بَاب أَيْنَ رَكَزَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّايَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ زَمَنَ الْفَتْحِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ نَنْزِلُ غَدًا ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ ؟ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ بِنْتِ شُرَحْبِيلَ وَسَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى هُوَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ اللَّخْمِيُّ أَبُو يَحْيَى الْكُوفِيُّ نَزِيلُ دِمَشْقٍ ، وَسَعْدَانُ لَقَبُهُ ، وَهُوَ صَدُوقٌ . وَأَشَارَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِلَى لِينِهِ . وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَشَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ ، وَاسْمُ أَبِي حَفْصَةَ مَيْسَرَةُ بَصْرِيٌّ يُكْنَى أَبَا سَلَمَةَ ، صَدُوقٌ . ضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ . وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرُ فِي الْحَجِّ قَرَنَهُ فِيهِ بِغَيْرِهِ .
قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ قَالَ زَمَنَ الْفَتْحِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ نَنْزِلُ غَدًا ؟ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ . قَوْلُهُ : ( قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ : مَنْ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ ) السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ . قَوْلُهُ : ( وَرِثَهُ عَقِيلٌ ، وَطَالِبٌ ) ، تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ وَلَمْ يَرِثْ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ .
وَكَانَ عَقِيلٌ ، وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ انْتَهَى . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ هَذَا الْحُكْمِ فِي أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْهِجْرَةُ لَمَّا وَقَعَتِ اسْتَوْلَى عَقِيلٌ ، وَطَالِبٌ عَلَى مَا خَلَفَهُ أَبُو طَالِبٍ ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ قَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَا خَلَفَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَالِدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ كَانَ شَقِيقَهُ وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَ مَوْتِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ ثُمَّ وَقَعَتِ الْهِجْرَةُ وَلَمْ يُسْلِمْ طَالِبٌ وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُ عَقِيلٍ اسْتَوْلَيَا عَلَى مَا خَلَفَ أَبُو طَالِبٍ ، وَمَاتَ طَالِبٌ قَبْلَ بَدْرٍ وَتَأَخَّرَ عَقِيلٌ ، فَلَمَّا تَقَرَّرَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ بِتَرْكِ تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَقِيلٍ فَأَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ذَلِكَ ، وَكَانَ عَقِيلٌ قَدْ بَاعَ تِلْكَ الدُّورَ كُلَّهَا .
وَاخْتُلِفَ فِي تَقْرِيرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقِيلًا عَلَى مَا يَخُصُّهُ هُوَ . فَقِيلَ : تَرَكَ لَهُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِ ، وَقِيلَ اسْتِمَالَةً لَهُ وَتَأْلِيفًا ، وَقِيلَ : تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا تُصَحَّحُ أَنْكِحَتُهُمْ . وَفِي قَوْلِهِ : وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا بِغَيْرِ بَيْعٍ لَنَزَلَ فِيهَا ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى الْخَطَّابِيُّ حَيْثُ قَالَ : إِنَّمَا لَمْ يَنْزِلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا لِأَنَّهَا دُورٌ هَجَرُوهَا فِي اللَّهِ - تَعَالَى - بِالْهِجْرَةِ ، فَلَمْ يَرَ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ تَرَكَهُ لِلَّهِ تَعَالَى .
وَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى ، وَالْأَظْهَرُ مَا قَدَّمْتُهُ ، وَأَنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالتَّرْكِ إِنَّمَا هُوَ إِقَامَةُ الْمُهَاجِرِ فِي الْبَلَدِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ ، لَا مُجَرَّدَ نُزُولِهِ فِي دَارٍ يَمْلِكُهَا إِذَا أَقَامَ الْمُدَّةَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِيهَا ، وَهِيَ أَيَّامُ النُّسُكِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 4283 - ثُمَّ قَالَ : لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُؤْمِنَ .
قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ : وَمَنْ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ ؟ قَالَ : وَرِثَهُ عَقِيلٌ ، وَطَالِبٌ . وقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ : أَيْنَ نَنْزِلُ غَدًا ؟ فِي حَجَّتِهِ . وَلَمْ يَقُلْ يُونُسُ حَجَّتِهِ وَلَا زَمَنَ الْفَتْحِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ) أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ( أَيْنَ نَنْزِلُ غَدًا فِي حَجَّتِهِ ) طَرِيقُ مَعْمَرٍ تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَةً فِي الْجِهَادِ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَقُلْ يُونُسُ ) أَيِ ابْنُ يَزِيدَ ( حَجَّتِهِ وَلَا زَمَنَ الْفَتْحِ ) أَيْ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ ، وبَقِيَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ ، وَمَعْمَرٍ ، أَوْثَقُ وَأَتْقَنُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ .