بَاب غَزْوَةِ خَيْبَرَ
فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّ عُمَرَ قَالَ كَذَا وَكَذَا . قَالَ : فَمَا قُلْتِ لَهُ ؟ قَالَتْ : قُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا . قَالَ : لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ ، وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ .
قَالَتْ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأْتُونِي أَرْسَالًا يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، مَا مِنْ الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو بُرْدَةَ : قَالَتْ أَسْمَاءُ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي . قَوْلُهُ : ( وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ ) بِنَصْبِ أَهْلٍ الِاخْتِصَاصِ أَوْ عَلَى النِّدَاءِ بِحَذْفِ أَدَاتِهِ ، وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ .
قَوْلُهُ : ( هِجْرَتَانِ ) زَادَ أَبُو يَعْلَى : هَاجَرْتُمْ مَرَّتَيْنِ ؛ هَاجَرْتُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ وَهَاجَرْتُمْ إِلَيَّ ، وَلِابْنِ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ رِجَالًا يَفْخَرُونَ عَلَيْنَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّا لَسْنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ . فَقَالَ : بَلْ لَكُمْ هِجْرَتَانِ ؛ هَاجَرْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، ثُمَّ هَاجَرْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ . وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ نَحْوَهُ ، وَقَالَ فِيهِ : كَذَبَ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ : يَقُولُ : لِلنَّاسِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَظَاهِرُهُ تَفْضِيلُهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَفْضِيلُهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، بَلْ مِنَ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ .
وَهَذَا الْقَدْرُ الْمَرْفُوعُ مِنَ الْحَدِيثِ ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَةِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى لَا ذِكْرَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ ) يَعْنِي أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى عَنْهَا فَيَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ عَنْ مِثْلِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا : قَالَ أَبُو بُرْدَةَ : قَالَتْ أَسْمَاءُ . قَوْلُهُ : ( يَأْتُونَنِي ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : يَأْتُونَ .
وَقَوْلُهُ : أَرْسَالًا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ؛ أَيْ أَفْوَاجًا ، أَيْ يَجِيئُونَ إِلَيْهَا نَاسًا بَعْدَ نَاسٍ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى : وَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى أنه لِيَسْتَعِيدُ مِنِّي هَذَا الْحَدِيثَ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ .