حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

سُورَةُ الْحَجِّ

سُورَةُ الْحَجِّ وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ الْمُخْبِتِينَ الْمُطْمَئِنِّينَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ ، فَيُبْطِلُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ ، وَيُقَالُ أُمْنِيَّتُهُ : قِرَاءَتُهُ ، إِلا أَمَانِيَّ يَقْرَءُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَشِيدٌ بِالْقَصَّةِ ، جِصٌّ .

وَقَالَ غَيْرُهُ يَسْطُونَ يَفْرُطُونَ مِنْ السَّطْوَةِ ، وَيُقَالُ : يَسْطُونَ يَبْطِشُونَ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ أُلْهِمُوا إِلَى الْقُرْآنِ ، وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ الْإِسْلَامِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بِسَبَبٍ بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ ، ثَانِيَ عِطْفِهِ مُسْتَكْبِرٌ ، تَذْهَلُ تُشْغَلُ . قَوْلُهُ ( سُورَةُ الْحَجِّ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) .

قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : الْمُخْبِتِينَ الْمُطْمَئِنِّينَ ) هُوَ كَذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ لَكِنْ أَسْنَدَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ ابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْمُصَلِّينَ ، وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ : الْمُتَوَاضِعِينَ . وَالْمُخْبِتُ مِنَ الْإِخْبَاتِ ; وَأَصْلُهُ الْخَبْتُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَهُوَ الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الْأَرْضِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ ، فَيُبْطِلُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُقَطَّعًا .

قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ أُمْنِيَتُهُ قِرَاءَتُهُ ، إِلا أَمَانِيَّ يَقْرَءُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ قَالَ : التَّمَنِّي التِّلَاوَةُ قَالَ : وَقَوْلُهُ : لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ قَالَ : الْأَمَانِيُّ أَنْ يَفْتَعِلَ الْأَحَادِيثَ ، وَكَانَتْ أَحَادِيثُ يَسْمَعُونَهَا مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَلَيْسَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، قَالَ : وَمِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ : تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ تَمَنِّي دَاوُدَ الزَّبُورَ عَلَى رُسُلٍ قَالَ الْفَرَّاءُ : وَالتَّمَنِّي أَيْضًا حَدِيثُ النَّفْسِ انْتَهَى . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ فِي كِتَابِ مَعَانِي الْقُرْآنِ لَهُ بَعْدَ أَنْ سَاقَ رِوَايَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ : هَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ وَأَعْلَاهُ وَأَجَلُّهُ . ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : بِمِصْرَ صَحِيفَةٌ فِي التَّفْسِيرِ رَوَاهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ لَوْ رَحَلَ رَجُلٌ فِيهَا إِلَى مِصْرَ قَاصِدًا مَا كَانَ كَثِيرًا انْتَهَى .

وَهَذِهِ النُّسْخَةُ كَانَتْ عِنْدَ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ رَوَاهَا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهِيَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَقَدِ اعْتَمَدَ عَلَيْهَا فِي صَحِيحِهِ هَذَا كَثِيرًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أَمَاكِنِهِ وَهِيَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ بِوَسَائِطَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي صَالِحٍ انْتَهَى . وَعَلَى تَأْوِيلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْهُ قَالَ : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ وَالنَّجْمُ ، فَلَمَّا بَلَغَ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى ١٩ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ : تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : مَا ذَكَرَ آلِهَتَنَا بِخَيْرٍ قَبْلَ الْيَوْمَ ، فَسَجَدَ وَسَجَدُوا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ فِي إِسْنَادِهِ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا أَحْسَبُ ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ الْبَزَّارُ : لَا يُرْوَى مُتَّصِلًا إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ وَهُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ ، قَالَ : وَإِنَّمَا يُرْوَى هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ انْتَهَى . وَالْكَلْبِيُّ مَتْرُوكٌ وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّحَّاسُ بِسَنَدٍ آخَرَ فِيهِ الْوَاقِدِيُّ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ مُطَوَّلًا ، وَأَسْنَدَهَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، وَكَذَلِكَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو مَعْشَرٍ فِي السِّيرَةِ لَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِهِ الطَّبَرِيُّ ، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ ; وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ ، عَنِ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ ، وَأَيُّوبُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَوْرَدَهَا الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَعْنَاهُمْ كُلُّهُمْ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ ، وَكُلُّهَا سِوَى طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِمَّا ضَعِيفٌ وَإِلَّا مُنْقَطِعٌ ، لَكِنْ كَثْرَةُ الطُّرُقِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْقِصَّةِ أَصْلًا ، مَعَ أَنَّ لَهَا طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ مُرْسَلَيْنِ رِجَالُهُمَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَالثَّانِي مَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَرَّقَهُمَا عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، وَقَدْ تَجَرَّأَ أَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ كَعَادَتِهِ فَقَالَ : ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ بَاطِلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا ، وَهُوَ إِطْلَاقٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ .

وَكَذَا قَوْلُ عِيَاضٍ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الصِّحَّةِ وَلَا رَوَاهُ ثِقَةٌ بِسَنَدٍ سَلِيمٍ مُتَّصِلٍ مَعَ ضَعْفِ نَقَلَتِهِ وَاضْطِرَابِ رِوَايَاتِهِ وَانْقِطَاعِ إِسْنَادِهِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : وَمَنْ حُمِلَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْقِصَّةُ مِنَ التَّابِعِينَ وَالْمُفَسِّرِينَ لَمْ يُسْنِدْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا رَفَعَهَا إِلَى صَاحِبٍ ، وَأَكْثَرُ الطُّرُقِ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ وَاهِيَةٌ ، قَالَ : وَقَدْ بَيَّنَ الْبَزَّارُ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ طَرِيقٍ يَجُوزُ ذِكْرُهُ إِلَّا طَرِيقَ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَعَ الشَّكِّ الَّذِي وَقَعَ فِي وَصْلِهِ ، وَأَمَّا الْكَلْبِيُّ فَلَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ لِقُوَّةِ ضَعْفِهِ . ثُمَّ رَدَّهُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ لَارْتَدَّ كَثِيرٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ ، قَالَ : وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ انْتَهَى ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ لَا يَتَمَشَّى عَلَى الْقَوَاعِدِ ، فَإِنَّ الطُّرُقَ إِذَا كَثُرَتْ وَتَبَايَنَتْ مَخَارِجُهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لَهَا أَصْلًا ، وَقَدْ ذَكَرْتُ أَنَّ ثَلَاثَةَ أَسَانِيدَ مِنْهَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ وَهِيَ مَرَاسِيلُ يَحْتَجُّ بِمِثْلِهَا مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ وَكَذَا مَنْ لَا يَحْتَجُّ بِهِ لِاعْتِضَادِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ مَا وَقَعَ فِيهَا مِمَّا يُسْتَنْكَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ : أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ : تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَزِيدَ فِي الْقُرْآنِ عَمْدًا مَا لَيْسَ مِنْهُ ، وَكَذَا سَهْوًا إِذَا كَانَ مُغَايِرًا لِمَا جَاءَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ لِمَكَانِ عِصْمَتِهِ - وَقَدْ سَلَكَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ مَسَالِكَ ، فَقِيلَ جَرَى ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ حِينَ أَصَابَتْهُ سِنَةٌ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ، فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ أَحْكَمَ اللَّهُ آيَاتِهِ . وَهَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَرَدَّهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِكَوْنِهِ لَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ وَلَا وِلَايَةٌ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ فِي النَّوْمِ ، وَقِيلَ إِنَّ الشَّيْطَانَ أَلْجَأَهُ إِلَى أَنْ قَالَ ذَلِكَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَرَدَّهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الشَّيْطَانِ : وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ الْآيَةَ قَالَ : فَلَوْ كَانَ لِلشَّيْطَانِ قُوَّةٌ عَلَى ذَلِكَ لَمَا بَقِيَ لِأَحَدٍ قُوَّةٌ فِي طَاعَةٍ .

وَقِيلَ : إِنَّ الْمُشْرِكِينَ إِذَا ذَكَرُوا آلِهَتَهُمْ وَصَفُوهُمْ بِذَلِكَ ، فَعَلَّقَ ذَلِكَ بِحِفْظِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ لَمَّا ذَكَرَهُمْ سَهْوًا . وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عِيَاضٌ فَأَجَادَ . وَقِيلَ لَعَلَّهُ تَوْبِيخًا لِلْكُفَّارِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَهَذَا جَائِزٌ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ .

وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ جَائِزًا - وَإِلَى هَذَا نَحَا الْبَاقِلَّانِيُّ . وَقِيلَ إِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى خَشِيَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهَا بِشَيْءٍ يَذُمُّ آلِهَتَهُمْ بِهِ فَبَادَرُوا إِلَى ذَلِكَ فَخَلَطُوهُ فِي تِلَاوَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَادَتِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ : لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ وَنُسِبَ ذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ لِكَوْنِهِ الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، أَوِ الْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ شَيْطَانُ الْإِنْسِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْغَرَانِيقِ الْعُلَى الْمَلَائِكَةُ ، وَكَانَ الْكُفَّارُ يَقُولُونَ : الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَيَعْبُدُونَهَا ، فَسِيقَ ذِكْرُ الْكُلِّ لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى فَلَمَّا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ حَمَلُوهُ عَلَى الْجَمِيعِ وَقَالُوا : قَدْ عَظَّمَ آلِهَتَنَا ، وَرَضُوا بِذَلِكَ ، فَنَسَخَ اللَّهُ تِلْكَ الْكَلِمَتَيْنِ وَأَحْكَمَ آيَاتِهِ . وَقِيلَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرَتِّلُ الْقُرْآنَ فَارْتَصَدَهُ الشَّيْطَانُ فِي سَكْتَةٍ مِنَ السَّكَتَاتِ وَنَطَقَ بِتِلْكَ الْكَلِمَاتِ مُحَاكِيًا نَغْمَتَهُ بِحَيْثُ سَمِعَهُ مَنْ دَنَا إِلَيْهِ فَظَنَّهَا مِنْ قَوْلِهِ وَأَشَاعَهَا .

قَالَ : وَهَذَا أَحْسَنُ الْوُجُوهِ . وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ تَفْسِيرِ ( تَمَنَّى ) بِتَلَا . وَكَذَا اسْتَحْسَنَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هَذَا التَّأْوِيلُ وَقَالَ قَبْلَهُ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَصٌّ فِي مَذْهَبِنَا فِي بَرَاءَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ - قَالَ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : فِي أُمْنِيَّتِهِ أَيْ فِي تِلَاوَتِهِ ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ سُنَّتَهُ فِي رُسُلِهِ إِذَا قَالُوا قَوْلًا زَادَ الشَّيْطَانُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ، فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الشَّيْطَانَ زَادَهُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ قَالَ : وَقَدْ سَبَقَ إِلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ لِجَلَالَةِ قَدْرِهِ وَسِعَةِ عِلْمِهِ وَشِدَّةِ سَاعِدِهِ فِي النَّظَرِ فَصَوَّبَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَحَوَّمَ عَلَيْهِ .

( تَنْبِيهٌ ) : هَذِهِ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ اتِّفَاقًا فَتَمَسَّكَ بِذَلِكَ مَنْ قَالَ إِنَّ سُورَةَ الْحَجِّ مَكِّيَّةٌ ، لَكِنْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ فِيهَا أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ كَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَأَبِي ذَرٍّ فِي هَذَانِ خَصْمَانِ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ بَدْرٍ ، وَكَذَا قَوْلُهُ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ الْآيَةَ وَبَعْدَهَا الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَصْلَهَا مَكِّيٌّ وَنَزَلَ مِنْهَا آيَاتٌ بِالْمَدِينَةِ وَلَهَا نَظَائِرُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَشِيدٌ بِالْقَصَّةِ ، جِصٌّ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قَالَ : بِالْقَصَّةِ يَعْنِي الْجِصَّ وَالْقَصَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ هِيَ الْجِصُّ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ . وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ : الْمَشِيدُ الْمُجَصَّصُ ، قَالَ : وَالْجِصُّ فِي الْمَدِينَةِ يُسَمَّى الشَّيْدُ ، وَأَنْشَدَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ امْرِئِ الْقِيسِ : وَتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَةٍ وَلَا أُجُمًا إِلَّا مَشِيدًا بِجَنْدَلِ وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ أَهْلُهُ شَيَّدُوهُ وَحَصَّنُوهُ .

وَقِصَّةُ الْقَصْرِ الْمَشِيدِ ذَكَرَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ مِنْ بِنَاءِ شَدَّادِ بْنِ عَادٍ فَصَارَ مُعَطَّلًا بَعْدَ الْعُمْرَانِ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْنُوَ مِنْهُ عَلَى أَمْيَالٍ مِمَّا يُسْمَعُ فِيهِ مِنْ أَصْوَاتِ الْجِنِّ الْمُنْكَرَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : ( يَسْطُونَ ) يَفْرُطُونَ مِنَ السَّطْوَةِ ، وَيُقَالُ يَسْطُونَ يَبْطِشُونَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : يَكَادُونَ يَسْطُونَ أَيْ يَفْرُطُونَ عَلَيْهِ مِنَ السَّطْوَةِ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : كَانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ إِذَا سَمِعُوا الْمُسْلِمَ يَتْلُو الْقُرْآنَ كَادُوا يَبْطِشُونَ بِهِ وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ طَهَ . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ : أَخْبَرَنِي شَبَابَةُ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : يَكَادُونَ أَيْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ يَسْطُونَ أَيْ يَبْطِشُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ الْقُرْآنَ .

وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : يَسْطُونَ فَقَالَ : يَبْطِشُونَ . قَوْلُهُ : وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ الْإِسْلَامِ ، هَكَذَا لَهُمْ ، وَسَيَأْتِي تَحْرِيرُهُ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بِسَبَبٍ بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ التَّمِيمِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ بِحَبْلٍ إِلَى سَمَاءِ بَيْتِهِ فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ .

قَوْلُهُ : ثَانِيَ عِطْفِهِ مُسْتَكْبِرٌ ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ . وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ثَانِيَ عِطْفِهِ قَالَ : مُسْتَكْبِرٌ فِي نَفْسِهِ . قَوْلُهُ : وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ أُلْهِمُوا إِلَى الْقُرْآنِ سَقَطَ قَوْلُهُ : إِلَى الْقُرْآنِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ أُلْهِمُوا وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ : إِلَى الْقُرْآنِ ، وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ الْإِسْلَامِ وَهَذَا هُوَ التَّحْرِيرُ .

وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ قَالَ : أُلْهِمُوا . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي قَوْلِهِ : إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ قَالَ : الْقُرْآنُ . وَفِي قَوْلِهِ : وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ الْإِسْلَامُ .

قَوْلُهُ : تَذْهَلُ تُشْغَلُ ) رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ فِي قَوْلِهِ : تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ أَيْ تَسْلُو مِنْ شِدَّةِ خَوْفِ ذَلِكَ الْيَوْمِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ أَيْ تَسْلُو ، قَالَ الشَّاعِرُ : صَحَا قَلْبُهُ يَا عَزُّ أَوْ كَادَ يَذْهَلُ وَقِيلَ : الذُّهُولُ الِاشْتِغَالُ عَنِ الشَّيْءِ مَعَ دَهَشٍ .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث