بَاب قَالَ مُجَاهِدٌ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ أَصْحَابِهِمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ
بَاب قَالَ مُجَاهِدٌ : إِلَى شَيَاطِينِهِمْ أَصْحَابِهِمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ ، مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ اللَّهُ جَامِعُهُمْ ، عَلَى الْخَاشِعِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا . قَالَ مُجَاهِدٌ : بِقُوَّةٍ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : مَرَضٌ شَكٌّ ، وَمَا خَلْفَهَا عِبْرَةٌ لِمَنْ بَقِيَ ، لا شِيَةَ لَا بَيَاضَ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : يَسُومُونَكُمْ يُولُونَكُمْ ، الْوَلَايَةُ مَفْتُوحَةٌ مَصْدَرُ الْوَلَاءِ وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ ، إِذَا كُسِرَتْ الْوَاوُ فَهِيَ الْإِمَارَةُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ . وَقَالَ قَتَادَةُ : فَبَاءُوا فَانْقَلَبُوا .
وَقَالَ غَيْرُهُ : يَسْتَفْتِحُونَ يَسْتَنْصِرُونَ ، شَرَوْا بَاعُوا ، رَاعِنَا مِنْ الرُّعُونَةِ ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قَالُوا : رَاعِنًا لا يَجْزِي لَا يُغْنِي ، خُطُوَاتِ مِنْ الْخَطْوِ ، وَالْمَعْنَى : آثَارَهُ ، ابْتَلَى اخْتَبَرَ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ ) كَذَا لَهُمْ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ . قَوْلُهُ : ( قَالَ مُجَاهِدٌ إِلَى آخِرِ مَا أَوْرَدَهُ عَنْهُ مِنَ التَّفَاسِيرِ ) سَقَطَ جَمِيعُ ذَلِكَ لِلسَّرَخْسِيِّ .
قَوْلُهُ : إِلَى شَيَاطِينِهِمْ أَصْحَابُهُمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ شَبَابَةَ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالَ : إِلَى أَصْحَابِهِمْ ، فَذَكَرَهُ . وَمَنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : إِلَى إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرُءُوسِهِمْ وَقَادَتِهِمْ فِي الشَّرِّ ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمَنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْيَهُودِ إِذَا لَقُوا الصَّحَابَةَ قَالُوا : إِنَّا عَلَى دِينِكُمْ ، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ - وَهُمْ أَصْحَابُهُمْ - قَالُوا : إِنَّا مَعَكُمْ . وَالنُّكْتَةُ فِي تَعْدِيَةِ خَلَوْا بِإِلَى مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ أَنَّ الَّذِي يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ يَحْتَمِلُ الِانْفِرَادَ وَالسُّخْرِيَةَ تَقُولُ : خَلَوْتُ بِهِ إِذَا سَخِرْتَ مِنْهُ ، وَالَّذِي يَتَعَدَّى بِإِلَى نَصٌّ فِي الِانْفِرَادِ ، أَفَادَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمَّنَ خَلَا مَعْنَى ذَهَبَ . وَعَلَى طَرِيقَةِ الْكُوفِيِّينَ بِأَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ تَتَنَاوَبُ ، فَإِلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ أَوْ بِمَعْنَى مَعَ . قَوْلُهُ : مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ اللَّهُ جَامِعُهُمْ ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ وَزَادَ : فِي جَهَنَّمَ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ قَالَ : مُنْزِلٌ بِهِمُ النِّقْمَةَ .
( تَنْبِيهٌ ) قَوْلُهُ : وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ جُمْلَةُ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ جُمْلَةِ : يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ وَجُمْلَةِ : يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ قَوْلُهُ : صِبْغَةَ دِينٌ ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : قَوْلُهُ صِبْغَةَ اللَّهِ أَيْ : دِينَ اللَّهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ قَالَ : صِبْغَةَ اللَّهِ أَيْ : فِطْرَتَ اللَّهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ : قَالَ : إِنَّ الْيَهُودَ تَصْبُغُ أَبْنَاءَهَا تَهَوُّدًا ، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى ، وَإِنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ، وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا وَمَنْ كان بَعْدَهُ ، انْتَهَى . وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ صِبْغَةَ بِالنَّصْبِ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ انْتَصَبَ عَنْ قَوْلِهِ : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ عَلَى الْأَرْجَحِ ، وَقِيلَ : مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ ، أَيِ : الْزَمُوا ، وَكَأَنَّ لَفْظَ صِبْغَةٍ وَرَدَ بِطَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ لِأَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يَغْمِسُونَ مَنْ وُلِدَ مِنْهُمْ فِي مَاءِ الْمَعْمُودِيَّةِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُطَهِّرُونَهُمْ بِذَلِكَ ، فَقِيلَ لِلْمُسْلِمِينَ : الْزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ فَإِنَّهَا أَطْهَرُ . قَوْلُهُ : عَلَى الْخَاشِعِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ شَبَابَةَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ فِي قَوْلِهِ : إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ قَالَ : يَعْنِي الْخَائِفِينَ ، وَمِنْ طَرِيقِ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ قَالَ : يَعْنِي بِهِ الْمُتَوَاضِعِينَ .
قَوْلُهُ : ( بِقُوَّةٍ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ ) وَصَلَهُ عَبْدُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : الْقُوَّةُ : الطَّاعَةُ ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ ، وَالسُّدِّيِّ قَالَ : الْقُوَّةُ : الْجِدُّ وَالِاجْتِهَادُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : أَبُو الْعَالِيَةِ : مَرَضٌ : شَكٌّ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَيْ : شَكٌّ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ : الرِّيَاءُ . وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا أَيْ : نِفَاقًا ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قَالَ : رِيبَةٌ وَشَكٌّ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى .
قَوْلُهُ : وَمَا خَلْفَهَا عِبْرَةً لِمَنْ بَقِيَ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا أَيْ : عُقُوبَةً لِمَا خَلَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ ، وَمَا خَلْفَهَا أَيْ : عِبْرَةً لِمَنْ بَقِيَ بَعْدَهُمْ مِنَ النَّاسِ . قَوْلُهُ : لا شِيَةَ فِيهَا لَا بَيَاضَ فِيهَا ) تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ مُوسَى مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : يَسُومُونَكُمْ يُولُونَكُمْ ) هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ، وَالْغَيْرُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ذَكَرَهُ كَذَلِكَ فِي الْغَرِيبِ الْمُصَنَّفِ وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي الْمَجَازِ وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ : إِذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفًا أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الْخَسْفَ فِينَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّوْمُ بِمَعْنَى الدَّوَامِ أَيْ : يُدِيمُونَ تَعْذِيبَكُمْ ، وَمِنْهُ سَائِمَةُ الْغَنَمِ لِمُدَاوَمَتِهَا الرَّعْيَ .
وَقَالَ : الطَّبَرِيُّ مَعْنَى يَسُومُونَكُمْ يُورِدُونَكُمْ ، أَوْ : يُذِيقُونَكُمْ ، أَوْ : يُولُونَكُمْ . قَوْلُهُ : ( الْوَلَايَةُ مَفْتُوحَةً ) أَيْ : مَفْتُوحَةَ الْوَاوِ ( مَصْدَرُ الْوَلَاءِ وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ وَإِذَا كُسِرَتِ الْوَاوُ فَهِيَ الْإِمَارَةُ ) هُوَ مَعْنَى كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ الْوَلَايَةُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ الْوَلْيِ ، وَبِالْكَسْرِ ، وَوَلِيتَ الْعَمَلَ وَالْأَمْرَ تَلِيهِ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْكَهْفِ لَا فِي الْبَقَرَةِ لِيُقَوِّيَ تَفْسِيرَ يَسُومُونَكُمْ يُولُونَكُمْ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بَعْضُهُمُ : الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ ) هَذَا حَكَاهُ الْفَرَّاءُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ عَنْ عَطَاءٍ ، وَقَتَادَةَ قَالَ : الْفُومُ كُلُّ حَبٍّ يُخْتَبَزُ . وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا : أَنَّ الْفُومَ الْحِنْطَةُ ، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ الثُّومُ بِالْمُثَلَّثَةِ . وَبِهِ فَسَّرَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَالْفَاءُ تُبَدَلُ مِنَ الثَّاءِ فِي عِدَّةِ أَسْمَاءٍ فَيَكُونُ هَذَا مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : قَتَادَةُ فَبَاءُوا فَانْقَلَبُوا ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : يَسْتَفْتِحُونَ يَسْتَنْصِرُونَ ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَرَوَى مِثْلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَيْ يَسْتَظْهِرُونَ .
وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُمْ قَالُوا : فِينَا وَفِي الْيَهُودِ نَزَلَتْ ، وَذَلِكَ أَنَّا كُنَّا قَدْ عَلَوْنَاهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانُوا يَقُولُونَ : إِنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَاتَّبَعْنَاهُ كَفَرُوا بِهِ ، فَنَزَلَتْ . وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطَوَّلًا . قَوْلُهُ : ( شَرَوْا بَاعُوا ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا ، قَالَ فِي قَوْلِهِ : وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَيْ : بَاعُوا ، ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ .
قَوْلُهُ : رَاعِنَا مِنَ الرُّعُونَةِ ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قَالُوا رَاعِنَا ) قُلْتُ : هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَوَّنَ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَأَبِي حَيْوَةَ ، وَوَجْهُهُ أَنَّهَا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ : لَا تَقُولُوا قَوْلًا رَاعِنًا ، أَيْ : قَوْلًا ذَا رُعُونَةٍ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : الرَّاعِنُ : السِّخْرِيُّ مِنَ الْقَوْلِ ، نَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْخَرُوا مِنْ مُحَمَّدٍ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُضَمَّنَ الْقَوْلُ التَّسْمِيَةَ ، أَيْ : لَا تُسَمُّوا نَبِيَّكُمْ رَاعِنًا .
الرَّاعِنُ الْأَحْمَقُ ، وَالْأَرْعَنُ مُبَالَغَةٌ فِيهِ . وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : لَا تَقُولُوا رَاعُونَا وَهِيَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ . وَكَذَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِيهِ أَيْضًا : أَرْعُونَا وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ : رَاعِنَا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْمُرَاعَاةِ .
إِنَّمَا نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ ، وَقَدْ فَسَّرَهَا مُجَاهِدٌ : لَا تَقُولُوا اسْمَعْ مِنَّا وَنَسْمَعْ مِنْكَ . وَعَنْ عَطَاءٍ : كَانَتْ لُغَةً تَقُولُهَا الْأَنْصَارُ فَنُهُوا عَنْهَا . وَعَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : كَانَ رَجُلٌ يَهُودِيٌّ يُقَالُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ يَأْتِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقُولُ لَهُ : ارْعُنِي سَمْعَكَ ، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ .
فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَحْسَبُونَ أَنَّ فِي ذَلِكَ تَفْخِيمًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ فَنُهُوا عَنْهُ . وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : رَاعِنَا بِلِسَانِ الْيَهُودِ السَّبُ الْقَبِيحُ ، فَسَمِعَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ خَاطَبُوا بِهَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لَئِنْ سَمِعْتُهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ لَأَضَرِبَنَّ عُنُقَهُ . قَوْلُهُ : لا تَجْزِي لَا تُغْنِي ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا أَيْ : لَا تُغْنِي ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : يَعْنِي لَا تُغْنِي نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ عَنْ نَفْسٍ كَافِرَةٍ مِنَ الْمَنْفَعَةِ شَيْئًا .
قَوْلُهُ : ( خُطُوَاتِ مِنَ الْخَطْوِ ، وَالْمَعْنَى آثَارُهُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ هِيَ الْخُطَا وَاحِدَتُهَا خُطْوَةٌ وَمَعْنَاهَا آثَارُ الشَّيْطَانِ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ : خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ نَزَغَاتُ الشَّيْطَانِ . وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ : خُطُوَاتُ الشَّيْطَانِ : خُطَاهُ .
وَمَنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ : قُلْتُ لِقَتَادَةَ فَقَالَ : كُلُّ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهِيَ مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ : خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ النُّذُورُ فِي الْمَعَاصِي . كَذَا قَالَ ، وَاللَّفْظُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَمِنْ فِي كَلَامِهِ مُقَدَّرَةٌ .
قَوْلُهُ : ( ابْتَلَى اخْتَبَرَ ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَالْأَكْثَرِ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : أَمَرَهُ ، وَثَبَتَ هَذَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ .