بَاب قَوْلِهِ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
سُورَةُ السَّجْدَةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَهِينٌ : ضَعِيفٌ ، نُطْفَةُ الرَّجُلِ . ضَلَلْنَا : هَلَكْنَا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْجُرُزُ : الَّتِي لَا تُمْطِرُ إِلَّا مَطَرًا لَا يُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا .
نَهْدِ نُبَيِّنُ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ السَّجْدَةِ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلنَّسَفِيِّ ، وَلِغَيْرِهِمَا تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ حَسْبَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَهِينٌ ضَعِيفٌ نُطْفَةُ الرَّجُلِ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ضَعِيفٍ ، وَلِلْفِرْيَابِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي قَوْلِهِ : مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ قَالَ : نُطْفَةُ الرَّجُلِ .
قَوْلُهُ : ( ضَلَلْنَا : هَلَكْنَا ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ قَالَ : هَلَكْنَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْجُرُزُ الَّتِي لَا تُمْطِرُ إِلَّا مَطَرًا لَا يُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْهُ مِثْلَهُ ، وَذَكَرَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَذَلِكَ زَادَ إِبْرَاهِيمُ ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : هِيَ أَرْضُ أَبْيَنَ . وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْحَرْبِيُّ وَقَالَ : أَبْيَنُ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْيَمَنِ ، فَلَعَلَّ مُجَاهِدًا قَالَ : ذَلِكَ فِي وَقْتٍ لَمْ تَكُنْ أَبْيَنُ تُنْبِتُ فِيهِ شَيْئًا .
وَأَخْرَجَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ قَالَ : هِيَ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الْأَرْضُ الْجُرُزُ : الْيَابِسَةُ الْغَلِيظَةُ الَّتِي لَمْ يُصِبْهَا مَطَرٌ . قَوْلُهُ : ( يَهْدِ : يُبَيِّنْ ) أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ قَالَ : أَوَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ .
قَوْلُهُ : ( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي ) وَوَقَعَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ : أَنَّ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَأَلَ رَبَّهُ مَنْ أَعْظَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً ؟ فَقَالَ : غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا ، فَلَا عَيْنَ رَأَتْ وَلَا أُذُنَ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ ، سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مُوسَى سَأَلَ رَبَّهُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِيهِ هَذَا ، وَفِي آخِرِهِ : قَالَ : وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ قَوْلُهُ : ( وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ) زَادَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي حَدِيثِهِ : وَلَا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَهُوَ يَدْفَعُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّمَا قِيلَ الْبَشَرُ لِأَنَّهُ يَخْطِرُ بِقُلُوبِ الْمَلَائِكَةِ . وَالْأَوْلَى حَمْلُ النَّفْيِ فِيهِ عَلَى عُمُومِهِ ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ فِي النَّفْسِ . قَوْلُهُ : ( دُخْرًا ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ : مَنْصُوبٌ مُتَعَلِّقٌ بِأَعْدَدْتُ ، أَيْ : جَعَلْتُ ذَلِكَ لَهُمْ مَدْخُورًا .
قَوْلُهُ : ( مِنْ بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَأَنَّهُ يَقُولُ : دَعْ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ سَهْلٌ فِي جَنْبِ مَا ادُّخِرَ لَهُمْ . قُلْتُ : وَهَذَا لَائِقٌ بِشَرْحِ بَلْهَ بِغَيْرِ تَقَدُّمِ مِنْ عَلَيْهَا ، وَأَمَّا إِذَا تَقَدَّمَتْ مِنْ عَلَيْهَا فَقَدْ قِيلَ : هِيَ بِمَعْنَى كَيْفَ ، وَيُقَالُ : بِمَعْنَى أَجَلْ ، وَيُقَالُ : بِمَعْنَى غَيْرَ أَوْ سِوَى ، وَقِيلَ : بِمَعْنَى فَضَلَ ، لَكِنْ قَالَ الصَّغَانِيُّ : اتَّفَقَتْ نُسَخُ الصَّحِيحِ عَلَى مِنْ بَلْهَ ، وَالصَّوَابُ إِسْقَاطُ كَلِمَةِ مِنْ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ إِسْقَاطُهَا إِلَّا إِذَا فُسِّرَتْ بِمَعْنَى : دَعْ ، وَأَمَّا إِذَا فُسِّرَتْ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ أَوْ مِنْ غَيْرِ أَوْ سِوَى فَلَا ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي عِدَّةِ مُصَنَّفَاتٍ خَارِجَ الصَّحِيحِ بِإِثْبَاتِ مِنْ . وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَمِنْ طَرِيقِهِ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَذَلِكَ ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ : الْمَعْرُوفُ بَلْهَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى : اتْرُكْ نَاصِبًا لِمَا يَلِيهَا بِمُقْتَضَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَاسْتِعْمَالُهُ مَصْدَرًا بِمَعْنَى التَّرْكِ مُضَافًا إِلَى مَا يَلِيهِ ، وَالْفَتْحَةُ فِي الْأُولَى بِنَائِيَّةٌ وَفِي الثَّانِيَةِ إِعْرَابِيَّةٌ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُهْمَلُ الْفِعْلِ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ .
وَقَالَ الْأَخْفَشُ : بَلْهَ هُنَا مَصْدَرٌ ، كَمَا تَقُولُ : ضَرْبَ زَيْدٌ ، وَنَدَرَ دُخُولُ مِنْ عَلَيْهَا زَائِدَةً . وَوَقَعَ فِي الْمُغْنِي لِابْنِ هِشَامٍ أَنَّ بَلْهَ اسْتُعْمِلَتْ مُعْرَبَةً مَجْرُورَةً بِمِنْ وَأَنَّهَا بِمَعْنَى غَيْرَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَاهُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ ابْنَ التِّينِ حَكَى رِوَايَةَ : مِنْ بَلْهَ بِفَتْحِ الْهَاءِ مَعَ وُجُودِ مِنْ ، فَعَلَى هَذَا فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ ، وَهِيَ وَصِلَتُهَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَالْخَبَرُ هُوَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ الْمُتَقَدِّمُ ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِبَلْهَ كَيْفَ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الِاسْتِبْعَادُ ، وَالْمَعْنَى مِنْ أَيْنَ اطِّلَاعُكُمْ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ الَّذِي تَقْصُرُ عُقُولُ الْبَشَرِ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ ، وَدُخُولُ مِنْ عَلَى بَلْهَ إِذَا كَانَتْ بِهَذَا الْمَعْنَى جَائِزٌ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّرِيفُ فِي شَرْحِ الْحَاجِبِيَّةِ . قُلْتُ : وَأَصَحُّ التَّوْجِيهَاتِ لِخُصُوصِ سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ حَيْثُ وَقَعَ فِيهِ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ دُخْرًا مِنْ بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ أَنَّهَا بِمَعْنَى غَيْرَ ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ : قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ قُرَّاتِ أَعْيُنٍ ) وَصَلَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ لَهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ سَوَاءٌ ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ كُلَّهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ بِهِ .