حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ أَلِنْ جَانِبَكَ

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ قَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا . يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، تَابَعَهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ . قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ( اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ ) أَيْ بِاعْتِبَارِ تَخْلِيصِهَا مِنَ النَّارِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا مِنَ الْعَذَابِ ، فَكَانَ ذَلِكَ كَالشِّرَاءِ ، كَأَنَّهُمْ جَعَلُوا الطَّاعَةَ ثَمَنَ النَّجَاةِ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ فَهُنَاكَ الْمُؤْمِنُ بَائِعٌ بِاعْتِبَارِ تَحْصِيلِ الثَّوَابِ وَالثَّمَنُ الْجَنَّةُ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النُّفُوسَ كُلَّهَا مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَأَنَّ مَنْ أَطَاعَهُ حَقَّ طَاعَتِهِ فِي امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ وفي مَا عَلَيْهِ مِنَ الثَّمَنِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ . قَوْلُهُ : ( يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ ، يَا عَبَّاسُ .. . إِلَخْ ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَحْمَدَ : دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرِيشًا فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ .

يَا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبٍ كَذَلِكَ ، يَا مَعْشَرَ بَنِي هَاشِمٍ كَذَلِكَ ، يَا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَذَلِكَ الْحَدِيثُ . قَوْلُهُ : ( يَا صَفِيَّةُ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بِنَصْبِ عَمَّةٍ ، وَيَجُوزُ فِي صَفِيَّةَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ : يَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ أَصْبَغُ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ .. .

إِلَخْ ) سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي الْوَصَايَا ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَقْرَبَ لِلرَّجُلِ مَنْ كَانَ يَجْمَعُهُ هُوَ وَجَدٌّ أَعْلَى ، وَكُلُّ مَنِ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي جَدٍّ دُونَ ذَلِكَ كَانَ أَقْرَبَ إِلَيْهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي الْمُرَادِ بِالْأَقْرَبِينَ وَالْأَقَارِبِ فِي الْوَصَايَا ، وَالسِّرُّ فِي الْأَمْرِ بِإِنْذَارِ الْأَقْرَبِينَ أَوَّلًا أَنَّ الْحُجَّةَ إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ تَعَدَّتْ إِلَى غَيْرِهِمْ ، وَإِلَّا فَكَانُوا عِلَّةً لِلْأَبْعَدِينَ فِي الِامْتِنَاعِ ، وَأَنْ لَا يَأْخُذَهُ مَا يَأْخُذُ الْقَرِيبَ لِلْقَرِيبِ مِنَ الْعَطْفِ وَالرَّأْفَةِ فَيُحَابِيهِمْ فِي الدَّعْوَةِ وَالتَّخْوِيفِ ، فَلِذَلِكَ نَصَّ لَهُ عَلَى إِنْذَارِهِمْ . وَفِيهِ جَوَازُ تَكْنِيَةِ الْكَافِرِ ، وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، كَذَا قِيلَ . وَفِي إِطْلَاقِهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ الَّذِي مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ حَيْثُ يَكُونُ السِّيَاقُ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِهِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ لِشُهْرَتِهِ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا كَمَا فِي هَذَا أَوْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى مَا يَئُولُ أَمْرُهُ إِلَيْهِ مِنْ لَهَبِ جَهَنَّمَ .

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ ذِكْرَهُ بِاسْمِهِ لِقُبْحِ اسْمِهِ لِأَنَّ اسْمَهُ كَانَ عَبْدَ الْعُزَّى ، وَيُمْكِنُ جَوَابٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّ التَّكْنِيَةَ لَا تَدُلُّ بِمُجَرَّدِهَا عَلَى التَّعْظِيمِ ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الِاسْمُ أَشْرَفُ مِنَ الْكُنْيَةِ ، وَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ بِأَسْمَائِهِمْ دُونَ كُنَاهُمْ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث