حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ الْآيَةَ

وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنِي ، أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ قَالَ : يَأْتِيهَا فِي ، رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ بِسَنَدِهِ ، وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بِسَنَدِهِ . قَوْلُهُ : ( يَأْتِيهَا فِي ) هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ لَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَ الظَّرْفِ وَهُوَ الْمَجْرُورِ ، وَوَقَعَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ يَأْتِيهَا فِي الْفَرْجِ ، وَهُوَ مِنْ عِنْدِهِ بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ .

ثُمَّ وَقَفْتُ عَلَى سَلَفِهِ فِيهِ وَهُوَ الْبَرْقَانِيُّ فَرَأَيْتُ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ زَادَ الْبَرْقَانِيُّ يَعْنِي الْفَرْجَ وَلَيْسَ مُطَابِقًا لِمَا فِي نَفْسِ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لِمَا سَأَذْكُرُهُ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي سِرَاجِ الْمُرِيدِينَ : أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي التَّفْسِيرِ فَقَالَ يَأْتِيهَا فِي وَتَرَكَ بَيَاضًا ، وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ صَنَّفَ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ جُزْءًا ، وَصَنَّفَ فِيهَا ابْنُ شَعْبَانَ كِتَابًا ، وَبَيَّنَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي إِتْيَانِ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا . قَوْلُهُ : ( رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) أَيِ الْقَطَّانُ ( عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) هَكَذَا أَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ ، وَالَّذِي قَبْلَهُ قَدِ اخْتَصَرَهُ كَمَا تَرَى ، فَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُولَى وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عَوْنٍ فَقَدْ أَخْرَجَهَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ وَفِي تَفْسِيرِهِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَقَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فَقَالَ : أَتَدْرُونَ فِيمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : نَزَلَتْ فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ .

وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ مِثْلَهُ ، وَمَنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكَرَابِيسِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ نَحْوَهُ ، أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ عَنْ مُعَاذٍ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ فَأَبْهَمَهُ فَقَالَ فِي كَذَا وَكَذَا . وَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الصَّمَدِ فَأَخْرَجَهَا ابْنُ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنِي أَبِي فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ : يَأْتِيهَا فِي الدُّبُرِ ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَيَرُدُّ قَوْلَ الْحُمَيْدِيِّ . وَهَذَا الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ الْبُخَارِيُّ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ يُسَمَّى الِاكْتِفَاءَ ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نُكْتَةٍ يَحْسُنُ بِسَبَبِهَا اسْتِعْمَالُهُ .

وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ فَوَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْأَعْيَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمَذْكُورِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ : إِنَّمَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ رُخْصَةٌ فِي إِتْيَانِ الدُّبُرِ ، قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِلَّا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ ، كَذَا قَالَ ، وَلَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَيْضًا كَمَا سَأَذْكُرُهُ بَعْدُ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ نَافِعٍ أَيْضًا جَمَاعَةٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا وَرِوَايَاتُهُمْ بِذَلِكَ ثَابِتَةٌ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ وَفِي فَوَائِدِ الْأَصْبَهَانِيِّينَ لِأَبِي الشَّيْخِ وَ تَارِيخِ نَيْسَابُورَ لِلْحَاكِمِ وَ غَرَائِبِ مَالِكٍ ، لِلدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهَا . وَقَدْ عَابَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ صَنِيعَ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ : جَمِيعُ مَا أَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مُبْهَمٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ - يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنْ مَالِكٍ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ نَافِعٍ بِالتَّفْسِيرِ ، وَعَنْ مَالِكٍ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ اهـ . كَلَامُهُ .

وَرِوَايَةُ الدَّرَاوَرْدِيِّ الْمَذْكُورَةِ قَدْ أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِهِ عَنِ الثَّلَاثَةِ عَنْ نَافِعٍ نَحْوَ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْهُ وَلَفْظُهُ : نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَصَابَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَنَزَلَتْ . قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا ، فَقَالَ : لَا ، إِلَّا فِي دُبُرِهَا . وَتَابَعَ نَافِعًا فِي ذَلِكَ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ .

وَتَكَلَّمَ الْأَزْدِيّ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَأَصَابَ قَالَ : وَرِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ لِهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْهُ بِغَيْرِ نَكِيرٍ أَنْ يَرْوِيَهَا عَنْهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ . قُلْتُ : وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَيْضًا ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَسَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ مَا قَالَ نَافِعٌ ، وَرِوَايَتُهُمَا عَنْهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَابْنِ جَرِيرٍ وَلَفْظُهُ : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ قُلْتُ لِمَالِكٍ : إِنَّ نَاسًا يَرْوُونَ عَنْ سَالِمٍ : كَذَبَ الْعَبْدُ عَلَى أَبِي ، فَقَالَ مَالِكٌ : أَشْهَدُ عَلَى زَيْدِ بْنِ رُومَانَ أَنَّهُ أَخْبَرَنِي عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ مَا قَالَ نَافِعٌ ، فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّ الْحَارِثَ بْنَ يَعْقُوبَ يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : أُفٍّ ، أَوَيَقُولُ ذَلِكَ مُسْلِمٌ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : أَشْهَدُ عَلَى رَبِيعَةَ لَأَخْبَرَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ مَا قَالَ نَافِعٌ ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ : هَذَا مَحْفُوظٌ عَنْ مَالِكٍ صَحِيحٌ اهـ . وَرَوَى الْخَطِيبُ فِي الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ بْنِ رَوْحٍ قَالَ : سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : مَا أَنْتُمْ قَوْمُ عَرَبٍ ؟ هَلْ يَكُونُ الْحَرْثُ إِلَّا مَوْضِعَ الزَّرْعِ ؟ وَعَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ اعْتَمَدَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ، فَلَعَلَّ مَالِكًا رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ ، أَوْ كَانَ يَرَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى خِلَافِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ صَحِيحَةً عَلَى قَاعِدَتِهِ .

وَلَمْ يَنْفَرِدِ ابْنُ عُمَرَ بِسَبَبِ هَذَا النُّزُولِ ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَالُوا : نُعَيِّرُهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَعَلَّقَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ زَيْدٍ ، وَهَذَا السَّبَبُ فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَشْهُورٌ ، وَكَأَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ لَمْ يَبْلُغِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَبَلَغَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَوَهَّمَهُ فِيهِ ، فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ ابْنَ عُمَرَ وَهِمَ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ مَعَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ يَهُودَ وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ ، فَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِكَثِيرٍ مِنْ فِعْلِهِمْ ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَا يَأْتُونَ النِّسَاءَ إِلَّا عَلَى حَرْفٍ ، وَذَلِكَ أَسْتُرُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ ، فَأَخَذَ ذَلِكَ الْأَنْصَارُ عَنْهُمْ ، وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ يَتَلَذَّذُونَ بِنِسَائِهِمْ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ ، فَتَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ فَذَهَبَ يَفْعَلُ فِيهَا ذَلِكَ فَامْتَنَعَتْ ، فَسَرَى أَمْرُهُمَا حَتَّى بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ ، فِي الْفَرْجِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلَكْتُ . حَوَّلْتُ رَحْلِي الْبَارِحَةَ ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ ، وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْحَيْضَةَ ، وَهَذَا الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ الْآيَةُ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ كَمَا سَأَذْكُرُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ . وَرَوَى الرَّبِيعُ فِي الْأُمِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : احْتَمَلَتِ الْآيَةُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تُؤْتَى الْمَرْأَةُ حَيْثُ شَاءَ زَوْجُهَا ، لِأَنَّ أَنَّى بِمَعْنَى أَيْنَ شِئْتُمْ ، وَاحْتَمَلَتْ أَنْ يُرَادَ بِالْحَرْثِ مَوْضِعُ النَّبَاتِ ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْوَلَدُ هُوَ الْفَرْجُ دُونَ مَا سِوَاهُ ، قَالَ : فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ ، وَأَحْسَبُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ تَأَوَّلَ مَا وَصَفْتُ مِنِ احْتِمَالِ الْآيَةِ ، قَالَ : فَطَلَبْنَا الدَّلَالَةَ فَوَجَدْنَا حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا ثَابِتٌ وَهُوَ حَدِيثُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ فِي التَّحْرِيمِ ، فَقَوَّى عِنْدَهُ التَّحْرِيمَ .

وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ حَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ مُنَاظَرَةً جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّ ابْنَ الْحَسَنِ احْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْحَرْثَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْفَرْجِ ، فَقَالَ لَهُ : فَيَكُونُ مَا سِوَى الْفَرْجِ مُحَرَّمًا ، فَالْتَزَمَهُ . فَقَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ وَطِئَهَا بَيْنَ سَاقَهَا أَوْ فِي أَعْكَانِهَا أَفِي ذَلِكَ حَرْثٌ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : أَفَيَحْرُمُ ؟ قَالَ : لَا .

قَالَ : فَكَيْفَ تَحْتَجُّ بِمَا لَا تَقُولُ بِهِ . قَالَ الْحَاكِمُ : لَعَلَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْقَدِيمِ ، وَأَمَّا فِي الْجَدِيدِ فَصَرَّحَ بِالتَّحْرِيمِ اهـ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَلْزَمَ مُحَمَّدًا بِطَرِيقِ الْمُنَاظَرَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا انْتَصَرَ لِأَصْحَابِهِ الْمَدَنِيِّينَ ، وَالْحُجَّةُ عِنْدَهُ فِي التَّحْرِيمِ غَيْرُ الْمَسْلَكِ الَّذِي سَلَكَهُ مُحَمَّدٌ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ كَلَامُهُ فِي الْأُمِّ .

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتَعَلَّقَ مَنْ قَالَ بِالْحِلِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَانْفَصَلَ عَنْهَا مَنْ قَالَ يَحْرُمُ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِالسَّبَبِ الْوَارِدِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الرَّدِّ عَلَى الْيَهُودِ ، يَعْنِي كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ الْآتِي . قَالَ : وَالْعُمُومُ إِذَا خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ قُصِرَ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ ، وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ حُجَّةً فِي الْجَوَازِ ، لَكِنْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِالْمَنْعِ فَتَكُونُ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَفِي تَخْصِيصِ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِبَعْضِ خَبَرِ الْآحَادِ خِلَافٌ اهـ . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ - كَالْبُخَارِيِّ ، وَالذُّهْلِيِّ ، وَالْبَزَّارِ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَأَبِي عَلِيِّ النَّيْسَابُورِيِّ - إِلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ .

قُلْتُ : لَكِنْ طُرُقُهَا كَثِيرَةٌ فَمَجْمُوعُهَا صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ ، وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِالتَّحْرِيمِ أَنَّا لَوْ قَدَّمْنَا أَحَادِيثَ الْإِبَاحَةِ لَلَزِمَ أَنَّهُ أُبِيحَ بَعْدَ أَنْ حَرُمَ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ، فَمِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّالِحَةِ الْإِسْنَادِ حَدِيثُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الإِشَارَةٌ إِلَيْهِ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ صَلَحَ أَنْ يُخَصِّصَ عُمُومَ الْآيَةِ ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْإِتْيَانِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَعْنَى أَنَّى حَيْثُ وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى السِّيَاقِ ، وَيُغْنِي ذَلِكَ عَنْ حَمْلِهَا عَلَى مَعْنًى آخَرَ غَيْرِ الْمُتَبَادِرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث