بَاب قَوْلِهِ بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ
سُورَةُ بَرَاءَةٍ مَرْصَدٌ : طَرِيقٌ ، إِلَّا : الْإِلُّ الْقِرْابَةُ وَالذِّمَّةُ وَالْعَهْدُ ، وَلِيجَةَ : كُلِّ شَيْءٍ أَدْخَلْتُهُ فِي شَيْءٍ ، الشَّقَّةُ : السَّفَرُ ، الْخَبَالُ : الْفَسَادُ ، وَالْخَبَالُ الْمَوْتُ ، وَلَا تَفْتِنِّي : لَا تُوَبِّخُنِي ، كَرَهًا وَكُرْهًا وَاحِدٌ ، مُدْخَلًا : يَدْخُلُونَ فِيهِ ، يَجْمَحُونَ : يُسْرِعُونَ ، وَالْمُؤْتَفِكَاتُ : ائُتُفِكَتِ انْقَلَبَتْ بِهَا الْأَرْضُ ، أَهْوَى : أَلْقَاهُ فِي هُوَّةٍ ، عَدْنٍ : خُلْدٍ ، عَدَنْتَ بِأَرْضٍ أَيْ أَقَمْتَ ، وَمِنْهُ مَعْدِنٌ وَيُقَالُ فِي مَعْدِنٍ صِدْقٍ فِي مَنْبِتٍ صِدْقٍ ، الْخَوَالِفُ : الْخَالِفُ الَّذِي خَلَّفَنِي فَقَعَدَ بَعْدِي ، وَمِنْهُ يَخْلُفُهُ فِي الْغابرين وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الْخَالِفَةِ ، وَإِنْ كَانَ جَمْعُ الذُّكُورِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرِ جَمَعِهِ إِلَّا حَرْفَانِ : فَارِسٌ وَفَوَارِسُ ، وَهَالَكٌ وَهَوَالِكُ ، الْخَيِّرَاتُ : وَاحِدُهَا خِيرَةٌ ، وَهِيَ الْفَوَاضِلُ ، مُرْجَوْنَ : مُؤَخَّرُونَ ، الشَّفَا : الشَّفِيرُ وَهُوَ حَدُّهُ ، وَالْجُرْفُ : مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالْأَوديَةِ ، هَارٍ : هَائِرٍ ، لَأَوَاهٌ : شَفَقًا وَفَرَقًا ، وَقَالَ : إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ تَأَوُّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ قَوْلُهُ : ( سُورَةُ بَرَاءَةِ ) هِيَ سُورَةُ التَّوْبَةِ وَهِيَ أَشْهَرُ أَسْمَائِهَا ، وَلَهَا أَسْمَاءٌ أُخْرَى تَزِيدُ عَلَى الْعَشَرَةِ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَرْكِ الْبَسْمَلَةِ أَوَّلَهَا فَقِيلَ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ وَالْبَسْمَلَةُ أَمَانٌ ، وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا جَمَعُوا الْقُرْآنَ شَكُّوا هـَلْ هِيَ وَالْأَنْفَالُ وَاحِدَةٌ أَوْ ثِنْتَانِ فَفَصَلُوا بَيْنَهُمَا بِسَطْرٍ لَا كِتَابَةَ فِيهِ وَلَمْ يَكْتُبُوا فِيهِ الْبَسْمَلَةَ . وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُثْمَانَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ السُّنَنِ . قَوْلُهُ : ( مَرْصَدٍ طَرِيقٍ ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَسَقَطَ لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ قَوْلُ ، أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ أَيْ كُلُّ طَرِيقٍ ، وَالْمَرَاصِدُ الطُّرُقُ .
قَوْلُهُ : ( إِلًّا : الْإِلُّ الْقَرَابَةُ وَالذِّمَّةُ وَالْعَهْدُ ) تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ . قَوْلُهُ : وَلِيجَةً كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَسَقَطَ هُوَ وَالَّذِي قَبْلَهُ لِأَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( الشُّقَّةُ : السَّفَرُ ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ الْبَعِيدُ وَقِيلَ الشُّقَّةُ الْأَرْضُ الَّتِي يَشُقُّ سُلُوكُهَا .
قَوْلُهُ : ( الْخَبَالُ : الْفَسَادُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا الْخَبَالُ الْفَسَادُ . قَوْلُهُ : ( وَالْخَبَالُ الْمَوْتُ ) كَذَا لَهُمْ وَالصَّوَابُ الْمُوتَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَزِيَادَةِ هَاءٍ فِي آخِرِهِ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ . قَوْلُهُ : وَلا تَفْتِنِّي لَا تُوَبِّخْنِي ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْخَاءُ الْمُعْجَمَةِ مِنَ التَّوْبِيخِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِيِّ ، وَالْجُرْجَانِيِّ تُوَهِّنِّي بِالْهَاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنَ الْوَهَنِ وَهُوَ الضَّعْفُ ، وَلِابْنِ السَّكَنِ تُؤَثِّمْنِي بِمُثَلَّثَةٍ ثَقِيلَةٍ وَمِيمٍ سَاكِنَةٍ مِنَ الْإِثْمِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَهِيَ الثَّابِتَةُ فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ الَّذِي يُكْثِرُ الْمُصَنِّفُ النَّقْلَ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَفْتِنِّي قَالَ : لَا تُؤَثِّمْنِي : أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا أَلَا فِي الْإِثْمِ سَقَطُوا .
قَوْلُهُ : ( كَرْهًا وَكُرْهًا وَاحِدٌ ) أَيْ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَهُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا ، وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ ، وَبِالضَّمِّ قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ حَمْزَةُ ، وَالْأَعْمَشُ ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ ، وَالْكِسَائِيُّ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ . قَوْلُهُ : مُدَّخَلا يَدْخُلُونَ فِيهِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : مَلْجَأً يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا ) يَدْخُلُونَ فِيهِ وَيَتَغَيَّبُونَ انْتَهَى ، وَأَصْلُ مُدَّخَلًا مُدْتَخَلًا فَأُدْغِمَ ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ ، وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ بِتَشْدِيدِ الْخَاءِ أَيْضًا ، وَعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةِ مَدْخَلًا بِفَتْحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا سُكُونٌ يَجْمَحُونَ يُسْرِعُونَ ، هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ : لَا يَرُدُّ وُجُوهَهُمْ شَيْءٌ ، وَمِنْهُ فَرَسٌ جَمُوحٌ . قَوْلُهُ : وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ائْتَفَكَتِ انْقَلَبَتْ بِهَا الْأَرْضُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ هُمْ قَوْمُ لُوطٍ ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ أَيِ انْقَلَبَتْ بِهِمْ .
قَوْلُهُ : أَهْوَى أَلْقَاهُ فِي هُوَّةٍ ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمْ تَقَعْ فِي سُورَةِ بَرَاءَةِ وَإِنَّمَا هـِيَ فِي سُورَةِ النَّجْمِ ، ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ هُنَا اسْتِطْرَادًا مِنْ قَوْلِهِ : وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى قَوْلُهُ : ( عَدْنٍ : خُلْدٍ إِلَخْ ) وَاقْتَصَرَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى مَا هُنَا ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : جَنَّاتِ عَدْنٍ أَيْ خُلْدٍ ، يُقَالُ : عَدَنَ فُلَانُ بِأَرْضِ كَذَا أَيْ أَقَامَ ، وَمِنْهُ الْمَعْدِنُ ، عَدَنْتُ بِأَرْضِ أَقَمْتُ ، وَيُقَالُ فِي مَعْدِنٍ صِدْقٍ . قَوْلُهُ : ( الْخَوَالِفُ : الْخَالِفُ الَّذِي خَلَفَنِي فَقَعَدَ بَعْدِي ، وَمِنْهُ يَخْلُفُهُ فِي الْغَابِرِينَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : مَعَ الْخَالِفِينَ الْخَالِفُ الَّذِي خَلَفَ بَعْدَ شَاخِصٍ فَقَعَدَ فِي رَحْلِهِ ، وَهُوَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْقَوْمِ ، وَمِنْهُ : اللَّهُمَّ اخْلُفْنِي فِي وَلَدِي . وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَمِنْهُ يَخْلُفُهُ فِي الْغَابِرِينَ إِلَى حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ .
قَوْلُهُ : ( وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الْخَالِفَةِ ، وَإِنْ كَانَ جَمْعُ الذُّكُورِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرِ جَمْعِهِ إِلَّا حَرْفَانِ فَارِسٌ وَفَوَارِسُ وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَوَالِفُ هَاهُنَا النِّسَاءُ ، وَلَا يَكَادُونَ يَجْمَعُونَ الرِّجَالَ عَلَى فَوَاعِلَ ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا فَارِسٌ وَفَوَارِسُ وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ انْتَهَى . وَقَدِ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ ابْنُ مَالِكٍ شَاهِقٌ وَشَوَاهِقُ وَنَاكِسٌ وَنَوَاكِسُ وَدَاجِنٌ وَدَوَاجِنُ ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَعَ الِاثْنَيْنِ جَمْعُ فَاعِلٍ وَهُوَ شَاذٌّ ، وَالْمَشْهُورُ فِي فَوَاعِلَ جَمْعُ فَاعِلَةٍ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ صِفَةِ النِّسَاءِ فَوَاضِحُ وَقَدْ تُحْذَفُ الْهَاءُ فِي صِفَةِ الْمُفْرَدِ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَ مِنْ صِفَةِ الرِّجَالِ فَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ ، يُقَالُ : رَجُلٌ خَالِفَةٌ لَا خَيْرَ فِيهِ : وَالْأَصْلُ فِي جَمْعِهِ بِالنُّونِ . وَاسْتَدْرَكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى الْخَمْسَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَاهِلٌ وَكَوَاهِلُ وَجَائِحٌ وَجَوَائِحُ وَغَارِبٌ وَغَوَارِبُ وَغَاشٍ وَغَوَاشٍ ، وَلَا يَرِدُ شَيْءٌ مِنْهَا لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ لَيْسَا مِنْ صِفَاتِ الْآدَمِيِّينَ ، وَالْآخَرَانِ جَمْعُ غَارِبٍ وَغَاشِيَةٌ وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ إِنْ وُصِفَ بِهَا الْمُذَكَّرُ ، وَقَدْ قَالَ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ فِي قَوْلِ الْفَرَزْدَقِ : وَإِذَا الرِّجَالُ رَأَوْا يَزِيدَ رَأَيْتُهُمْ خُضُعَ الرِّقَابِ نَوَاكِسَ الْأَذْقَانِ احْتَاجَ الْفَرَزْدَقُ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ فَأَجْرَى نَوَاكِسَ عَلَى أَصْلِهِ ، وَلَا يَكُونُ مِثْلُ هَذَا أَبَدًا إِلَّا فِي ضَرُورَةٍ ، وَلَا تَجْمَعُ النُّحَاةُ مَا كَانَ مِنْ فَاعِلٍ نَعْتًا عَلَى فَوَاعِلَ لِئَلَّا يَلْتَبِسُ بِالْمُؤَنَّثِ ، وَلَمْ يَأْتِ ذَا إِلَّا فِي حَرْفَيْنِ فَارِسٍ وَفَوَارِسَ ، وَهَالِكٍ وَهَوَالِكَ ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْفَرْدِ فَأُمِنَ فِيهِ اللَّبْسُ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى الْمِثْلِ يَقُولُونَ هَالِكٌ فِي الْهَوَالِكِ فَأَجْرَوْهُ عَلَى أَصْلِهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ .
قُلْتُ : فَظَهَرَ أَنَّ الضَّابِطَ فِي هَذَا أَنْ يُؤْمَنَ اللَّبْسُ أَوْ يَكْثُرَ الِاسْتِعْمَالُ أَوْ تَكُونُ الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ يَكُونُ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : الْخَوَالِفُ النِّسَاءُ ، وَيُقَالُ خِسَاسُ النِّسَاءِ وَرَذَالَتُهُمْ ، وَيُقَالُ فُلَانٌ خَالفَه أَهْلِهِ إِذَا كَانَ دَيِّنًا فِيهِمْ . وَالْمُرَادُ بِالْخَوَالِفِ فِي الْآيَةِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ الْعَاجِزُونَ وَالصِّبْيَانُ ، فَجُمِعَ جَمْعَ الْمُؤَنَّثِ تَغْلِيبًا لِكَوْنِهِنَّ أَكْثَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِنَّ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : مَعَ الْخَالِفِينَ فَجُمِعَ جَمْعَ الذُّكُورِ تَغْلِيبًا لِأَنَّهُ الْأَصْلُ . قَوْلُهُ : ( الْخَيْرَاتُ وَاحِدُهَا خَيْرَةٌ وَهِيَ الْفَوَاضِلُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ وَمَعْنَاهَا الْفَاضِلَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ . قَوْلُهُ : مُرْجَوْنَ مُؤَخَّرُونَ ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ .
قَوْلُهُ : ( الشَّفَا : الشَّفِيرُ وَهُوَ حَدُّهُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَهُوَ حَرْفُهُ . قَوْلُهُ : ( وَالْجُرُفُ مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالْأَوْدِيَةِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : عَلَى شَفَا جُرُفٍ الشَّفَا الشَّفِيرُ ، وَالْجُرُفُ مَا لَمْ يُبْنَ مِنَ الرَّكَايَا ، قَالَ : وَالْآيَةُ عَلَى التَّمْثِيلِ لِأَنَّ الَّذِي يَبْنِي عَلَى الْكُفْرِ فَهُوَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ وَهُوَ مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالْأَوْدِيَةِ وَلَا يَثْبُتُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : هَارٍ هَائِرٍ ، تَهَوَّرَتِ الْبِئْرُ إِذَا انْهَدَمَتْ ، وَانْهَارَ مِثْلُهُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : هَارٍ أَيْ هَائِرٍ : وَالْعَرَبُ تَنْزِعُ الْيَاءَ الَّتِي فِي الْفَاعِلِ ، وَقِيلَ لَا قَلْبَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى سَاقِطٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي آلِ عِمْرَانَ .
قَوْلُهُ : لأَوَّاهٌ شَفَقًا وَفَرَقًا ، قَالَ الشَّاعِرُ : إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ تَأَوَّهَ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ هُوَ فَعَّالٌ مِنَ التَّأَوُّهِ وَمَعْنَاهُ مُتَضَرِّعٌ شَفَقًا وَفَرَقًا لِطَاعَةِ رَبِّهِ ، قَالَ الشَّاعِرُ فَذَكَرَهُ . وَقَوْلُهُ أَرْحَلُهَا هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَقَوْلُهُ آهَةَ بِالْمَدِّ لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ بِلَا مَدٍّ . ( تَنْبِيهٌ ) هَذَا الشِّعْرُ لِلْمُثَقِّبِ الْعَبْدِيِّ وَاسْمُهُ جِحَاشُ بْنُ عَائِذٍ ، وَقِيلَ ابْنُ نَهَارٍ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ قَصِيدَةٍ أَوَّلُهَا : أَفَاطِمُ قَبْلَ بَيْنِكِ مَتِّعِينِي وَمَنْعِكِ مَا سَأَلْتُ كأَنْ تَبِينِي وَلَا تَعِدِي مَوَاعِدَ كَاذِبَاتٍ تَمُرُّ بِهَا رِيَاحُ الصَّيْفِ دُونِي فَإِنِّي لَوْ تُخَالِفُنِي شِمَالِي لَمَا أَتْبَعْتُهَا أَبَدًا يَمِينِي وَيَقُولُ فِيهَا : فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَخِي بِحَقٍّ فَأَعْرِفُ مِنْكَ غَثِّي مِنْ سَمِينِي وَإِلَّا فَاطَّرِحْنِي وَاتَّخِذْنِي عَدُوًّا أَتَّقِيكَ وَتَتَّقِينِي وَهِيَ كَثِيرَةُ الْحِكَمِ وَالْأَمْثَالِ .
وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ يَقُولُ : لَوْ كَانَ الشِّعْرُ مِثْلُهَا وَجَبَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَتَعَلَّمُوهُ . 1 - بَاب : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾أَذَانٌ : إِعْلَامٌ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أُذُنٌ يُصَدِّقُ ، تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَنَحْوُهَا كَثِيرٌ ، وَالزَّكَاةُ الطَّاعَةُ وَالْإِخْلَاصُ ، لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، يُضَاهُونَ : يُشَبِّهُونَ . 4654 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : سَمِعْتُ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ : بَرَاءَةٌ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ - إِلَى - الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَذَانٌ : إِعْلَامٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ : عِلْمٌ مِنَ اللَّهِ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكِ أَذَنْتُهُمْ أَيْ أَعْلَمْتُهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أُذُنٌ يُصَدِّقُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ يَعْنِي أَنَّهُ يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ ، قَالَ اللَّهُ : قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَعْنِي يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ، وَظَهَرَ أَنَّ يُصَدِّقُ تَفْسِيرُ يُؤْمِنُ لَا تَفْسِيرُ أُذُنٍ كَمَا يَفْهَمُهُ صَنِيعُ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ اخْتَصَرَهُ . قَوْلُهُ : تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَنَحْوُهَا كَثِيرٌ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ أَيْ فِي الْقُرْآنِ ، وَيُقَالُ التَّزْكِيَةُ ( وَالزَّكَاةُ الطَّاعَةُ وَالْإِخْلَاصُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا قَالَ : الزَّكَاةُ طَاعَةُ اللَّهِ وَالْإِخْلَاصُ .
قَوْلُهُ : ( لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ : لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ قَالَ : هُمُ الَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ تَفْسِيرِ فُصِّلَتْ ذَكَرَهَا هُنَا اسْتِطْرَادًا . وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ الزَّكَاةُ بِالطَّاعَةِ وَالتَّوْحِيدِ دَفْعٌ لِاحْتِجَاجِ مَنِ احْتَجَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ .
قَوْلِهِ : ( يُضَاهُونَ : يُشَبِّهُونَ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يُضَاهونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، أَيْ يُشَبِّهُونَ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الْمُضَاهَاةُ التَّشْبِيهُ . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الْبَرَاءِ فِي آخِرِ آيَةٍ نَزَلَتْ وَآخِرِ سُورَةٍ نَزَلَتْ ، فَأَمَّا الْآيَةُ فَتَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَأَنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمَا لَمْ يَنْقُلَاهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَاهُ عَنِ اسْتِقْرَاءِ بِحَسَبِ مَا اطَّلَعَا عَلَيْهِ ، وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَرَادَ آخِرِيَّةً مَخْصُوصَةً ، وَأَمَّا السُّورَةُ فَالْمُرَادُ بَعْضُهَا أَوْ مُعْظَمُهَا وَإِلَّا فَفِيهَا آيَاتٌ كَثِيرَةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ سَنَةَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ ، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَ بَرَاءَةٍ نَزَلَ عَقِبَ فَتْحِ مَكَّةَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ عَامَ حَجِّ أَبِي بَكْرٍ وَقَدْ نَزَلَ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَهِيَ فِي الْمَائِدَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مُعْظَمُهَا ، وَلَا شَكَّ أَنَّ غَالِبَهَا نَزَلَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهِيَ آخِرُ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ أَنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ ، وَأَذْكُرُ الْجَمْعَ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَدْ قِيلَ فِي آخِرِيَّةِ نُزُولِ بَرَاءَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُهَا ، فَقِيلَ قَوْلُهُ : فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ الْآيَةَ وَقِيلَ : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي آخِرِيَّةِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ ، فَعَاشَ بَعْدَهَا خَمْسِينَ يَوْمًا ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ الْبَقَرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .