بَاب قُدُومِ الْأَشْعَرِيِّينَ وَأَهْلِ الْيَمَنِ
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَجَاءَ خَبَّابٌ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَيَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ الشَّبَابُ أَنْ يَقْرَءُوا كَمَا تَقْرَأُ ؟ قَالَ : أَمَا إِنَّكَ لَوْ شِئْتَ أَمَرْتُ بَعْضَهُمْ يَقْرَأُ عَلَيْكَ ، قَالَ : أَجَلْ ، قَالَ : اقْرَأْ يَا عَلْقَمَةُ ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ حُدَيْرٍ أَخُو زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ : أَتَأْمُرُ عَلْقَمَةَ أَنْ يَقْرَأَ ، وَلَيْسَ بِأَقْرَئِنَا ، قَالَ : أَمَا إِنَّكَ إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمِكَ وَقَوْمِهِ ، فَقَرَأْتُ خَمْسِينَ آيَةً مِنْ سُورَةِ مَرْيَمَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : كَيْفَ تَرَى ؟ قَالَ : قَدْ أَحْسَنَ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : مَا أَقْرَأُ شَيْئًا إِلَّا وَهُوَ يَقْرَؤُهُ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى خَبَّابٍ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَالَ : أَلَمْ يَأْنِ لِهَذَا الْخَاتَمِ أَنْ يُلْقَى ؟ قَالَ : أَمَا إِنَّكَ لَنْ تَرَاهُ عَلَيَّ بَعْدَ الْيَوْمِ ، فَأَلْقَاهُ . رَوَاهُ غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ . الحديث السابع : قَوْلُهُ : ( فَجَاءَ خَبَّابٌ ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ ، وَهُوَ ابْنُ الْأَرَتِّ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ .
قَوْلُهُ : ( يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هُوَ كُنْيَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ . قَوْلُهُ : ( أَمَرْتُ بَعْضَهُمْ فَيَقْرَأُ عَلَيْكَ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَرَأَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ زَيْدُ بْنُ حُدَيْرٍ ) بِمُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ أَخُو زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ ، وَزِيَادُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، أَدْرَكَ عُمَرَ وَلَهُ رِوَايَةٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَنَزَلَ الْكُوفَةَ وَوَلِيَ إِمْرَتَهَا مَرَّةً ، وَهُوَ أَسَدِيٌّ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ ، وَأَمَّا أَخُوهُ زَيْدٌ فَلَا أَعْرِفُ لَهُ رِوَايَةً .
قَوْلُهُ : ( أَمَا ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ ( إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْمِكَ وَفِي قَوْمِهِ ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى ثَنَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّخَعِ لِأَنَّ عَلْقَمَةَ نَخَعِيٌّ ، وَإِلَى ذَمِّ بَنِي أَسَدٍ وَزِيَادُ بْنُ حُدَيْرٍ أَسَدِيٌّ ، فَأَمَّا ثَنَاؤُهُ عَلَى النَّخَعِ فَفِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو لِهَذَا الْحَيِّ مِنَ النَّخَعِ أَوْ يُثْنِي عَلَيْهِمْ ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي رَجُلٌ مِنْهُمْ وَأَمَّا ذَمُّهُ لِبَنِي أَسَدٍ فَتَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ إِنَّ جُهَيْنَةَ وَغَيْرَهَا خَيْرٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَغَطَفَانَ ، وَأَمَّا النَّخَعِيُّ فَمَنْسُوبٌ إِلَى النَّخَعِ قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنَ الْيَمَنِ ، وَاسْمُ النَّخَعِ حَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُلَةَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ ابْنِ جَلْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَدَدَ بْنِ زَيْدٍ ، وَقِيلَ لَهُ النَّخَعُ ؛ لِأَنَّهُ نَخَعَ عَنْ قَوْمِهِ أَيْ بَعُدَ . وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ لَتَسْكُتَنَّ أَوْ لَأُحَدِّثَنَّكَ بِمَا قِيلَ فِي قَوْمِكَ وَقَوْمِهِ . قَوْلُهُ : ( فَقَرَأْتُ خَمْسِينَ آيَةً مِنْ سُورَةِ مَرْيَمَ ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : رَتِّلْ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : كَيْفَ تَرَى ؟ ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَخَاطَبَ عَبْدُ اللَّهِ بِذَلِكَ خَبَّابًا ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَأَلَهُ أَوَّلًا ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ : قَدْ أَحْسَنَ ، وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ يَعْلَى ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَفِيهِ قَالَ خَبَّابٌ : أَحْسَنْتَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ) هُوَ مَوْصُولٌ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( مَا أَقْرَأُ شَيْئًا إِلَّا وَهُوَ يَقْرَؤُهُ ) يَعْنِي : عَلْقَمَةُ ، وَهِيَ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِعَلْقَمَةَ حَيْثُ شَهِدَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْقِرَاءَةِ .
قَوْلُهُ : ( ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى خَبَّابٍ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ : أَلَمْ يَأْنِ لِهَذَا الْخَاتَمِ أَنْ يُلْقَى ؟ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْقَافِ أَيْ يُرْمَى بِهِ . قَوْلُهُ : ( رَوَاهُ غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ) أَيْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ وَصَلَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَهُوَ غُنْدَرٌ بِإِسْنَادِهِ هَذَا ، وَكَأَنَّهُ فِي الزُّهْدِ لِأَحْمَدَ ، وَإِلَّا فَلَمْ أَرَهُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَوَهَمَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ ، فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيقَ مُعَادٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَأَنَّ مَحَلَّهُ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنْ لَا إِعَادَةَ ، وَأَنَّهُ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ، وَأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ صَوَابٌ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي أَنَّ شُعْبَةَ رَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي وَصَلَهُ بِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَقَدْ أَثْبَتَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ رِوَايَةَ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي وَصَلَهُ بِهِ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَرَوَاهُ غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ وَفِي الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ ، وَحُسْنِ تَأَنِّيهِ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ ، وَأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانَ يَخْفَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَحْكَامِ ، فَإِذَا نُبِّهَ عَلَيْهَا رَجَعَ ، وَلَعَلَّ خَبَّابًا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ لِبْسِ الرِّجَالِ خَاتَمَ الذَّهَبِ لِلتَّنْزِيهِ ، فَنَبَّهَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُسْرِعًا .