانَ تَجَهَّزُوا وَقَصَدُوا خَيْبَرَ ، فَسَمِعُوا حِسًّا خَلْفَهُمْ فَظَنُّوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ خَلَفُوهُمْ فِي ذَرَارِيِّهِمْ ، فَرَجَعُوا فَأَقَامُوا وَخَذَلُوا أَهْلَ خَيْبَرَ . قَوْلُهُ : ( لَمْ يُغْرِ بِهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنَ الْإِغَارَةِ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي : لَمْ يَقْرَبْهُمْ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ بِلَفْظِ : لَا يُغِيرُ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْجُمْهُورِ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْأَذَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ : كَانَ إِذَا غَزَا لَمْ يَغْزُ بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ ، وَإِلَّا أَغَارَ ، قَالَ : فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلًا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ .
وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ سَمِعُوا بِقَصْدِهِ لَهُمْ ، فَكَانُوا يَخْرُجُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مُتَسَلِّحِينَ مُسْتَعِدِّينَ ، فَلَا يَرَوْنَ أَحَدًا . حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي قَدِمَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ نَامُوا فَلَمْ تَتَحَرَّكْ لَهُمْ دَابَّةٌ وَلَمْ يَصِحْ لَهُمْ دِيكٌ ، وَخَرَجُوا بِالْمَسَاحِي طَالِبِينَ مَزَارِعَهُمْ فَوَجَدُوا الْمُسْلِمِينَ . قَوْلُهُ : ( خَرَجَتْ يَهُودُ ) زَادَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : إِلَى زُرُوعِهِمْ .
قَوْلُهُ : ( بِمَسَاحِيهِمْ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ مِسْحَاةٍ ، وَهِيَ مِنْ آلَاتِ الْحَرْثِ ( وَمَكَاتِلِهِمْ ) جَمْعُ مِكْتَلٍ ، وَهُوَ الْقُفَّةُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي يُحَوَّلُ فِيهَا التُّرَابُ وَغَيْرُهُ . وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ : حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ السَّحَرِ وَذَهَبَ ذُو الزَّرْعِ إِلَى زَرْعِهِ وَذُو الضَّرْعِ إِلَى ضَرْعِهِ أَغَارَ عَلَيْهِمْ . قَوْلُهُ : ( مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ ) تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ : خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ فَقَالُوا : مُحَمَّدٌ ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ : قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَنَسٍ : وَالْخَمِيسُ يَعْنِي الْجَيْشَ ، وَعُرِفَ الْمُرَادُ بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ ، وَتَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ ، وَفِيهِ : يَقُولُونَ : مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ قَالَ : وَالْخَمِيسُ الْجَيْشُ .
وَعُرِفَ مِنْ سِيَاقِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ اللَّفْظَ هُنَاكَ لِثَابِتٍ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ الْإِدْرَاجِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ ، وَزَادَ فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ : فَلَجَئُوا إِلَى الْحِصْنِ ؛ أَيْ تَحَصَّنُوا بِهِ . قَوْلُهُ : ( خَرِبَتْ خَيْبَرُ ) زَادَ فِي الْجِهَادِ : فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ ، وَزِيَادَةُ التَّكْبِيرِ فِي مُعْظَمِ الطُّرُقِ عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ حُمَيْدٍ ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ : يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ التَّفَاؤُلُ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا رَأَى آلَاتِ الْهَدْمِ - مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْمِسْحَاةِ مِنْ سَحَوْتُ إِذَا قَشَّرْتُ - أُخِذَ مِنْهُ أَنَّ مَدِينَتَهُمْ سَتَخْرَبُ ، انْتَهَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ : خَرِبَتْ خَيْبَرُ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ .
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ : إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ .