بَاب إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي اَلدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ
بَاب إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَسْفَلَ النَّارِ . نَفَقًا سَرَبًا 4602 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ ، عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ : كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللَّهِ ، فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ ، قَالَ الْأَسْوَدُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ ، فَرَمَانِي بِالْحَصَا ، فَأَتَيْتُهُ ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ : عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ ، لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ ، ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ : بَابُ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَسْفَلُ النَّارِ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الدَّرْكُ الْأَسْفَلُ : أَسْفَلَ النَّارِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : عَذَابُ الْمُنَافِقِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الْكَافِرِ ؛ لِاسْتِهْزَائِهِ بِالدِّينِ . قَوْلُهُ : نَفَقًا سَرَبًا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ لَيْسَتْ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَإِنَّمَا هـِيَ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ ، وَلَعَلَّ مُنَاسَبَةَ ذِكْرِهَا هُنَا لِلْإِشَارَةِ إِلَى اشْتِقَاقِ النِّفَاقِ ؛ لِأَنَّ النِّفَاقَ إِظْهَارُ غَيْرِ مَا يُبْطِنُ ، كَذَا وَجَّهَهُ الْكَرْمَانِيُّ ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ مِمَّا قَالُوهُ فِي اشْتِقَاقِ النِّفَاقِ أَنَّهُ مِنَ النَّافِقَاءِ وَهُوَ جُحْرُ الْيَرْبُوعِ ، وَقِيلَ : هُوَ مِنَ النَّفَقِ وَهُوَ السَّرَبِ ، حَكَاهُ فِي النِّهَايَةِ .
قَوْلُهُ : ( إِبْرَاهِيمُ ) هُوَ النَّخَعِيُّ ، وَالْأَسْوَدُ خَالُهُ ، وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ . قَوْلُهُ : ( كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللَّهِ ) يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ . قَوْلُهُ : ( فَجَاءَ حُذَيْفَةُ ) هُوَ ابْنُ الْيَمَانِ .
قَوْلُهُ : ( لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ ) أَيِ : ابْتُلُوا بِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ طَبَقَةِ الصَّحَابَةِ ، فَهُمْ خَيْرٌ مِنْ طَبَقَةِ التَّابِعِينَ ، لَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُمْ فَارْتَدُّوا وَنَافَقُوا فَذَهَبَتِ الْخَيْرِيَّةُ مِنْهُمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَابَ فَعَادَتْ لَهُ الْخَيْرِيَّةُ ، فَكَأَنَّ حُذَيْفَةَ حَذَّرَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ وَأَشَارَ لَهُمْ أَنْ لَا يَغْتَرُّوا ؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ تَتَقَلَّبُ ، فَحَذَّرَهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْإِيمَانِ ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالْخَاتِمَةِ ، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِي غَايَةِ الْوُثُوقِ بِإِيمَانِهِمْ ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَأْمَنُوا مَكْرَ اللَّهِ ؛ فَإِنَّ الطَّبَقَةَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَهُمُ الصَّحَابَةُ كَانُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ، وَمَعَ ذَلِكَ وُجِدَ بَيْنَهُمْ مَنِ ارْتَدَّ وَنَافَقَ ، فَالطَّبَقَةُ الَّتِي هِيَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَمْكَنُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللَّهِ كَأَنَّهُ تَبَسَّمَ تَعَجُّبًا مِنْ صِدْقِ مَقَالَتِهِ . قَوْلُهُ : ( فَرَمَانِي ) أَيْ : حُذَيْفَةُ رَمَى الْأَسْوَدَ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ .
قَوْلُهُ : ( عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ ) أَيْ : مِنِ اقْتِصَارِهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ ، أَيْ : فَهِمَ مُرَادِي وَعَرَفَ أَنَّهُ الْحَقُّ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) أَيْ : رَجَعُوا عَنِ النِّفَاقِ . وَيُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّ الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ وَالْإِخْلَاصَ وَالنِّفَاقَ كُلٌّ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيرِهِ وَإِرَادَتِهِ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ صِحَّةُ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ وَقَبُولُهَا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ ؛ فَإِنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .