بَاب غَزْوَةِ خَيْبَرَ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ وَسَأَلَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ ، قَالَ لَهُ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ : لَا تُعْطِهِ . فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : هَذَا قَاتِلُ ابْنِ قَوْقَلٍ . فَقَالَ : وَاعَجَبَا لِوَبْرٍ تَدَلَّى مِنْ قَدُومِ الضَّأْنِ .
4238 - وَيُذْكَرُ عَنْ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُخْبِرُ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصي قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ مِنْ الْمَدِينَةِ قِبَلَ نَجْدٍ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَقَدِمَ أَبَانُ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا افْتَتَحَهَا ، وَإِنَّ حُزْمَ خَيْلِهِمْ لَلِيفٌ . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا تَقْسِمْ لَهُمْ . قَالَ أَبَانُ : وَأَنْتَ بِهَذَا يَا وَبْرُ تَحَدَّرَ مِنْ رَأْسِ ضَأْنٍ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَانُ اجْلِسْ . فَلَمْ يَقْسِمْ لَهُمْ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ وَسَأَلَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ) ؛ أَيِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ : أَخْبَرَنِي ) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ الزُّهْرِيُّ . وَعَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ ؛ أَيِ ابْنُ الْعَاصِ ، وَهُوَ عَمُّ وَالِدِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ . قَوْلُهُ : ( إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ ) هَذَا السِّيَاقُ صُورَتُهُ مُرْسَلٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُصَرَّحًا فِيهِ بِالِاتِّصَالِ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ ، وَفِيهِ بَيَانُ اسْمِ الْمُبْهَمِ هُنَا فِي قَوْلِهِ : قَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدٍ ، وَبَيَانُ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ : ابْنِ قَوْقَلٍ ، وَشَرْحُ مَا فِيهِ .
قَوْلُهُ : ( فَسَأَلَهُ ) ؛ أَيْ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَنَائِمَ خَيْبَرَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ فِي الْجِهَادِ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَسْهِمْ لِي . قَوْلُهُ : ( قَالَ لَهُ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ : لَا تُعْطِهِ ) الْقَائِلُ هُوَ أَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( وَاعَجْبَاهْ ) فِي رِوَايَةِ السَّعِيدِيِّ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ : وَاعَجَبًا لَكَ ، وَهُوَ بِالتَّنْوِينِ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَعْجَبُ ، وَ وَا مِثْلُ وَاهَا ، وَاعَجَبًا لِلتَّوْكِيدِ وَبِغَيْرِ التَّنْوِينِ بِمَعْنَى وَاعَجَبَى فَأُبْدِلَتِ الْكَسْرَةُ فَتْحَةً كَقَوْلِهِ : يَا أَسَفَى ، وَفِيهِ شَاهِدٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ وَا فِي مُنَادَى غَيْرِ مَنْدُوبٍ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْمُبَرِّدِ وَاخْتِيَارُ ابْنِ مَالِكٍ .
قَوْلُهُ : ( لِوَبْرٍ تَدَلَّى مِنْ قُدُومِ الضَّأْنِ ) كَذَا اخْتَصَرَهُ ، وَقَدْ مَضَى فِي الْجِهَادِ مِنْ رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ أَتَمَّ مِنْهُ ، وَسَيَأْتِي شَرْحَهُ فِي الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( وَيُذْكَرُ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ ) ؛ أَيْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَطَرِيقُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْهُ ، وَوَصَلَهَا أَيْضًا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ أَيْضًا ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ ؛ كِلَاهُمَا عَنِ الْحُمَيْدِيِّ . قَوْلُهُ : ( يُخْبِرُ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ ) ؛ أَيِ ابْنَ أُمَيَّةَ ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ تَأَمَّرَ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ قِبَلَ نَجْدٍ ) لَمْ أَعْرِفْ حَالَ هَذِهِ السَّرِيَّةِ ، وَأَمَّا أَبَانُ فَهُوَ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَهُوَ عَمُّ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الَّذِي حَدَّثَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَكَانَ إِسْلَامُ أَبَانَ بَعْدَ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَوَّلًا فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الشُّرُوطِ وَغَيْرِهَا أَنَّ أَبَانَ هَذَا أَجَارَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ وَبَلَّغَ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَقَدَّمَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَنَّ غَزْوَةَ خَيْبَرَ كَانَتْ عَقِبَ الرُّجُوعِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَيُشْعِرُ ذَلِكَ بِأَنَّ أَبَانَ أَسْلَمَ عَقِبَ الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى أَمْكَنَ أَنْ يَبْعَثَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي سَرِيَّةٍ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَلِيٍّ فِي الْأَخْبَارِ سَبَبَ إِسْلَامِ أَبَانَ ، فَرَوَى مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ : قُتِلَ أَبِي يَوْمَ بَدْرٍ ، فَرَبَّانِي عَمِّي أَبَانُ ، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسُبُّهُ إِذَا ذُكِرَ ، فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَرَجَعَ فَلَمْ يَسُبَّهُ ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ رَاهِبًا فَأَخْبَرَهُ بِصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ تَصْدِيقُهُ ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَسْلَمَ ، فَإِنْ كَانَ هَذَا ثَابِتًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُ أَبَانَ إِلَى الشَّامِ كَانَ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ حُزُمَ ) بِمُهْمَلَةٍ وَزَايٍ مَضْمُومَتَيْنِ . قَوْلُهُ : ( الَلِيفٌ ) بِلَامِ التَّأْكِيدِ ، وَاللِّيفُ مَعْرُوفٌ .
وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : اللِّيفُ ؛ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ إِنَّ بِغَيْرِ تَأْكِيدٍ . قَوْلُهُ : ( وَأَنْتَ بِهَذَا ) ؛ أَيْ : وَأَنْتَ تَقُولُ بِهَذَا ، أَوْ : وَأَنْتَ بِهَذَا الْمَكَانِ وَالْمَنْزِلَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ كَوْنِكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَلَا مِنْ قَوْمِهِ وَلَا مِنْ بِلَادِهِ . قَوْلُهُ : ( يَا وَبْرُ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ دَابَّةٌ صَغِيرَةٌ كَالسِّنَّوْرِ وَحْشِيَّةٌ ، وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِيُّ ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ يُسَمِّي كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ حَشَرَاتِ الْجِبَالِ وَبْرًا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَرَادَ أَبَانُ تَحْقِيرَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي قَدْرِ مَنْ يُشِيرُ بِعَطَاءٍ وَلَا مَنْعٍ ، وَأَنَّهُ قَلِيلُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِتَالِ ، انْتَهَى .
وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُلْصَقٌ فِي قُرَيْشٍ ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِالَّذِي يَعْلَقُ بِوَبَرِ الشَّاةِ مِنَ الشَّوْكِ وَغَيْرِهِ . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةِ وَبَرٌ بِالتَّحْرِيكِ . قَالَ : وَلَمْ يُضْبَطْ إِلَّا بِالسُّكُونِ .
قَوْلُهُ : ( تَحَدَّرَ ) فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى : تَدَلَّى ، وَهِيَ بِمَعْنَاهَا ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا : تَدَأْدَأَ بِمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ ، قِيلَ : أَصْلُهُ تَدَهْدَأَ ، فَأُبْدِلَتِ الْهَاءُ هَمْزَةً ، وَقِيلَ : الدَّأْدَأَةُ صَوْتُ الْحِجَارَةِ فِي الْمَسِيلِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي : تَدَأْرَأَ بِرَاءِ بَدَلَ الدَّالِ الثَّانِيَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ : تَرَدَّى وَهِيَ بِمَعْنَى تَحَدَّرَ وَتَدَلَّى ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : تَهَجَّمَ عَلَيْنَا بَغْتَةً . قَوْلُهُ : ( مِنْ رَأْسٍ ضَالٍّ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِاللَّامِ ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا بِالنُّونِ ، وَقَدْ فَسَّرَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي الضَّالُّ بِاللَّامِ فَقَالَ : هُوَ السِّدْرُ الْبَرِّيُّ ، وَكَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : إِنَّهُ السِّدْرُ الْبَرِّيُّ ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ : الضَّالُّ سِدْرَةُ الْبَرِّ ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ وَأَنَّهُ السِّدْرُ الْبَرِّيُّ ، وَأَمَّا قَدُومُ فَبِفَتْحِ الْقَافِ لِلْأَكْثَرِ ؛ أَيْ طَرَفٌ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِضَمِّ الْقَافِ ، وَأَمَّا الضَّانُّ فَقِيلَ : هُوَ رَأْسُ الْجَبَلِ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ مَوْضِعُ مَرْعَى الْغَنَمِ ، وَقِيلَ : هُوَ بِغَيْرِ هَمْزٍة ، وَهُوَ جَبَلٌ لِدَوْسٍ قَوْمِ أَبِي هُرَيْرَةَ .