بَاب غَزْوَةِ خَيْبَرَ
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي زَيْدٌ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانًا لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ مَا فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ ، وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ) ؛ أَيِ ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي زَيْدٌ ) هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ .
قَوْلُهُ : ( لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانَا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَةُ ثَقِيلَةٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ : قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ : يَعْنِي شَيْئًا وَاحِدًا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَلَا أَحْسِبُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَرَبِيَّةً ، وَلَمْ أَسْمَعْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : بَلْ هِيَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ ، لَكِنْهَا غَيْرُ فَاشِيَةٍ فِي لُغَةِ مَعْدٍ ، وَقَدْ صَحَّحَهَا صَاحِبَ الْعَيْنِ وَقَالَ : ضُوعِفَتْ حُرُوفُهُ . وَقَالَ : الْبَبَّانُ الْمُعْدَمُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ ، وَيُقَالُ : هُمْ عَلَى بَبَّانٍ وَاحِدٍ ؛ أَيْ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : يُقَالُ : هُمْ بَبَّانٌ وَاحِدٌ ؛ أَيْ شَيْءٌ وَاحِدٌ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : الْبَبَّانُ فِي الْمُعْدِمِ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ ، فَالْمَعْنَى لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَهُمْ فُقَرَاءَ مُعْدَمِينَ لَا شَيْءَ لَهُمْ ؛ أَيْ مُتَسَاوِينَ فِي الْفَقْرِ . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ فِيمَا تَعَقَّبَهُ عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ : صَوَابُهُ بَيَانًا بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ بَدَلِ الْمُوَحَّدَةِ الثَّانِيَةِ ؛ أَيْ شَيْئًا وَاحِدًا ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا لِمَنْ لَا يُعْرَفُ : هُوَ هَيَّانُ بْنُ بَيَّانٍ .
قُلْتُ : وَقَدْ وَقَعَ مِنْ عُمَرَ ذِكْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ يُفْضِّلُ فِي الْقِسْمَةِ فَقَالَ : لَئِنْ عِشْتُ لَأَجْعَلَنَّ النَّاسَ بَبَّانًا وَاحِدًا ، ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ . وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّدُ تَفْسِيرَهَا بِالتَّسْوِيَةِ . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ عَنْ عُمَرَ قَالَ : لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى الْحَوْلِ لَأُلْحِقَنَّ أَسْفَلَ النَّاسِ بِأَعْلَاهُمْ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْغَنِيمَةِ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ .
( تَنْبِيهٌ ) : نَقَلَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ لَمْ يَلْتَقِ حَرْفَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ وَلَا اللُّغَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ الْبَبْرَ بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ سَاكِنَةٍ وَهِيَ دَابَّةٌ تُعَادِي الْأَسَدَ . وَفِي الْأَعْلَامِ : بَبَّةٌ ؛ بِمُوَحَّدَتَيْنِ الثَّانِيَةُ ثَقِيلَةٌ ، لَقَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْهَاشِمِيِّ أَمِيرِ الْكُوفَةِ . قَوْلُهُ : ( وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا لَهُمْ خِزَانَةً يَقْتسِمُونَهَا ) ؛ أَيْ يَقْتَسِمُونَ خَرَاجَهَا .