حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

سُورَةُ الْأَعْرَافِ

سُورَةُ الْأَعْرَافِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَرِيشًا : الْمَالُ ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ فِي الدُّعَاءِ وَفِي غَيْرِهِ ، عَفَوْا كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ ، الْفَتَّاحُ الْقَاضِي ، افْتَحْ بَيْنَنَا اقْضِ بَيْنَنَا ، نَتَقْنَا الْجَبَلَ رَفَعْنَا ، انْبَجَسَتْ : انْفَجَرَتْ ، مُتَبَّرٌ خُسْرَانٌ ، آسَى أَحْزَنُ ، تَأْسَ تَحْزَنْ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ يَقُولُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ، يَخْصِفَانِ أَخَذَا الْخِصَافَ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ، يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ ، سَوْآتِهِمَا كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا ، وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ هُوَ هاهُنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَالْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهَا ، الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ : وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنْ اللِّبَاسِ ، وَقَبِيلُهُ جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ ، ادَّارَكُوا اجْتَمَعُوا ، وَمَشَاقُّ الْإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهَا يُسَمَّى سُمُومًا وَاحِدُهَا سَمٌّ ، وَهِيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ ، غَوَاشٍ مَا غُشُّوا بِهِ ، نَشْرًا مُتَفَرِّقَةً ، نَكِدًا قَلِيلًا : يَغْنَوْ يَعِيشُوا ، حَقِيقٌ حَقٌّ ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ مِنْ الرَّهْبَةِ ، تَلَقَّفُ : تَلْقَمُ ، طَائِرُهُمْ حَظُّهُمْ ، طُوفَانٌ مِنْ السَّيْلِ ، وَيُقَالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ الطُّوفَانُ ، الْقُمَّلُ : الْحُمْنَانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الْحَلَمِ ، عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ : بِنَاءٌ ، سُقِطَ كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ ، الْأَسْبَاطُ : قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يَتَعَدَّوْنَ لَهُ ، يُجَاوِزُونَ ، تعْدَ تَجَاوُزٍ شُرَّعًا شَوَارِعَ ، بَئِيسٍ شَدِيدٍ ، أَخْلَدَ قَعَدَ وَتَقَاعَسَ ، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا مِنْ جِنَّةٍ مِنْ جُنُونٍ ، أَيَّانَ مُرْسَاهَا مَتَى خُرُوجُهَا ، فَمَرَّتْ بِهِ اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ ، يَنْـزَغَنَّكَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ، طَيْفٌ مُلِمٌّ بِهِ لَمَمٌ ، يُقَالُ طَائِفٌ وَهُوَ وَاحِدٌ ، يَمُدُّونَهُمْ يُزَيِّنُونَ ، وَخِيفَةً خَوْفًا ، وَخُفْيَةً مِنْ الْإِخْفَاءِ ، وَالْآصَالُ : وَاحِدُهَا أَصِيلٌ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ كَقَوْلِهِ : بُكْرَةً وَأَصِيلا قَوْلُهُ : ( سُورَةُ الْأَعْرَافِ ) اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْأَعْرَافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ فَقَالَ . وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ هُمْ مَلَائِكَةٌ وُكِّلُوا بِالصُّورِ لِيُمَيِّزُوا الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا فَلَا يُقَالُ لَهُمْ رِجَالٌ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي حَقِّ الْجِنِّ : الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ كَذَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ ، لِأَنَّ الْجِنَّ يَتَوَالَدُونَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ فِيهِمُ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ ، بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ . قَوْلُهُ : ( ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ .

قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَرِيشًا الْمَالُ ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ( وَرِيَاشًا ) قَالَ : مَالًا ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، وَالسُّدِّيِّ فَرَّقَهُمَا قَالَ فِي قَوْلِهِ : وَرِيشًا قَالَ الْمَالُ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الرِّيَاشُ اللِّبَاسُ وَالْعَيْشُ وَالنَّعِيمُ ، وَمِنْ طَرِيقِ مَعْبَدِ الْجُهَنِيِّ قَالَ : الرِّيَاشُ الْمَعَاشُ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الرِّيَاشُ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ وَالسِّتَارَةِ ، وَالرِّيَاشُ أَيْضًا الْخِصْبُ فِي الْمَعَاشِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . ( تَنْبِيهٌ ) قَرَأَ ( وَرِيَاشًا ) عَاصِمٌ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَالْبَاقُونَ وَرِيشًا . قَوْلُهُ : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ فِي الدُّعَاءِ ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ ، عَنِ الْحَمَوِيِّ ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ وَفِي غَيْرِهِ وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَكَذَا أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ جَاءَ نَحْوَ هَذَا مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَدْعُو فَقَالَ : إِنَى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّهُ سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ .

وَأَخْرَجَ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسَالُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ وَقَرَأَ الْآيَةَ . وَالِاعْتِدَاءُ فِي الدُّعَاءِ يَقَعُ بِزِيَادَةِ الرَّفْعِ فَوْقَ الْحَاجَةِ أَوْ بِطَلَبِ مَا يَسْتَحِيلُ حُصُولُهُ شَرْعًا أَوْ بِطَلَبِ مَعْصِيَةٍ أَوْ يَدْعُو بِمَا لَمْ يُؤْثَرْ ، خُصُوصًا مَا وَرَدَتْ كَرَاهَتُهُ كَالسَّجْعِ الْمُتَكَلَّفِ وَتَرْكِ الْمَأْمُورِ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : نَتَقْنَا الْجَبَلَ رَفَعْنَا ، انْبَجَسَتِ : انْفَجَرَتْ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ .

قَوْلُهُ : ( مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ ، يَقُولُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَالَّذِي قَبْلَهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ . وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ غَيْرُهُ مَا مَنَعَكَ إِلَخْ وَهُوَ الصَّوَابُ فَإِنَّ هَذَا كَلَامَ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْمَنْعَ هُنَا بِمَعْنَى الْقَوْلِ ، وَالتَّقْدِيرُ مَنْ قَالَ لَكَ أَلا تَسْجُدَ . قَالَ : وَأُدْخِلَتْ أَنْ قَبْلَ لَا كَمَا دَخَلَتْ فِي قَوْلِهِمْ نَادَيْتُ أَنْ لَا تَقُمْ ، وَحَلَفْتُ أَنْ لَا تَجْلِسَ .

ثُمَّ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ فِي هَذَا الْكَلَامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ : مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ وَحَمَلَكَ عَلَى أَلا تَسْجُدَ ؟ قَالَ : وَإِنَّمَا حُذِفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : يَخْصِفَانِ أَخَذَا الْخِصَافُ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ، يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ ) كَذَا لِأَبِي عُبَيْدَةَ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ قَالَ : جَعَلَا يَأْخُذَانِ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ فَيَجْعَلَانِ عَلَى سَوْآتِهِمَا ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ يَخْصِفَانِ قَالَ : يُرَقِّعَانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَخَذَا مِنْ وَرَقِ التِّينِ .

وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ لِبَاسُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ ظُفْرًا كُلَّهُ ، فَلَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ كُشِطَ عَنْهُ وَبَدَتْ سَوْأَتُهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهِ قَالَ : كَانَ لِبَاسُ آدَمَ وَحَوَّاءَ النُّورَ ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَرَى عَوْرَةَ الْآخَرِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا . قَوْلُهُ : سَوْآتِهِمَا كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ .

قَوْلُهُ : ادَّارَكُوا اجْتَمَعُوا ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ ، وَيُقَالُ تَدَارَكَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ أَيِ اجْتَمَعَ ، وَالتَّاءُ مُدْغَمَةٌ فِي الدَّالِ ، انْتَهَى . وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ ، وَالْأَصْلُ تَدَارَكُوا ، وَقَدْ قَرَأَ بِهَا الْأَعْمَشُ وَرُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( الْفَتَّاحُ الْقَاضِي ، افْتَحْ بَيْنَنَا اقْضِ ) كَذَا وَقَعَ هُنَا ، وَالْفَتَّاحُ لَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَةِ سَبَأٍ ، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ هُنَا تَوْطِئَةً لِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَلَعَلَّهُ وَقَعَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مِنَ النُّسَّاخِ ، فَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا أَيِ احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا ، قَالَ الشَّاعِرُ : أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عَصْمٍ رَسُولَا فَإِنِّي عَنْ فِتَاحَتِكُمْ غَنِيٌّ الْفَتَّاحُ الْقَاضِي .

انْتَهَى كَلَامُهُ . وَمِنْهُ يَنْقُلُ الْبُخَارِيُّ كَثِيرًا . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا كُنْتُ أَدْرِي مَا مَعْنَى قَوْلِهِ : افْتَحْ بَيْنَنَا حَتَّى سَمِعْتُ بِنْتَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ لِزَوْجِهَا : انْطَلِقْ أُفَاتِحْكَ .

وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( افْتَحْ بَيْنَنَا ) أَيِ اقْضِ بَيْنَنَا ، وَمَنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا مِثْلُهُ . قَوْلُهُ : وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ إِلَخْ ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ . قَوْلُهُ : ( الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ إِلَخْ ) تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الْكِسَائِيِّ ، أَيْ قَالَ : الرِّيشُ وَالرِّيَاشُ اللِّبَاسُ .

قَوْلُهُ : ( قَبِيلُهُ جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( قَبِيلُهُ ) قَالَ : الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ . قَوْلُهُ : ( وَمَشَاقُّ الْإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهَا تُسَمَّى سُمُومًا وَاحِدُهَا سَمٌّ ، وَهِيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فِي سَمِّ الْخِيَاطِ أَيْ ثُقْبِ الْإِبْرَةِ ، وَكُلُّ ثُقْبٍ مِنْ عَيْنٍ أَوْ أَنْفٍ أَوْ أُذُنٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ سَمٌّ وَالْجَمْعُ سُمُومٌ . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَسَامُّ الْإِنْسَانِ بَدَلَ مَشَاقِّ وَهِيَ بِمَعْنَاهُ .

قَوْلُهُ : غَوَاشٍ مَا غُشُّوا بِهِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَاحِدَتُهَا غَاشِيَةٌ وَهِيَ مَا غَشَّاهُمْ فَغَطَّاهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : الْمِهَادُ لَهُمْ كَهَيْئَةِ الْفِرَاشِ . وَالْغَوَاشِ يَتَغَشَّاهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ . وَمَنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : الْمِهَادُ الْفُرُشُ ، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ قَالَ : اللُّحُفُ .

قَوْلُهُ : ( نَكِدًا قَلِيلًا ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا أَيْ قَلِيلًا عَسِرًا فِي شِدَّةٍ ، قَالَ الشَّاعِرُ : لَا تُنْجِزِ الْوَعْدَ إِنْ وَعَدْتَ وَإِنْ أَعْطَيْتَ أَعْطَيْتَ تَافِهًا نَكِدَا وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : النَّكِدُ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يَنْفَعُ . قَوْلُهُ : طَائِرُهُمْ حَظُّهُمْ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ : حَظُّهُمْ وَنَصِيبُهُمْ . قَوْلُهُ : ( طُوفَانُ مِنَ السَّيْلِ ، وَيُقَالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ الطُّوفَانُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الطُّوفَانُ مِنَ السَّيْلِ وَمِنَ الْمَوْتِ الْبَالِغِ الذَّرِيعِ ، كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَطَافَ بِهِ إِذَا عَمَّهُ بِالْهَلَاكِ .

وَعَنِ الْأَخْفَشِ : الطُّوفَانُ وَاحِدَتُهُ طُوفَانَةٌ ، وَقِيلَ هُوَ مَصْدَرٌ كَالرُّجْحَانِ وَالنُّقْصَانِ فَلَا وَاحِدَ لَهُ . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ حَتَّى خَافُوا الْهَلَاكَ ، فَأَتَوْا مُوسَى فَدَعَا اللَّهَ فَرَفَعَ ثُمَّ عَادُوا . وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : الطُّوفَانُ الْمَوْتُ .

قَوْلُهُ : وَالْقُمَّلَ الْحُمْنَانُ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ( شْبه صِغَارَ الْحَلَمِ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الْقُمَّلُ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ الْحُمْنَانُ وَالْحُمْنَانُ ضَرْبٌ مِنَ الْقِرْدَانِ وَاحِدَتُهَا حَمْنَانَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ . وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْقُمَّلِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا : قِيلَ : السُّوسُ ، وَقِيلَ : الدَّبَا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُخَفَّفٌ وَهُوَ صِغَارُ الْجَرَادِ ، وَقَالَ الرَّاغِبُ : وَقِيلَ دَوَابٌّ سُودٌ صِغَارٌ ، وَقِيلَ صِغَارُ الذَّرِّ ، وَقِيلَ هُوَ الْقَمْلُ الْمَعْرُوفُ ، وَقِيلَ دَابَّةٌ أَصْغَرُ مِنَ الطَّيْرِ لَهَا جَنَاحٌ أَحْمَرُ وَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَمُصَّ الْحَبَّ مِنَ السُّنْبُلَةِ فَتَكْبَرُ السُّنْبُلَةُ وَلَا حَبَّ فِيهَا ، وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ بِنَاءٌ ) وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ أَيْ يَبْنُونَ ، وَعُرُشُ مَكَّةَ خِيَامُهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ تَفْسِيرُ مَعْرُوشَاتٍ .

قَوْلُهُ : سُقِطَ كُلُ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ نَدِمَ وَعَجَزَ عَنْ شَيْءٍ سُقِطَ فِي يَدِ فُلَانٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . قَوْلُهُ : مُتَبَّرٌ خُسْرَانٌ ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا . قَوْلُهُ : آسَى أَحْزَنُ ، تَأْسَ تَحْزَنْ ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ تَفْسِيرِ اللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا ، وَالْأُولَى فِي الْأَعْرَافِ وَالثَّانِيَةُ فِي الْمَائِدَةِ ذَكَرَهَا اسْتِطْرَادًا .

قَوْلُهُ : عَفَوْا كَثُرُوا ) زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ : وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : حَتَّى عَفَوْا أَيْ كَثُرُوا ، وَكَذَلِكَ كُلُّ نَبَاتٍ وَقَوْمٍ وَغَيْرِهِ إِذَا كَثُرُوا فَقَدْ عَفَوْا ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَلَكِنَّا نَعَضُّ السَّيْفَ مِنْهَا بِأَسْوُقٍ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : حَتَّى عَفَوْا أَيْ حَتَّى سُرُّوا بِذَلِكَ . قَوْلُهُ : نَشْرًا مُتَفَرِّقَةً ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ .

قَوْلُهُ : يَغْنَوْا يَعِيشُوا ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَيْ يَنْزِلُوهَا وَلَمْ يَعِيشُوا فِيهَا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ مَغَانِي الدِّيَارِ وَاحِدَتُهَا مَغْنًى ، قَالَ الشَّاعِرُ : أَتَعْرِفُ مَغْنَى دِمْنَةٍ وَرُسُومِ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَيْ كَأَنْ لَمْ يَعِيشُوا ، أَوْ كَأَنْ لَمْ يَتَنَعَّمُوا . قَوْلُهُ : حَقِيقٌ حَقٌّ ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ .

قَوْلُهُ : ( اسْتَرْهَبُوهُمْ مِنَ الرَّهْبَةِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَاسْتَرْهَبُوهُمْ هُوَ مِنَ الرَّهْبَةِ أَيْ خَوَّفُوهُمْ . قَوْلُهُ : ( تَلَقَّفُ تَلْقَمُ ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . قَوْلُهُ : ( الْأَسْبَاطُ قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ : وَاحِدُهَا سِبْطٌ ، تَقُولُ مِنْ أَيِّ سِبْطٍ أَنْتَ ؟ أَيْ مِنْ أَيِّ قَبِيلَةٍ وَجِنْسٍ ؟ انْتَهَى .

وَالْأَسْبَاطُ فِي وَلَدِ يَعْقُوبَ كَالْقَبَائِلِ فِي وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ السَّبْطِ وَهُوَ التَّتَابُعُ ، وَقِيلَ مِنَ السَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ ، وَقِيلَ لِلْحَسَنِ ، وَالْحُسَيْنِ سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِانْتِشَارِ ذُرِّيَّتِهِمَا ، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ ابْنِ بِنْتٍ سِبْطٍ . قَوْلُهُ : يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يَتَعَدَّوْنَ ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بَدَلَ قَوْلِهِ ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ تَجَاوُزًا بَعْدَ تَجَاوُزٍ وَهُوَ بِالْمَعْنَى . قَوْلُهُ : شُرَّعًا شَوَارِعَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا أَيْ شَوَارِعَ انْتَهَى .

وَشُرَّعٌ وَشَوَارِعُ جَمْعُ شَارِعٍ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا أَيْ بِيضًا سِمَانًا فَتَنْبَطِحُ بِأَفْنِيَتِهِمْ ظُهُورُهَا لِبُطُونِهَا . قَوْلُهُ : بَئِيسٍ شَدِيدٍ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ أَيْ شَدِيدٍ ، وَبَئِيسٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ هِيَ الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ ، وَفِيهَا قِرَاءَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْمَشْهُورَةِ وَالشَّاذَّةِ لَا نُطِيلُ بِهَا .

قَوْلُهُ : أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ قَعَدَ وَتَقَاعَسَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ أَيْ لَزِمَهَا وَتَقَاعَسَ وَأَبْطَأَ ، يُقَالُ فُلَانٌ مُخْلِدٌ أَيْ بَطِيءُ الشَّبَابِ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ مَالَ إِلَى الدُّنْيَا ، انْتَهَى . وَأَصْلُ الْإِخْلَادِ اللُّزُومُ ، فَالْمَعْنَى لَزِمَ الْمَيْلَ إِلَى الْأَرْضِ .

قَوْلُهُ : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ الِاسْتِدْرَاجُ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ وَمِنْ حَيْثُ يَتَلَطَّفُ بِهِ حَتَّى يُغَيِّرَهُ انْتَهَى . وَأَصْلُ الِاسْتِدْرَاجِ التَّقْرِيبُ مَنْزِلَةً مَنْزِلَةً مِنَ الدَّرْجِ ، لِأَنَّ الصَّاعِدَ يَرْقَى دَرَجَةً دَرَجَةً . قَوْلُهُ : مِنْ جِنَّةٍ مِنْ جُنُونِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ أَيْ جُنُونٍ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْجِنَّةِ الْجِنُّ كَقَوْلِهِ : مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ وَعَلَى هَذَا فَيُقَدَّرُ مَحْذُوفٌ أَيْ مَسُّ جِنَّةٍ .

قَوْلُهُ : أَيَّانَ مُرْسَاهَا مَتَى خُرُوجُهَا ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : مُرْسَاهَا أَيْ مُنْتَهَاهَا ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : قِيَامُهَا . قَوْلُهُ : فَمَرَّتْ بِهِ اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَلَمْ يَقَعْ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ .

قَوْلُهُ : يَنْـزَغَنَّكَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ : مِنْهُ قَوْلُهُ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمْ أَيْ أَفْسَدَ . قَوْلُهُ : ( طَيْفٌ مُلِمٌّ بِهِ لَمَمٌ ، وَيُقَالُ طَائِفٌ وَهُوَ وَاحِدٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ أَيْ لَمَمٌ انْتَهَى . وَاللَّمَمُ يُطْلَقُ عَلَى ضَرْبٍ مِنَ الْجُنُونِ وَعَلَى صِغَارِ الذُّنُوبِ ، وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فَمِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ طَائِفٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ طَيْفٌ ، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ الْأُولَى وَاحْتَجَّ بِأَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ فَسَّرُوهُ بِمَعْنَى الْغَضَبِ أَوِ الزَّلَّةِ ، وَأَمَّا الطَّيْفُ فَهُو الْخَيَالُ ، ثُمَّ حَكَى بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الطَّيْفَ وَالطَّائِفَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَأَسْنَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الطَّائِفُ اللَّمَّةُ مِنَ الشَّيْطَانِ .

قَوْلُهُ : يَمُدُّونَهُمْ يُزَيِّنُونَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ أَيْ يُزَيِّنُونَ لَهُمُ الْغَيَّ وَالْكُفْرَ . قَوْلُهُ : وَخُفْيَةً خَوْفًا ، وَخِيفَةً مِنَ الْإِخْفَاءِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً أَيْ خَوْفًا ، وَذَهَبَتِ الْوَاوُ لِكَسْرَةِ الْخَاءِ ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً أَيْ سِرًّا ، أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَوْلُهُ مِنَ الْإِخْفَاءِ فِيهِ تَجَوُّزٌ وَالْمَعْرُوفُ فِي عُرْفِ أَهْلِ الصَّرْفِ مِنَ الْخَفَاءِ لِأَنَّ الْمَزِيدَ مُشْتَقٌّ مِنَ الثُّلَاثِيِّ ، وَيُوَجَّهُ الَّذِي هُنَا بِأَنَّهُ أَرَادَ انْتِظَامَ الصِّفَتَيْنِ مِنْ مَعْنًى وَاحِدٍ . قَوْلُهُ : وَالآصَالِ وَاحِدُهَا أَصِيلٌ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمُغْرِبِ كَقَوْلِكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةِ أَيْضًا بِلَفْظِهِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : ضُبِطَ فِي نُسْخَةٍ أُصُلٌ بِضَمَّتَيْنِ وَفِي بَعْضِهَا أَصِيلٌ بِوَزْنِ عَظِيمٍ ، وَلَيْسَ يبَيِّنٍ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْآصَالَ جَمْعُ أَصِيلٍ فَيَصِحُّ .

قُلْتُ : وَهُوَ وَاضِحٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : الْآصَالُ الْعَشِيُّ . وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : الْأَصِيلُ وَاحِدُ الْأُصُلُ وَجَمْعُ الْأُصُلِ آصَالٌ فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ ، وَالْأَصَائِلُ جَمْعُ أَصِيلَةٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : بُكْرَةً وَأَصِيلا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث