حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قَوْلُهُ لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ

حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : بُنِيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ فَأُرْسِلْتُ عَلَى الطَّعَامِ دَاعِيًا ، فَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ ، فَدَعَوْتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُو ، فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ ، قَالَ : فارْفَعُوا طَعَامَكُمْ . وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَتُ اللَّهِ ، فَقَالَتْ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَتُ اللَّهِ ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ . فَتَقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ ، يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا يَقُولُ لِعَائِشَةَ ، وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ .

ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا ثَلَاثَةٌ مِنْ رَهْطٍ فِي الْبَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ - وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَدِيدَ الْحَيَاءِ - فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْوَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ، فَمَا أَدْرِي آخْبَرْتُهُ أَوْ أُخْبِرَ أَنَّ الْقَوْمَ خَرَجُوا ، فَرَجَعَ حَتَّى إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ دَاخِلَةً وَأُخْرَى خَارِجَةً أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ( فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ) فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ صَبِيحَةَ بِنَائِهِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ وَيُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُنَّ وَيَدْعُونَ لَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُنَّ قُلْنَ لَهُ : كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ . قَوْلُهُ : ( فَتَقَرَّى ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي ، أَيْ تَتَبَّعَ الْحُجُرَاتِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً ، يُقَالُ مِنْهُ قَرَيْتُ الْأَرْضَ إِذَا تَتَبَّعْتُهَا أَرْضًا بَعْدَ أَرْضٍ وَنَاسًا بَعْدَ نَاسٍ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَدِيدَ الْحَيَاءِ فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْوَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ) فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ رَأَى رَجُلَيْنِ جَرَى بِهِمَا الْحَدِيثُ فَلَمَّا رَآهُمَا رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ ، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَانِ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ وَثَبَا مُسْرِعَيْنِ وَمُحَصِّلُ الْقِصَّةِ أَنَّ الَّذِينَ حَضَرُوا الْوَلِيمَةَ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ ، وَاسْتَحْيَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالْخُرُوجِ فَتَهَيَّأَ لِلْقِيَامِ لِيَفْطِنُوا لِمُرَادِهِ فَيَقُومُوا بِقِيَامِهِ ، فَلَمَّا أَلْهَاهُمُ الْحَدِيثُ عَنْ ذَلِكَ قَامَ وَخَرَجَ فَخَرَجُوا بِخُرُوجِهِ ، إِلَّا الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ لَمْ يَفْطِنُوا لِذَلِكَ لِشِدَّةِ شُغْلِ بَالِهِمْ بِمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَفِي غُضُونِ ذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرِيدُ أَنْ يَقُومُوا مِنْ غَيْرِ مُوَاجَهَتِهِمْ بِالْأَمْرِ بِالْخُرُوجِ لِشِدَّةِ حَيَائِهِ فَيُطِيلُ الْغَيْبَةَ عَنْهُمْ بِالتَّشَاغُلِ بِالسَّلَامِ عَلَى نِسَائِهِ ، وَهُمْ فِي شُغْلِ بَالِهِمْ ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ أَفَاقَ مِنْ غَفْلَتِهِ فَخَرَجَ وَبَقِيَ الِاثْنَانِ ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ وَوَصَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَنْزِلِهِ فَرَآهُمَا فَرَجَعَ فَرَأَيَاهُ لَمَّا رَجَعَ ، فَحِينَئِذٍ فَطِنَا فَخَرَجَا ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَأُنْزِلَتِ الْآيَةُ ، فَأَرْخَى السِّتْرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنَسٍ خَادِمِهِ أَيْضًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ بِذَلِكَ .

( تَنْبِيهٌ ) : ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ قِيَامِ الْقَوْمِ . وَالْأُولَى وَغَيْرُهَا أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدُ ، فَيُجْمَعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا نَزَلَتْ حَالَ قِيَامِهِمْ أَيْ أَنْزَلَهَا اللَّهُ وَقَدْ قَامُوا . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْجَعْدِ : فَرَجَعَ فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَأَرْخَى السِّتْرَ وَإِنِّي لَفِي الْحُجْرَةِ وَهُوَ يَقُولُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ - إِلَى قَوْلِهِ - مِنَ الْحَقِّ .

وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَشْرُوعِيَّةُ الْحِجَابِ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ عِيَاضٌ : فَرْضُ الْحِجَابِ مِمَّا اخْتَصَصْنَ بِهِ فَهُوَ فُرِضَ عَلَيْهِنَّ بِلَا خِلَافٍ فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُنَّ كَشْفُ ذَلِكَ فِي شَهَادَةٍ وَلَا غَيْرِهَا وَلَا إِظْهَارُ شُخُوصِهِنَّ وَإِنْ كُنَّ مُسْتَتِرَاتٍ إِلَّا مَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ مِنْ بِرَازٍ . ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ حَفْصَةَ لَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ سَتَرَهَا النِّسَاءُ عَنْ أَنْ يُرَى شَخْصُهَا ؛ وَأَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ جُعِلَتْ لَهَا الْقُبَّةُ فَوْقَ نَعْشِهَا لِيُسْتَرَ شَخْصُهَا . انْتَهَى .

وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ دَلِيلٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ فَرْضِ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ ، وَقَدْ كُنَّ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحْجُجْنَ وَيَطُفْنَ ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَسْمَعُونَ مِنْهُنَّ الْحَدِيثَ وَهُنَّ مُسْتَتِرَاتِ الْأَبَدَانِ لَا الْأَشْخَاصِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ قَوْلُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، لِعَطَاءٍ لَمَّا ذَكَرَ لَهُ طَوَافَ عَائِشَةَ : أَقَبْلَ الْحِجَابُ أَوْ بَعْدَهُ ؟ قَالَ : قَدْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ بَعْدَ الْحِجَابِ . وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث