بَاب وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى
بَاب قوله : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى مَثَابَةً يَثُوبُونَ : يَرْجِعُونَ . 4483 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : وَافَقْتُ اللَّهَ فِي ثَلَاثٍ - أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلَاثٍ - قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى . وَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ ، قَالَ : وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ نِسَائِهِ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلْتُ : إِنْ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ خَيْرًا مِنْكُنَّ ، حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ قَالَتْ : يَا عُمَرُ ، أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ الْآيَةَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ ، سَمِعْتُ أَنَسًا ، عَنْ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى كَذَا لَهُمْ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْخَاءِ مِنْ قَوْلِهِ : وَاتَّخِذُوا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ، وَقَرَأَ نَافِعٌ ، وَابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ ، وَالْمُرَادُ مَنِ اتَّبَعَ إِبْرَاهِيمَ .
وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : جَعَلْنَا فَالْكَلَامُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَقِيلَ : عَلَى وَإِذْ جَعَلْنَا فَيَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ إِذْ وَيَكُونُ الْكَلَامُ جُمْلَتَيْنِ ، وَقِيلَ : عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَثَابُوا ، أَيْ : رَجَعُوا وَاتَّخَذُوا . وَتَوْجِيهُ قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ مَثَابَةً كَأَنَّهُ قَالَ : ثُوبُوا وَاتَّخِذُوا ، أَوْ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ : وَقُلْنَا اتَّخِذُوا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ لِلِاسْتِئْنَافِ . قَوْلُهُ : ( مَثَابَةً يَثُوبُونَ : يَرْجِعُونَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : قَوْلُهُ تَعَالَى : مَثَابَةً مَصْدَرُ يَثُوبُونَ أَيْ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ ، وَمُرَادُهُ بِالْمَصْدَرِ اسْمُ الْمَصْدَرِ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : هُوَ اسْمُ مَكَانٍ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : مَثَابَةً قَالَ : يَأْتُونَهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَيْهِ لَا يَقْضُونَ مِنْهُ وَطَرًا . قَالَ الْفَرَّاءُ : الْمَثَابَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالْمُقَامِ وَالْمُقَامَةِ .
وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ : الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ لِمَا كَثُرَ مِنْ يَثُوبُ إِلَيْهِ ، كَمَا قَالُوا : سَيَّارَةٌ لِمَنْ يُكْثِرُ السَّيْرَ ، وَالْأَصْلُ فِي مَثَابٍ مَثُوبَةٌ فَأُعِلَّ بِالنَّقْلِ وَالْقَلْبِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ ، وَتَأْتِي قِصَّةُ الْحِجَابِ فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ ، وَالتَّخْيِيرِ فِي تَفْسِيرِ التَّحْرِيمِ . وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : فَانْتَهَيْتُ إِلَى إِحْدَاهُنَّ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ في بَابُ غَيْرَةِ النِّسَاءِ مِنْ أَوَاخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ إِلَخْ ) تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ ، وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : أَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِ عُمَرَ فَمَرَّ بِهِ عَلَى الْمَقَامِ فَقَالَ لَهُ : هَذَا مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ . قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَلَا تَتَّخِذُهُ مُصَلًّى ؟ فَنَزَلَتْ . تَكْمِلَةٌ : قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : إِنَّمَا طَلَبَ عُمَرُ الِاسْتِنَانَ بِإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَعَ النَّهْيِ عَنِ النَّظَرِ فِي كِتَابِ التَّوْرَاةِ لِأَنَّهُ سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا وَقَوْلَهُ تَعَالَى : أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ فَعَلِمَ أَنَّ الِائْتِمَامَ بِإِبْرَاهِيمَ مِنْ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ، وَلِكَوْنِ الْبَيْتِ مُضَافًا إِلَيْهِ ، وَأَنَّ أَثَرَ قَدَمَيْهِ فِي الْمَقَامِ كَرَقْمِ الْبَانِي فِي الْبِنَاءِ لِيُذْكَرَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَرَأَى الصَّلَاةَ عِنْدَ الْمَقَامِ كَقِرَاءَةِ الطَّائِفِ بِالْبَيْتِ اسْمَ مَنْ بَنَاهُ .
انْتَهَى ، وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ لَطِيفَةٌ . ثُمَّ قَالَ : وَلَمْ تَزَلْ آثَارُ قَدَمَيْ إِبْرَاهِيمَ حَاضِرَةً فِي الْمَقَامِ مَعْرُوفَةً عِنْدَ أَهْلِ الْحَرَمِ ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ : وَمَوْطِئُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةً قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ وَفِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : رَأَيْتُ الْمَقَامَ فِيهِ أَصَابِعُ إِبْرَاهِيمَ وَأَخْمَصُ قَدَمَيْهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ أَذْهَبَهُ مَسْحُ النَّاسِ بِأَيْدِيهِمْ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : إِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا عِنْدَهُ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِمَسْحِهِ .
قَالَ : وَلَقَدْ ذَكَرَ لَنَا مَنْ رَأَى أَثَرَ عَقِبِهِ وَأَصَابِعِهِ فِيهَا فَمَا زَالُوا يَمْسَحُونَهُ حَتَّى اخْلَوْلَقَ وَانْمَحَى . وَكَانَ الْمَقَامُ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ لِزْقَ الْبَيْتِ إِلَى أَنْ أَخَّرَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْآنَ . أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ وَلَفْظُهُ : أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ مُلْتَصِقًا بِالْبَيْتِ ثُمَّ أَخَّرَهُ عُمَرُ .
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الَّذِي حَوَّلَهُ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ : كَانَ الْمَقَامُ فِي سَقْعِ الْبَيْتِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَوَّلَهُ عُمَرُ ، فَجَاءَ سَيْلٌ فَذَهَبَ بِهِ فَرَدَّهُ عُمَرُ إِلَيْهِ . قَالَ سُفْيَانُ : لَا أَدْرِي أَكَانَ لَاصِقًا بِالْبَيْتِ أَمْ لَا .
انْتَهَى . وَلَمْ تُنْكِرِ الصَّحَابَةُ فِعْلَ عُمَرَ وَلَا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ فَصَارَ إِجْمَاعًا . وَكَانَ عُمَرُ رَأَى أَنَّ إِبْقَاءَهُ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّضْيِيقُ عَلَى الطَّائِفِينَ أَوْ عَلَى الْمُصَلِّينَ فَوَضَعَهُ فِي مَكَانٍ يَرْتَفِعُ بِهِ الْحَرَجُ ، وَتَهَيَّأَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ أَشَارَ بِاتِّخَاذِهِ مُصَلًّى ، وَأَوَّلُ مَنْ عَمِلَ عَلَيْهِ الْمَقْصُورَةَ الْمَوْجُودَةَ الْآنَ .