بَاب مَرَضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَفَاتِهِ
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، وَزَادَ قَالَتْ عَائِشَةُ : لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ لَا تَلُدُّونِي ، فَقُلْنَا : كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي ؟ قُلْنَا : كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَقَالَ : لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ ، إِلَّا الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَلِيٌّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَزَادَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ ) أَمَّا عَلِيٌّ فَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَأَمَّا يَحْيَى فَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَمُرَادُهُ أَنَّ عَلِيًّا وَافَقَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَزَادَ عَلَيْهِ قِصَّةَ اللُّدُودِ .
قَوْلُهُ : ( لَدَدْنَاهُ ) أَيْ جَعَلْنَا فِي جَانِبِ فَمِهِ دَوَاءً بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَهَذَا هُوَ اللُّدُودُ ، فَأَمَّا مَا يُصَبُّ فِي الْحَلْقِ فَيُقَالُ لَهُ : الْوُجُورُ ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُمْ أَذَابُوا قِسْطًا - أَيْ بِزَيْتٍ - فلَّدُوهُ بِهِ . قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ لَا تَلُدُّونِي ، فَقُلْنَا : كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ ) قَالَ عِيَاضٌ : ضَبَطْنَاهُ بِالرَّفْعِ أَيْ هَذَا مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ : هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذَا الِامْتِنَاعُ كَرَاهِيَةٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّصْبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ نَهَانَا لِلْكَرَاهِيَةِ لِلدَّوَاءِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أَيْ كَرِهَهُ كَرَاهِيَةَ الدَّوَاءِ ، قَالَ عِيَاضٌ : الرَّفْعُ أَوْجَهُ مِنَ النَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ . قَوْلُهُ : ( لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا الْعَبَّاسُ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ ) قِيلَ : فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقِصَاصِ فِي جَمِيعِ مَا يُصَابُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَمْدًا ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ لَمْ يَتَعَاطَوْا ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُمْ لِتَرْكِهِمُ امْتِثَالَ نَهْيهِ عَنْ ذَلِكَ ، أَمَّا مَنْ بَاشَرَهُ فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُبَاشِرْهُ فَلِكَوْنِهِمْ تَرَكُوا نَهْيَهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ هُوَ عَنْهُ .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ لَا يُعْذَرُ بِهِ صَاحِبُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي مُعَارَضَةِ النَّهْيِ - قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : - أَرَادَ أَنْ لَا يَأْتُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهِمْ حَقُّهُ فَيَقَعُوا فِي خَطْبٍ عَظِيمٍ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ الْعَفْوُ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ تَأْدِيبَهُمْ لِئَلَّا يَعُودُوا ، فَكَانَ ذَلِكَ تَأْدِيبًا لَا قِصَاصًا وَلَا انْتِقَامًا . قِيلَ : وَإِنَّمَا كَرِهَ اللَّدَّ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَتَدَاوَى لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي مَرَضِهِ ، وَمَنْ حَقَّقَ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ التَّدَاوِي . قُلْتُ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ التَّخْيِيرِ وَالتَّحَقُّقِ ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ التَّدَاوِي لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مُلَائِمٍ لِدَائِهِ ، لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ بِهِ ذَاتَ الْجَنْبِ فَدَاوَوْهُ بِمَا يُلَائِمُهَا ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ كَمَا تَرَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ) وَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سْعَدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ بِهَذَا السَّنَدِ وَلَفْظُهُ : كَانَتْ تَأْخُذُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَاصِرَةُ ، فَاشْتَدَّتْ بِهِ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَدَدْنَاهُ ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : هَذَا مِنْ فِعْلِ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هُنَا ، وَأَشَارَ إِلَى الْحَبَشَةِ ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ عَلَيَّ ذَاتَ الْجَنْبِ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ لَهَا عَلَيَّ سُلْطَانًا ، وَاللَّهِ لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ . فَمَا يبَقِى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ ، وَلَدَدْنَا مَيْمُونَةَ وَهِيَ صَائِمَةٌ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ أَشَارَتَا بِأَنْ يَلُدُّوهُ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَسْمَاءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ : إِنَّ أَوَّلَ مَا اشْتَكَى كَانَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ ، فَتَشَاوَرْنَ فِي لَدِّهِ فَلَدُّوهُ . فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : هَذَا فِعْلُ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هُنَا - وَأَشَارَ إِلَى الْحَبَشَةِ - وَكَانَتْ أَسْمَاءُ مِنْهُنَّ فَقَالُوا : كُنَّا نَتَّهِمُ بِكَ ذَاتَ الْجَنْبِ .
فَقَالَ : مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَنِي بِهِ ، لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ . قَالَ : فَلَقَدِ الْتَدَّتْ مَيْمُونَةُ وَهِيَ صَائِمَةٌ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ هَذِهِ بَيَانُ ضَعْفِ مَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ ذَاتَ الْجَنْبِ تُطْلَقُ بِإِزَاءِ مَرَضَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الطِّبِّ : أَحَدُهُمَا وَرَمٌ حَارٌّ يَعْرِضُ فِي الْغِشَاءِ الْمُسْتَبْطِنِ ، وَالْآخَرُ رِيحٌ مُحْتَقِنٌ بَيْنَ الْأَضْلَاعِ ، فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْفِيُّ هُنَا ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ذَاتُ الْجَنْبِ مِنَ الشَّيْطَانِ وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي أُثْبِتَ هُنَا ، وَلَيْسَ فِيهِ مَحْذُورٌ كَالْأَوَّلِ . الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ حَدِيثُ عَائِشَةَ .