بَاب وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
بَاب وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ 4548 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ قَوْلُهُ : ( بَابُ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِهِ وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . وَقَدْ طَعَنَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَتَوَقَّفَ فِي صِحَّتِهِ فَقَالَ : إِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَطْمَعُ الشَّيْطَانُ فِي إِغْوَائِهِ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا فَإِنَّهُمَا كَانَا مَعْصُومَيْنِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فِي صِفَتِهِمَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾قَالَ : وَاسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ تَخْيِيلٌ لِطَمَعِهِ فِيهِ كَأَنَّهُ يَمَسُّهُ وَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ وَيَقُولُ : هَذَا مِمَّنْ أُغْوِيهِ . وَأَمَّا صِفَةُ النَّخْسِ كَمَا يَتَوَهَّمَهُ أَهْلُ الْحَشْوِ فَلَا ، وَلَوْ مَلَكَ إِبْلِيسُ عَلَى النَّاسِ نَخْسَهُمْ لَامْتَلَأَتِ الدُّنْيَا صُرَاخًا انْتَهَى .
وَكَلَامُهُ مُتَعَقَّبٌ مِنْ وُجُوهٍ ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ لَا إِشْكَالَ فِي مَعْنَاهُ ، وَلَا مُخَالَفَةَ لِمَا ثَبَتَ مِنْ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ بَلْ ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ إِبْلِيسَ مُمَكَّنٌ مِنْ مَسِّ كُلِّ مَوْلُودٍ عِنْدَ وِلَادَتِهِ ، لَكِنْ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ الْمَسُّ أَصْلًا ، وَاسْتَثْنَى مِنَ الْمُخْلَصِينَ مَرْيَمَ وَابْنَهَا فَإِنَّهُ ذَهَبَ يَمَسُّ عَلَى عَادَتِهِ فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ ، فَهَذَا وَجْهُ الِاخْتِصَاصِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَسَلُّطُهُ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُخْلَصِينَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَوْ مَلَكَ إِبْلِيسُ إِلَخْ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ جُعِلَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ أَنْ يَسْتَمِرَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ هَذَا الْإِشْكَالَ وَبَالَغَ فِي تَقْرِيرِهِ عَلَى عَادَتِهِ وَأَجْمَلَ الْجَوَابَ فَمَا زَادَ عَلَى تَقْرِيرِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ خَبَرٌ وَاحِدٌ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُغْوِي مَنْ يَعْرِفُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ ، وَالْمَوْلُودُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ لَوْ مُكِّنَ مِنْ هَذَا الْقَدرِ لَفَعَلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ إِهْلَاكٍ وَإِفْسَادٍ ، وَأَنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لِمَرْيَمَ وَعِيسَى بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمَا ، إِلَى آخِرِ كَلَامِ الْكَشَّافِ . ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ مُحْتَمَلَةٌ ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْخَبَرِ انْتَهَى ، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْجَوَابِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالْجَوَابُ عَنْ إِشْكَالِ الْإِغْوَاءِ يُعْرَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَيْضًا ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ ذَلِكَ جُعِلَ عَلَامَةً فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِغْوَائِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .