بَاب غَزْوَةِ الطَّائِفِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، وَمَعَهُ بِلَالٌ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ : أَلَا تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي ؟ فَقَالَ لَهُ : أَبْشِرْ فَقَالَ : قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ ، فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي مُوسَى ، وَبِلَالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ فَقَالَ : رَدَّ الْبُشْرَى ، فَاقْبَلَا أَنْتُمَا قَالَا : قَبِلْنَا ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ ، وَمَجَّ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا وَأَبْشِرَا ، فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلَا ، فَنَادَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ أَنْ أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا ، فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ نَازِلٌ الْجِعْرَانَة بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ) أَمَّا الْجِعْرَانَةُ فَهِيَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَقَدْ تُسَكَّنُ الْعَيْنُ ، وَهِيَ بَيْنَ الطَّائِفِ وَمَكَّةَ ، وَإِلَى مَكَّةَ أَقْرَبُ قَالَهُ عِيَاضٌ ، وَقَالَ الْفَاكِهِيُّ : بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ بَرِيدٌ ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ : ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا . وَقَدْ أَنْكَرَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحَ قَوْلَهُ : إِنَّ الْجِعْرَانَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَقَالَ : إِنَّمَا هِيَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَكَذَا جَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْجِعْرَانَةَ بَيْنَ الطَّائِفِ وَمَكَّةَ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ نَقَلُهُ عَنِ الْفَاكِهِيِّ وَغَيْرِهِ .
قَوْلُهُ : ( أَعْرَابِيٌّ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ . قَوْلُهُ : ( أَلَا تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي ) يُحْتَمَلُ أَنَّ الْوَعْدَ كَانَ خَاصًّا بِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا ، وَكَانَ طَلَبُهُ أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ نَصِيبَهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَمَرَ أَنْ تُجْمَعَ غَنَائِمُ حُنَيْنٍ بَالْجِعْرَانَةِ وَتَوَجَّهَ هُوَ بِالْعَسَاكِرِ إِلَى الطَّائِفِ ، فَلَمَّا رَجَعَ مِنْهَا قَسَمَ الْغَنَائِمَ حِينَئِذٍ بَالْجِعْرَانَةِ . فَلِهَذَا وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِمَّنْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ اسْتِبْطَاءُ الْغَنِيمَةِ وَاسْتِنْجَازُ قِسْمَتِهَا .
قَوْلُهُ : ( أَبْشِرْ ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ أَيْ بِقُرْبِ الْقِسْمَةِ ، أَوْ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ عَلَى الصَّبْرِ . قَوْلُهُ : ( فَنَادَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ) هِيَ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلِهَذَا قَالَتْ : لِأُمِّكُمَا . قَوْلُهُ : ( فَأَفْضِلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً ) أَيْ بَقِيَّةً .
وَفِي الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ لِأَبِي عَامِرٍ ، وَلِأَبِي مُوسَى ، وَلِبِلَالٍ ، وَلِأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ :