حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قَوْلِهِ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ وبَاب قَوْلِهِ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ

بَاب قَوْلِهِ : ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ حَلَفُوا . وَمِنْهُ : لَا أُقْسِمُ : أَيْ أُقْسِمُ ، وَتُقْرَأُ : لَأُقْسِمُ . قَاسَمَهُمَا : حَلَفَ لَهُمَا وَلَمْ يَحْلِفَا لَهُ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : تَقَاسَمُوا تَحَالَفُوا .

4705- حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قَالَ : هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، جَزَّءُوهُ أَجْزَاءً ، فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ . 4706- حَدَّثَني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : ﴿كَمَا أَنْـزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ قَالَ : آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى . قَوْلُهُ : ( بَابُ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قِيلَ إِنَّ عِضِينَ جَمْعُ عُضْوٍ ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ فِي قَوْلِهِ : جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أَيْ جَعَلُوهُ أَعْضَاءً كَأَعْضَاءِ الْجَزُورِ ، وَقِيلَ هِيَ جَمْعُ عِضَةٍ وَأَصْلُهَا عِضْهَةٌ فَحُذِفَتِ الْهَاءُ كَمَا حُذِفَتْ مِنَ الشَّفَةِ وَأَصْلُهَا شَفَهَةٌ وَجُمِعَتْ بَعْدَ الْحَذْفِ عَلَى عِضِينَ مِثْلُ بِرَةٍ وَبِرِينَ وَكِرَةٍ كِرِينِ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : عِضِينَ عَضَهُوهُ وَبَهَتُوهُ .

وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ : الْعَضْهُ السِّحْرُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ ، تَقُولُ لِلسَّاحِرَةِ الْعَاضِهَةِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ مِثْلُ قَوْلِ الضَّحَّاكِ وَلَفْظُهُ : عَضُّوا الْقُرْآنَ أَعْضَاءً ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ سَاحِرٌ وَقَالَ آخَرُ مَجْنُونٌ وَقَالَ آخَرُ كَاهِنٌ ، فَذَلِكَ الْعِضِينَ . وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ وَزَادَ : وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ .

وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : قَسَّمُوا الْقُرْآنَ وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَقَالُوا : ذَكَرَ مُحَمَّدٌ الْبَعُوضَ وَالذُّبَابَ وَالنَّمْلَ وَالْعَنْكَبُوتَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ أَنَا صَاحِبُ الْبَعُوضِ وَقَالَ آخَرُ أَنَا صَاحِبُ النَّمْلِ وَقَالَ آخَرُ أَنَا صَاحِبُ الْعَنْكَبُوتِ ، وَكَانَ الْمُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةً : الْأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ ، وَالْأَسْوَدَ بْنَ الْمُطَّلِبِ ، وَالْعَاصِي بْنَ وَائِلٍ وَالْحَارِثَ بْنَ قَيْسٍ ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ . وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ وَغَيْرِهِ فِي عَدِّ الْمُسْتَهْزِئِينَ مِثْلُهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ مِثْلُهُ وَزَادَ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ هَلَاكِهِمْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ . قَوْلُهُ : الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ حَلَفُوا ، وَمِنْهُ لَا أُقْسِمُ أَيْ أُقْسِمُ ، وَتُقْرَأُ لَأُقْسِمُ ، وَقَاسَمَهُمَا حَلَفَ لَهُمَا وَلَمْ يَحْلِفَا لَهُ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : تَقَاسَمُوا تَحَالَفُوا ) قُلْتُ هَكَذَا جَعَلَ الْمُقْتَسِمِينَ مِنَ الْقَسَمِ بِمَعْنَى الْحَلِفِ وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ مِنَ الْقِسْمَةِ وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَقَوْلُهُ : الَّذِينَ جَعَلُوا هُوَ صِفَةٌ لِلْمُقْتَسِمِينَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ قَسَمُوهُ وَفَرَّقُوهُ .

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : وَقَاسَمَهُمَا حَلَفَ لَهُمَا ، وَقَالَ أَيْضًا أَبُو عُبَيْدَةَ الَّذِي يُكْثِرُ الْمُصَنِّفُ نَقْلَ كَلَامِهِ : مِنَ الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا وَفَرَّقُوا ، قَالَ : وَقَوْلُهُ عِضِينَ أَيْ فَرَّقُوهُ عَضُّوهُ أَعْضَاءً . قَالَ رُؤْبَةُ : وَلَيْسَ دِينُ اللَّهِ بِالْمُعَضَّى أَيْ بِالْمُفَرَّقِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَمِنْهُ لَا أُقْسِمُ إِلَخْ فَلَيْسَ كَذَلِكَ ، أَيْ فَلَيْسَ هُوَ مِنَ الِاقْتِسَامِ بَلْ هُوَ مِنَ الْقَسَمِ ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّ الْمُقْتَسِمِينَ مِنَ الْقَسْمِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ مَجَازُهَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ .

وَاخْتَلَفَ الْمُعْرِبُونَ فِي لَا فَقِيلَ زَائِدَةٌ وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا لَا تُزَادُ إِلَّا فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ كَالْكَلَامِ الْوَاحِدِ ، وَقِيلَ هُوَ جَوَابُ شَيْءٍ مَحْذُوفٍ ، وَقِيلَ نَفْيٌ عَلَى بَابِهَا وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ وَالْمَعْنَى لَا أُقْسِمُ بِكَذَا بَلْ بِكَذَا ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ لَأُقْسِمُ بِغَيْرِ أَلِفٍ فَهِيَ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي اللَّامِ فَقِيلَ هِيَ لَامُ الْقَسَمِ وَقِيلَ لَامُ التَّأْكِيدِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِثْبَاتِ الْأَلِفِ فِي الَّتِي بَعْدَهَا وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ وَعَلَى إِثْبَاتِهَا فِي ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ اتِّبَاعًا لِرَسْمِ الْمُصْحَفِ فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ تَقَاسَمُوا تَحَالَفُوا فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ : قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ قَالَ تَحَالَفُوا عَلَى هَلَاكِهِ فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ حَتَّى هَلَكُوا جَمِيعًا ، وَهَذَا أَيْضًا لَا يَدْخُلُ فِي الْمُقْتَسِمِينَ إِلَّا عَلَى رَأْيِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، فَإِنَّ الطَّبَرِيَّ رَوَى عَنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ الْمُقْتَسِمِينَ قَوْمُ صَالِحٍ الَّذِينَ تَقَاسَمُوا عَلَى هَلَاكِهِ فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ يَعْنِي فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا قِيلَ فِي أَصْلِ اشْتِقَاقِهَا أَوَّلَ الْبَابِ .

قَوْلُهُ : ( هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ) فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَوْلُهُ جَزَّءُوهُ أَجْزَاءً فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ . قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ) بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ هُوَ حُصَيْنُ بْنُ جُنْدُبٍ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ . 5- بَاب ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ قَالَ سَالِمٌ : الْيَقِينُ : الْمَوْتُ قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ قَالَ سَالِمٌ : الْيَقِينُ الْمَوْتُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ بِهَذَا ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا مِثْلِهِ ، وَاسْتَشْهَدَ الطَّبَرِيُّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ أُمِّ الْعَلَاءِ فِي قِصَّةِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ ، وَإِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ مَشْرُوحًا ، وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى الْبُخَارِيِّ لِكَوْنِهِ لَمْ يُخَرِّجْ هُنَا هـَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ : كَانَ ذِكْرُهُ أَلْيَقَ مِنْ هَذَا ; قَالَ وَلِأَنَّ الْيَقِينَ لَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَوْتِ .

قُلْتُ : لَا يَلْزَمُ الْبُخَارِيَّ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ حَدِيثَ بَعْجَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ خَيْرُ مَا عَاشَ النَّاسُ بِهِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ الْحَدِيثَ ، وَفِي آخِرِهِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ هُوَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ فَهَذَا شَاهِدٌ جَيِّدٌ لِقَوْلِ سَالِمٍ ، وَمِنْهُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ٤٦ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ وَإِطْلَاقُ الْيَقِينِ عَلَى الْمَوْتِ مَجَازٌ ، لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُشَكُّ فِيهِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث