حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ

سُورَةُ الْأَنْعَامِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ مَعْذِرَتُهُمْ ، مَعْرُوشَاتٍ مَا يُعْرَشُ مِنْ الْكَرْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، حَمُولَةً مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا ، وَلَلَبَسْنَا لَشَبَّهْنَا ، لأُنْذِرَكُمْ بِهِ أَهْلَ مَكَّةَ ، وَيَنْأَوْنَ يَتَبَاعَدُونَ ، تُبْسَلُ : تُفْضَحُ ، أُبْسِلُوا أُفْضِحُوا ، بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ الْبَسْطُ الضَّرْبُ ، اسْتَكْثَرْتُمْ أَضْلَلْتُمْ كَثِيرًا ، مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ ثَمَرَاتِهِمْ وَمَالِهِمْ نَصِيبًا وَلِلشَّيْطَانِ وَالْأَوْثَانِ نَصِيبًا ، أَكِنَّةً وَاحِدُهَا كِنَانٌ ، أَمَّا اشْتَمَلَتْ يَعْنِي هَلْ تَشْتَمِلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ، فَلِمَ تُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَتُحِلُّونَ بَعْضًا ؟ مَسْفُوحًا مُهْرَاقًا ، وَصَدَفَ أَعْرَضَ ، أُبْلِسُوا : أُويِسُوا ، أُبْلسوا : أويسوا ، سَرْمَدًا دَائِمًا ، اسْتَهْوَتْهُ أَضَلَّتْهُ ، يَمْتَرُونَ يشركونَ ، وَقْرٌ صَمَمٌ ، وَأَمَّا الْوِقْرُ فَهُو الْحِمْلُ ، أَسَاطِيرُ وَاحِدُهَا أُسْطُورَةٌ وَإِسْطَارَةٌ وَهْيَ التُّرَّهَاتُ ، الْبَأْسَاءِ مِنْ الْبَأْسِ ، وَيَكُونُ مِنْ الْبُؤْسِ ، جَهْرَةً مُعَايَنَةً ، الصُّوَرُ : جَمَاعَةُ صُورَةٍ كَقَوْلِهِ سُورَةٌ وَسُوَرٌ ، مَلَكُوتٌ ومُلْكٌ مِثْلُ رَهَبُوتٍ خَيْرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ ، وَيَقُولُ : تُرْهَبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُرْحَمَ ، جَنَّ أَظْلَمَ ، تَعَالَى عَلَا ، وَإِنْ تَعْدِلْ : تُقْسِطْ ، لَا يُقْبَلْ مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، يُقَالُ : عَلَى اللَّهِ حُسْبَانُهُ أَيْ حِسَابُهُ ، وَيُقَالُ : حُسْبَانًا مَرَامِيَ رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ مُسْتَقِرٌّ : فِي الصُّلْبِ ، وَمُسْتَوْدَعٌ فِي الرَّحِمِ ، الْقِنْوُ : الْعِذْقُ وَالِاثْنَانِ قِنْوَانِ وَالْجَمَاعَةُ أَيْضًا قِنْوَانٌ مِثْلُ صِنْوٍ وصِنْوَانٍ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ الْأَنْعَامِ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ مَعْذِرَتُهُمْ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ ، وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : فِتْنَتُهُمْ مَقَالَتُهُمْ ، قَالَ : وَسَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ مَعْذِرَتُهُمْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ قَالَ : مَعْذِرَتُهُمْ .

قَوْلُهُ : مَعْرُوشَاتٍ مَا يُعَرِّشُ مِنَ الْكَرْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ) كَذَا ثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ قَالَ : مَا يُعَرِّشُ مِنَ الْكُرُومِ ، وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ مَا لَا يُعَرِّشُ ، وَقِيلَ : الْمَعْرُوشُ مَا يَقُومُ عَلَى سَاقٍ ، وَغَيْرُ الْمَعْرُوشِ مَا يُبْسَطُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ . قَوْلُهُ : حَمُولَةً مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : حَمُولَةً وَفَرْشًا فَأَمَّا الْحَمُولَةُ فَالْإِبِلُ وَالْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ وَكُلُّ شَيْءٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الْفَرْشُ صِغَارُ الْإِبِلِ الَّتِي لَمْ تُدِرُّ وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهَا . وَقَالَ مَعْمَرُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ : الْحَمُولَةُ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْهَا ، وَالْفَرْشُ حَوَاشِيهَا يَعْنِي صِغَارَهَا .

قَالَ قَتَادَةُ : وَكَانَ غَيْرُ الْحَسَنِ يَقُولُ : الْحَمُولَةُ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْفَرْشُ الْغَنَمُ ، أَحْسِبُهُ ذَكَرَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : الْحَمُولَةُ مَا حُمِلَ مِنَ الْإِبِلِ ، وَالْفَرْشُ الصِّغَارُ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ . قَوْلُهُ : وَلَلَبَسْنَا لَشَبَّهْنَا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ يَقُولُ : لَشَبَّهْنَا عَلَيْهِمْ . قَوْلُهُ : لأُنْذِرَكُمْ بِهِ أَهْلَ مَكَّةَ ) هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَكَذَا ثَبَتَ عِنْدَ النَّسَفِيِّ ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ ، وَقَوْلُهُ : وَمَنْ بَلَغَ قَالَ : وَمَنْ بَلَغَهُ هَذَا الْقُرْآنُ مِنَ النَّاسِ فَهُوَ لَهُ نَذِيرٌ .

قَوْلُهُ : وَيَنْأَوْنَ يَتَبَاعَدُونَ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ قَالَ : يَتَبَاعَدُونَ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أَيْ يَتَبَاعَدُونَ عَنْهُ ، وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَنْهَى الْمُشْرِكِينَ عَنْ أَذَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيَتَبَاعَدُ عَمَّا جَاءَ بِهِ . وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَوْلُهُ : تُبْسَلَ تُفْضَحُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ يَعْنِي أَنْ تُفْضَحَ .

وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَنْ تُبْسَلَ أَيْ تُسْلَمَ ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ تُحْبَسُ . قَوْلُهُ : أُبْسِلُوا أُفْضِحُوا ) كَذَا فِيهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَهِيَ لُغَةٌ ، يُقَالُ : فَضَحَ وَأَفْضَحَ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا يَعْنِي فُضِحُوا ، وَقَدْ مَضَى كَمَا تَرَى لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ تَفْسِيرٌ آخَرُ عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنْكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هَذَا التَّفْسِيرَ الْأَوَّلَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ الْبَسْطُ الضَّرْبُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ قَالَ : هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَالْبَسْطُ الضَّرْبُ .

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَكْثَرْتُمْ أَضْلَلْتُمْ كَثِيرًا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ ثَمَرَاتِهِمْ وَمَالِهِمْ نَصِيبًا ، وَلِلشَّيْطَانِ وَالْأَوْثَانِ نَصِيبًا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا الْآيَةَ ، قَالَ : جَعَلُوا لِلَّهِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ فَإِنْ سَقَطَ مِنْ ثَمَرَةِ مَا جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ نَصِيبِ الشَّيْطَانِ تَرَكُوهُ ، وَإِنْ سَقَطَ مِمَّا جَعَلُوا لِلشَّيْطَانِ فِي نَصِيبِ اللَّهِ لَقَطُوهُ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانُوا يُسَمُّونَ لِلَّهِ جُزْءًا مِنَ الْحَرْثِ وَلِشُرَكَائِهِمْ جُزْءًا ، فَمَا ذَهَبَتْ بِهِ الرِّيحُ مِمَّا سَمَّوْا لِلَّهِ إِلَى جُزْءِ أَوْثَانِهِمْ تَرَكُوهُ وَقَالُوا : اللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ هَذَا ، وَمَا ذَهَبَتْ بِهِ الرِّيحُ مِنْ جُزْءِ أَوْثَانِهِمْ إِلَى جُزْءِ اللَّهِ أَخَذُوهُ . وَالْأَنْعَامُ الَّتِي سَمَّى اللَّهُ هِيَ الْبَحِيرَةُ وَالسَّائِبَةُ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي الْمَائِدَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَخْبَارِ الْجَاهِلِيَّةِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَأَشَارَ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ .

قَوْلُهُ : أَكِنَّةً وَاحِدُهَا كِنَانٌ ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَاحِدُهَا كِنَانٌ أَيْ أَغْطِيَةٌ ، وَمِثْلُهُ أَعِنَّةٌ وَعِنَانٌ وَأَسِنَّةٌ وَسِنَانٌ . قَوْلُهُ : سَرْمَدًا دَائِمًا ) كَذَا وَقَعَ هُنَا ، وَلَيْسَ هَذَا فِي الْأَنْعَامِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ سَرْمَدًا أَيْ دَائِمًا ، قَالَ : وَكُلُّ شَيْءٍ لَا يَنْقَطِعُ فَهُوَ سَرْمَدٌ . وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : كَأَنَّهُ ذَكَرَهُ هُنَا لِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ ( وَجَاعِل اللَّيْلَ سَكَنًا ) .

قَوْلُهُ : وَقْرًا صَمَمٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا أَيِ الثِّقَلَ وَالصَّمَمَ وَإِنْ كَانُوا يَسْمَعُونَ ، لَكِنَّهُمْ صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ وَالْهُدَى . وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا قَالَ : يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ وَلَا يَعُونَ مِنْهَا شَيْئًا كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تَسْمَعُ الْقَوْلَ وَلَا تَدْرِي مَا يُقَالُ لَهَا ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ الْوَاوِ ، وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِكَسْرِهَا . قَوْلُهُ : ( وَأَمَّا الْوِقْرُ ) أَيْ بِكَسْرِ الْوَاوِ ( فَإِنَّهُ الْحِمْلُ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ مُتَّصِلًا بِكَلَامِهِ الَّذِي قَبْلَهُ فَقَالَ : الْوِقْرُ الْحِمْلُ إِذَا كَسَرْتَهُ .

وَأَفَادَ الرَّاغِبُ الْوِقْرُ حِمْلُ الْحِمَارِ ، وَالْوَسْقُ حِمْلُ الْجَمَلِ ، وَالْمَعْنَى عَلَى قِرَاءَةِ الْكَسْرِ أَنَّ فِي آذَانِهِمْ شَيْئًا يَسُدُّهَا عَنِ اسْتِمَاعِ الْقَوْلِ ثَقِيلًا كَوِقْرِ الْبَعِيرِ . قَوْلُهُ : ( أَسَاطِيرٌ وَاحِدُهَا أُسْطُورَةٌ وَأسْطَارَةٌ وَهِيَ التُّرَّهَاتُ ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا ، قَالَ فِي قَوْلِهِ : إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ وَاحِدُهَا أُسْطُورَةٌ وَأسْطَارَةٌ وَمَجَازُهَا التُّرَّهَاتُ انْتَهَى . وَالتُّرَّهَاتُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَصْلُهَا بِنْيَاتُ الطَّرِيقِ ، وَقِيلَ إِنَّ تَاءَهَا مُنْقَلِبَةٌ مِنْ وَاوٍ وَأَصْلُهَا الْوَرَهُ وَهُوَ الْحُمْقُ .

قَوْلُهُ : ( الْبَأْسَاءُ مِنَ الْبَأْسِ وَيَكُونُ مِنَ الْبُؤْسِ ) هُوَ مَعْنَى كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ هِيَ الْبَأْسُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَالْبُؤْسُ ، انْتَهَى . وَالْبَأْسُ الشِّدَّةُ وَالْبُؤْسُ الْفَقْرُ ، وَقِيلَ الْبَأْسُ الْقَتْلُ وَالْبُؤْسُ الضُّرُّ . قَوْلُهُ : جَهْرَةً مُعَايَنَةٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَيْ فَجْأَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ، أَوْ جَهْرَةً ، أَيْ عَلَانِيَةً وَهُمْ يَنْظُرُونَ .

قَوْلُهُ : ( الصُّوَرُ جَمَاعَةُ صُورَةٍ كَقَوْلِكَ سُورَةٌ وَسُوَرٌ ) بِالصَّادِ أَوَّلًا وَبِالسِّينِ ثَانِيًا كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ فَفِيهَا كَقَوْلِهِ صُورَةٌ وَصُوَرٌ بِالصَّادِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَالِاخْتِلَافُ فِي سُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ يُقَالُ إِنَّهَا جَمْعُ صُورَةٍ يُنْفَخُ فِيهَا رُوحُهَا فَتَحْيَا ، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ سُوَرُ الْمَدِينَةِ وَاحِدُهَا سُورَةٌ ، قَالَ النَّابِغَةُ : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً يُرَى كُلُّ مَلِكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ انْتَهَى . وَالثَّابِتُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الصُّورَ قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ ، وَهُوَ وَاحِدٌ لَا اسْمَ جَمْعٍ ، وَحَكَى الْفِرَاءُ الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ فِي الْأَوَّلِ : فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ النَّفْخُ فِي الْمَوْتَى ، وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ الْحَسَنَ قَرَأَهَا بِفَتْحِ الْوَاوِ ، وَسَبَقَ النُّحَاسُ فَقَالَ : لَيْسَتْ بِقِرَاءَةٍ ، وَأَثْبَتَهَا أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ قِرَاءَةً فِي كِتَابِهِ إِعْرَابِ الشَّوَاذِّ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( يُقَالُ عَلَى اللَّهِ حُسْبَانُهُ ) أَيْ حِسَابُهُ ، تَقَدَّمَ هَذَا فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا قَالَ : يَدُورَانِ فِي حِسَابٍ .

وَعَنِ الْأَخْفَشِ قَالَ : حُسْبَانٌ جَمْعُ حِسَابٍ مِثْلُ شُهْبَانٍ جَمْعُ شِهَابٍ . قَوْلُهُ : ( تَعَالَى : عَلَا ) وَقَعَ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ تَعَالَى اللَّهُ عَلَا اللَّهُ ، وَهُوَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ أَيْضًا . قَوْلُهُ : حُسْبَانًا مَرَامِيَ وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ .

قَوْلُهُ : جَنَّ أَظْلَمَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أَيْ غَطَّى عَلَيْهِ وَأَظْلَمَ ، وَمَا جَنَّكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جِنَانٌ لَكَ أَيْ غِطَاءٌ . قَوْلُهُ : مُسْتَقَرٌّ فِي الصُّلْبِ وَمُسْتَوْدَعٌ فِي الرَّحِمِ ) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا ، وَقَدْ قَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَالَ : مُسْتَقَرٌّ فِي الرَّحِمِ وَمُسْتَوْدَعٌ فِي الصُّلْبِ ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ . وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : مُسْتَقَرٌّ فِي صُلْبِ الْأَبِ وَمُسْتَوْدَعٌ فِي رَحِمِ الْأُمِّ ، وَكَذَا أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : مُسْتَقَرُّهَا فِي الدُّنْيَا وَمُسْتَوْدَعُهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِهِ : الْمُسْتَقَرُّ الرَّحِمُ وَالْمُسْتَوْدَعُ الْأَرْضُ .

( تَنْبِيهٌ ) : قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ كَثِيرٍ ( فَمُسْتَقِرٌّ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا ، وَقَرَأَ الْجَمِيعُ ( مُسْتَوْدَعٌ ) بِفَتْحِ الدَّالِ إِلَّا رِوَايَةً عَنْ أَبِي عَمْرٍو فَبِكَسْرِهَا . قَوْلُهُ : ( الْقِنْوُ : الْعِذْقُ ، وَالِاثْنَانِ قِنْوَانِ ، وَالْجَمَاعَةُ أَيْضًا مِثْلُ صِنْوان وَصِنْوَانٍ ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ تَكْرِيرُ صِنْوَانٍ الْأُولَى مَجْرُورَةَ النُّونِ وَالثَّانِيَةُ مَرْفُوعَةٌ ، وَسَقَطَتِ الثَّانِيَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . وَيُوَضِّحُ الْمُرَادَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ الَّذِي هُوَ مَنْقُولٌ مِنْهُ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ قَالَ : الْقِنْوُ هُوَ الْعِذْقُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ يَعْنِي الْعُنْقُودَ ، وَالِاثْنَانِ قِنْوَانِ ، وَالْجَمْعُ قِنْوَانٌ كَلَفْظِ الِاثْنَيْنِ ، إِلَّا أَنَّ الِاثْنَيْنِ مَجْرُورَةٌ وَنُونُ الْجَمْعِ يَدْخُلُهُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَالْجَرُّ ، وَلَمْ نَجِدْ مِثْلَهُ غَيْرَ صِنْوٍ وَصِنْوَانِ وَالْجَمْعُ صِنْوَانٌ .

وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى قِنْوَانٍ وَصِنْوَانٍ وَقَعَ الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيِّ فِي إِرَادَةِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ ، فَإِذَا وَصَلَ ظَهَرَ الْفَرْقُ ، فَيَقَعُ الْإِعْرَابُ عَلَى النُّونِ فِي الْجَمْعِ دُونَ التَّثْنِيَةِ فَإِنَّهَا مَكْسُورَةُ النُّونِ خَاصَّةً ، وَيَقَعُ الْفَرْقُ أَيْضًا بِانْقِلَابِ الْأَلِفِ فِي التَّثْنِيَةِ حَالَ الْجَرِّ وَالنَّصْبِ بِخِلَافِهَا فِي الْجَمْعِ ، وَكَذَا بِحَذْفِ نُونِ التَّثْنِيَةِ فِي الْإِضَافَةِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَرَأَ الْجُمْهُورُ ( قِنْوَانٌ ) بِكَسْرِ الْقَافِ ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ ، وَالْأَعْرَجُ - وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو - بِضَمِّهَا وَهِيَ لُغَةُ قَيْسٍ ، وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو رِوَايَةٌ أَيْضًا بِفَتْحِ الْقَافِ ، وَخَرَّجَهَا ابْنُ جِنِّيِّ عَلَى أَنَّهَا اسْمٌ لِقِنْوٍ لَا جَمْعٌ ، وَفِي الشَّوَاذِّ قِرَاءَةٌ أُخْرَى . قَوْلُهُ : ( مَلَكُوتٌ وَمُلْكٌ رَهَبُوتٌ رَحَمُوتٌ ، وَتَقُولُ تُرْهِبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرْحَمَ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَفِيهِ تَشْوِيشٌ ، وَلِغَيْرِهِ مَلَكُوتٌ مُلْكٌ ، مِثْلُ رَهَبُوتٌ خَيْرُ مِنْ رَحَمُوتٍ ، وَتَقُولُ تُرْهِبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرْحَمَ ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ .

فَسَّرَ مَعْنَى مَلَكُوتٍ بِمُلْكٍ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ وَزْنَهُ رَهَبُوتٌ وَرَحَمُوتٌ ، وَيُوَضِّحُهُ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَيْ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ ، خَرَجَ مَخْرَجَ قَوْلِهِ فِي الْمَثْلِ رَهَبُوتٌ خَيْرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ ، أَيْ رَهْبَةٌ خَيْرٌ مِنْ رَحْمَةٍ ، انْتَهَى . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مَلَكُوتٌ بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَقَرَأَ أَبُو السِّمَاكِ بِسُكُونِهَا ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ حُمَيْدٍ ، وَالطَّبَرِيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهِيَ بِالنَّبَطِيَّةِ مَلْكُوثَا أَيْ بِسُكُونِ اللَّامِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَزِيَادَةِ أَلِفٍ ، وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ مُعَرَّبَةً وَالْأَوْلَى مَا تَقَدَّمَ وَأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ مُلْكٍ كما وَرَدَ مِثْلُهُ فِي رَهَبُوتٍ وَجَبَرُوتٍ . قَوْلُهُ : وَإِنْ تَعْدِلْ تُقْسِطُ ، لَا يُقْبَلُ مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ ، وَقَدْ حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَاسْتَنْكَرَهُ ، وَفَسَّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْعَدْلَ بِالتَّوْبَةِ ، قَالَ : لِأَنَّ التَّوْبَةَ إِنَّمَا تَنْفَعُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ ، وَالْمَشْهُورُ مَا رَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أَيْ لَوْ جَاءَتْ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ ، فَجَعَلَهُ مِنَ الْعِدْلِ بِمَعْنَى الْمِثْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ .

قَوْلُهُ : أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ يَعْنِي هَلْ تَشْمَلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ، فَلِمَ تُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَتُحِلُّونَ بَعْضًا ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا ، وَلِغَيْرِهِ فِي أَوَائِلِ التَّفَاسِيرِ وَهُوَ أَصْوَبُ ، وَهُوَ إِرْدَافُهُ عَلَى تَفَاسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ ، وَوَقَعَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الرُّوَاةِ فَلِمَ تُحَرِّمُوا وَلِمَ تُحَلِّلُوا بِغَيْرِ نُونٍ فِيهِمَا ، وَحَذْفُ النُّونِ بِغَيْرِ نَاصِبٍ وَلَا جَازِمٍ لُغَةٌ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ قَوْلُهُ : قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ يَقُولُ أَجَاءَكُمُ التَّحْرِيمُ فِيمَا حَرَّمْتُمْ مِنَ السَّائِبَةِ وَالْبَحِيرَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ مِنْ قِبَلِ الذَّكَرَيْنِ أَمْ مِنَ الْأُنْثَيَيْنِ ؟ فَإِنْ قَالُوا مِنْ قِبَلِ الذَّكَرِ لَزِمَ تَحْرِيمَ كُلِّ ذَكَرِ ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُنْثَى فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ قَالُوا مِنْ قِبَلِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الرَّحِمِ لَزِمَ تَحْرِيمَ الْجَمِيعِ لِأَنَّ الرَّحِمَ لَا يَشْتَمِلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَخْبَارِ الْجَاهِلِيَّةِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَاقْرَأِ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةً مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ ، يَعْنِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةَ . قَوْلُهُ : مَسْفُوحًا مِهْرَاقًا ) وَقَعَ هَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَيْ مِهْرَاقًا مَصْبُوبًا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سَفَحَ الدَّمْعُ أَيْ سَالَ .

قَوْلُهُ : ( صَدَفَ : أَعْرَضَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ أَيْ يُعْرِضُونَ ، يُقَالُ صَدَفَ عَنِّي بِوَجْهِهِ أَيْ أَعْرَضَ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : يَصْدِفُونَ أَيْ يُعْرِضُونَ عَنْهَا . قَوْلُهُ : ( أُبْلِسُوا : أُويِسُوا ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَلِغَيْرِهِ أَيِسُوا بِغَيْرِ وَاوٍ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ الْمُبْلِسُ الْحَزِينُ النَّادِمُ ، قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلَاسٌ أَيِ اكْتِئَابٌ وَحُزْنٌ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : قَوْلُهُ : فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ الْمُبْلِسُ الْبَائِسُ الْمُنْقَطِعُ رَجَاؤُهُ ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ الَّذِي يَسْكُتُ عِنْدَ انْقِطَاعِ حُجَّتِهِ فَلَا يُجِيبُ : قَدْ أَبْلَسَ ، قَالَ الْعَجَّاجُ : يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا دَارِسًا قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ وَأَبْلَسَا وَتَفْسِيرُ الْمُلبسِ بِالْحَزِينِ بِالْبَائِسِ مُتَقَارِبٌ . قَوْلُهُ : أُبْسِلُوا أُسْلِمُوا ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا أَيْ أُسْلِمُوا ، وَقَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ أَيْ تُرْتَهَنَ وَتُسْلَمَ ، قَالَ عَوْفُ بْنُ الْأَحْوَصِ وَإِبْسَالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ قَالَ تُحْبَسُ ، قَالَ قَتَادَةُ وَقَالَ الْحَسَنُ : أَيْ تُسْلَمُ أَيْ إِلَى الْهَلَاكِ ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ تَفْسِيرٌ آخَرُ ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ .

قَوْلُهُ : اسْتَهْوَتْهُ أَضَلَّتْهُ ) هُوَ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ هُوَ الَّذِي تُشَبِّهُ لَهُ الشَّيَاطِينُ فَيَتْبَعَهَا حَتَّى يَهْوِيَ فِي الْأَرْضِ فَيَضِلُّ . قَوْلُهُ : تَمْتَرُونَ تَشُكُّونَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ أَيْ تَشُكُّونَ . وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطٍ عَنِ السُّدِّيِّ .

قَوْلُهُ : ( يُقَالُ عَلَى اللَّهِ حُسْبَانُهُ ) أَيْ حِسَابُهُ ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، أَعَادَهُ هُنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ . 1 - بَاب : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ 4627 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَـزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ قَوْلُهُ : بَابُ : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ الْمَفَاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ : الْآلَةُ الَّتِي يُفْتَحُ بِهَا ، مِثْلُ مِنْجَلٍ وَمَنَاجِلٍ ، وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ فِي الْآلَةِ ، وَالْمَشْهُورُ مِفْتَاحٌ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ وَجَمْعُهُ مَفَاتِيحُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ ، وَقَدْ قُرِئَ بِهَا فِي الشَّوَاذِّ ، قَرَأَ ابْنُ السَّمَيْفَعِ ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ ) وَقِيلَ : بَلْ هُوَ جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهُوَ الْمَكَانُ . وَيُؤَيِّدُهُ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ فِيمَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ قَالَ : مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَزَائِنُ الْغَيْبِ ، وَجَوَّزَ الْوَاحِدِيُّ أَنَّهُ جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْفَتْحِ ، أَيْ وَعِنْدَهُ فُتُوحُ الْغَيْبِ أَيْ يَفْتَحُ الْغَيْبَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَلَا يَخْفَى بُعْدَ هَذَا التَّأْوِيلِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ ، وَأَنَّ مَفَاتِحَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .

وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : أُعْطِيَ نَبِيُّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مَفَاتِحَ الْغَيْبِ ، وَيُطْلَقُ الْمِفْتَاحُ عَلَى مَا كَانَ مَحْسُوسًا مِمَّا يَحِلُّ غَلْقًا كَالْقُفْلِ ، وَعَلَى مَا كَانَ مَعْنَوِيًّا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ ، الْحَدِيثَ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا ، وَسَاقَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ مُطَوَّلًا ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

ورد في أحاديث6 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث